أخبرتني أم شابة بإصرار عبر الهاتف في قاعة المحاضرات،  بعد أن انتهيت لتوي من إلقاء محاضرة عن الاختلافات بين أدمغة الذكور والإناث: «ربينا أولادنا في منزل لا يميز بين الجنسين منذ ولادتهم ولم نسمح لهم باستخدام أي نوع من الأسلحة، حتى مسدس ماء. ولكن قبل أيام، قضم ابني البالغ من العمر سبع سنوات شطيرته من المربى وزبدة الفول السوداني وجعلها على شكل مسدس، ثم بدأ يطلق بواسطتها النار على شقيقته الصغيرة». فراح الحضور يضحكون ويهزون برؤوسهم، فلكل منهم قصة مماثلة. سألتني هذه الأم: «أين أخطأنا؟».

أسمع الكثير من القصص المشابهة عندما أناقش بحثي عن الاختلافات في الدماغ بين الجنسين. ولكن ما من جواب صحيح واحد عند التعاطي مع السلوك البشري. فيُصر بعض الباحثين على أن ما من أمر يستطيع الأهل القيام به لكبح ميول الصبيان الفطرية نحو الأسلحة والشاحنات، ومن ناحية أن الفتاة تفضل الدمى وأكواب الشاي. لكن البعض الآخر يخالفهم الرأي، مشددين على أن ما من اختلافات بيولوجية فطرية بين أدمغة الفتيان والفتيات. على العكس، تؤثر تحيزات الأهل الضمنية وآراء المجتمع في الأولاد وتدفعهم إلى التصرف بطريقة تلائم جنسهم. لكني أجيب أن الاختلافات في الدماغ بين الجنسين تبقى أكثر مما يود البعض الإقرار به وأقل مما يظنه البعض الآخر.

Ad

تُعتبر الاختلافات بين دماغ الرجل والمرأة موضوع نقاش حامياً، إلا أن دراسة لكائنات نموذجية تشير إلى اختلافات لا يمكن تجاهلها.

يشكِّل حجم الاختلافات في الدماغ بين الجنسين بحد ذاته محور جدال مستمر في العلم. فمن الأسئلة التي نواجه تحدياً في الإجابة عنها: كم نستطيع أن نعزو من وظائف الدماغ إلى الطبيعة البيولوجية، مقارنة بالتوقعات الثقافية؟ وما يزيد هذه المسألة تعقيداً مفهوم الجنس الاجتماعي، علماً أنه بنية بشرية بالكامل تستطيع بحد ذاتها التأثير في نمو الدماغ. يشير الجنس الاجتماعي إلى وجهات نظر الإنسان الشخصية والاجتماعية إلى جنسه، ويشمل التعقيدات التوقعات الثقافية، الأفكار المتحيزة الأساسية، ومعرفة السلوك المحددة مسبقاً، علماً أن هذه كلها تختلف بين الفتيان والفتيات وقد تؤثر في الدماغ الفتي. يزداد هذا الجدال حدة عند تناول مسألة الاختلافات بين الجنسين في القدرات المعرفية والطبيعة العاطفية، وذلك لسبب وجيه: يكون لأي أدلة بيولوجية على تمتع أحد الجنسين بقدرات معرفية أكبر عواقب مدمرة على مفهوم المساواة.

أظهرت الدراسات المخبرية التي أجريت على نماذج حيوانية (لا تتأثر بتحيزات وبنى اجتماعية مثل الجنس الاجتماعي) اختلافات بنيوية بارزة بين أدمغة الذكور والإناث تبدأ أثناء نمو الجنين وفي المراحل الباكرة بعد ولادته، فضلاً عن دور تؤديه الهرمونات التي تختلف بين الجنسين في وظائف الدماغ البالغ. ولهذا السبب، يتفادى الباحثون إجراء تجارب على حيوانات من الإناث.

 كشفت مقارنة حديثة أن علم الأعصاب يُعتبر الأكثر ميلاً نحو تركيز دراساته على الذكور، بما أن الدراسات التي تشمل حيوانات من الذكور فحسب تفوق بخمسة أضعاف تلك التي تستند إلى حيوانات من الجنسين أو من الإناث فحسب. وبغية تبرير هذا التحيز إلى الذكور في التجارب المخبرية، يشدد الباحثون على أن ما من اختلاف في وظائف الدماغ بين الجنسين خارج إطار الإنجاب، وأن ما يُدعى «إذكار» (إضفاء طابع ذكوري) دماغ الحيوانات من الذكور يحدث فقط في المناطق التي تتحكم في سلوك التكاثر.

ولكن تزداد الأدلة التي تؤكد الاختلافات في وظائف الدماغ بين الجنسين، وتظهر أن الاختلافات تتجلى بطرق مفاجئة في النماذج الحيوانية السليمة والمريضة. ويعود كثير منها بين الجنسين في بنية الأدمغة البالغة وسلوكها إلى تأثيرات تنظيمية للهرمونات الستيرويدية التناسلية في الرحم، خصوصاً الأندروجينات ومشتقاتها من الإستروجين، علماً أن النوعين من الهرمونات يتوافران بكميات أعلى تركيزاً في الأجنة الذكور بسبب توليد الستيرويد في الخصيتين. علاوة على ذلك، قد تعود الاختلافات في الدماغ بين الجنسين إلى عوامل متنوعة، بما فيها تعبير الجينات المحمولة على صبغيات الجنس والاختلاف في تعامل الأم مع أولادها الذكور والإناث. ولا شك في أن هذه العوامل تؤدي معاً إلى اختلافات في التوليد العصبي، تكوّن الميالين، تشذيب المشابك العصبية، تشعب التغصنات العصبية، نمو المحاور، الاستماتة، وغيرها من الأطر العصبية.

لكن لا يعني ذلك  أن المسائل كافة مختلفة. فلا اختلاف في الجزء الأكبر من الدماغ ووظائفه بين الجنسين. ولكن عندما يختلفان، ينشأ السؤال: كيف حدثت هذه الاختلافات؟ وبأي آليات خلوية تبدل مسار النمو في مناطق تختلف بين الذكور والإناث؟ ركزت الدراسات الباكرة على المشتبه بهم المعتادين، مثل النواقل العصبية، التروفينات العصبية، وعوامل النسخ. إلا أننا نشهد اليوم إعادة نظر إلى أصول الاختلافات بين الجنسين في أدمغة الثدييات مع تحول التركيز من العوامل التقليدية إلى فهم جديد لوظائف الهرمونات الستيرويدية.

الجنس في الدماغ

يكون جنين الثدييات أنثى بطبيعته. ويتطور الذكور عندما يجري التعبير عن جينة تحديد النسل في الصبغي Y، ما يؤدي إلى تكوّن الخصيتين. وخلال نمو الجنين، تنتج الخصيتان كميات كبيرة من التيستوستيرون، الذي يحوَّل الإستروجين. ومن ثم يؤثر كلا الهرمونين في الدماغ، ما يؤدي إلى تطورات عدة، منها عملية الإذكار الخلوية.

تُعتبر الغدد التناسلية في الجنين النامي محور تحديد الجنس. فتعتمد  الخصائص الجنسية الأساسية والثانوية على هرمونات تفرزها الخصيتان أو المبيضات في مرحلة لاحقة من النمو. تتحول الطلائع التناسلية بطبيعتها إلى مبيض، في حين  تشكل الخصية يتطلب عامل نسخ تحمل شفرته جينة تحديد النسل في الصبغي Y. على نحو مماثل، ينمو الدماغ كدماغ أنثى بطبيعته ولا يوَجّه نحو الإذكار إلا إذا تعرض لستيرويدات من الخصية. يؤدي إذكار الدماغ أثناء النمو إلى اختلافات بنيوية بارزة في الدماغ بين الجنسين. فيصبح بعض مناطق الدماغ أكبر لدى الذكور، فيما تتقلص أخرى. كذلك يختلف حجم مجموعات الخلايا التي تشكل النوى والنوى الفرعية في الدماغ بسبب الاختلافات في عدد الخلايا و/أو كثافتها، فضلاً عن عدد الخلايا العصبية التي تعبر عن ناقل عصبي محدد. كذلك نلاحظ تفاوتاً في طول وتشعب أنماط التغضّن ووتيرة المشابك العصبية بين الذكور والإناث (بطرق محددة وفي مناطق معينة). وينطبق الأمر عينه على المحاور العصبية التي تربط النوى وتمتد عبر نصفي الدماغ. حتى الخلايا غير العصبية تتعرض للإذكار. على سبيل المثال، تكون الخلايا النجمية في بعض أجزاء دماغ الذكر أكثر {كثافة} مع عمليات أطول وأكثر نشاطاً، مقارنة بالخلايا عينها في مناطق الدماغ ذاتها لدى الأنثى. على نحو مماثل تكون الدبيقيات، وهي خلايا بلعمية معدلة تشكل جهاز المناعة الخاص بالدماغ، أكثر نشاطاً في أجزاء من دماغ الذكور وتساهم في التغييرات التي نلاحظها في الخلايا العصبية.

تؤدي الهرمونات الستيرويدية إلى تغييرات مماثلة بالاتحاد مع عوامل نسخ تنقلها بعد ذلك إلى نوى الخلايا للبدء بعملية النسخ الجيني. على سبيل المثال، يتحد الإستراديول بمستقبله بغية إطلاق التعبير عن جينة السيكلوأوكسيجيناز، الذي يولد الخطوة التي تحد من معدل إنتاج جزيئات الإشارة القصيرة الأمد التي تُدعى بروستاغلاندين E2 (PGE2).

قبل نحو 10 سنوات، توصلنا أنا وزملائي إلى اكتشاف مذهل عن أن PGE2 ضرورية وكافية لدى الجنين بغية إذكار  المنطقة أمام التصالبة البصرية، وهي منطقة من الدماغ تؤدي دوراً في السلوك الجنسي لدى الفئران الذكور. ففي حالة الذكور، تُضبط معدلات PGE2 بشكل انتقائي في هذه المنطقة من الدماغ بتخليق إنزيم السيكلوأوكسيجيناز بتحفيز من هرمون الإستراديول. فتُطلق جزيئات PGE2 بعد ذلك تفاعلات تحويلية تؤدي إلى تنشيط مستقبلات AMPA غلوتامايت وتشكل واستقرار المشابك العصبية في شجيرات الخلايا العصبية في هذه المنطقة من الدماغ. نتيجة لذلك، تتمتع الفئران الذكور بكثافة مضاعفة من المشابك العصبية المهيجة في المنطقة أمام التصالبة البصرية، مقارنة بالإناث. ويتلاءم هذا بالتأكيد مع التعبير عن سلوك التزاوج لدى الذكور في مرحلة البلوغ.

اكتشفنا بعد ذلك أن الدبيقيات، التي بدأ العلماء أخيراً يولونها اهتماماً كبيراً لدورها في صوغ الدارات العصبية، تشكل مصدراً بارزاً لـPGE2. فلا يحتوي دماغ الذكور الشاب على كمية أكبر من الخلايا المناعية الأساسية هذه فحسب، إلا أن تركيبتها تعكس حالة أكثر نشاطاً، وهي تنتج مقداراً أكبر من PGE2، مقارنة بالدبيقيات في دماغ الإناث. وتؤدي العلاجات الدوائية التي تُعطى في مرحلة باكرة من النمو بغية الحد من نشاط الدبيقيات إلى تراجع إنتاج PGE2 وتحول دون حدوث الإذكار الناجم عن الإستراديول. إذاً، تُعتبر الدبيقيات (خلايا غير عصبية) والوسيط الالتهابي PGE2 بالغة الأهمية في عملية إذكار المنطقة أمام التصالبة البصرية لدى الفئران.

من المناطق الأخرى في الدماغ التي تخضع لعملية إذكار أثناء نمو اللوزة الدماغية، التي تشكل، فضلاً عن دورها في معالجة المشاعر، منطقة أساسية في ضبط سلوك المرح الاجتماعي (الذي يُعتبر مرحاً عشوائياً ومتهوراً) في سن المراهقة، علماً أن هذا السلوك يختلف كثيراً بين الذكور والإناث في مجموعة متنوعة من الأنواع. تُعتبر ازدواجية الشكل في وتيرة وحدة هذا اللعب مثيرة جداً للاهتمام، لأنها تتجلى خلال مرحلة من الحياة تكون كمية الستيرويدات الناشطة ضئيلة إلى معدومة. نتيجة لذلك، يُعتبر أي اختلاف بين الذكور والإناث جينياً أو عائداً إلى تأثيرات تنظيمية سابقة للستيرويدات في الدماغ. صحيح أن الاختلافات بين الجنسين في أنماط المشابك العصبية في اللوز الدماغية لا تبدو واضحة بقدر المنطقة أمام التصالبة البصرية، ولكن ثمة اختلاف بارز في توليد الخلايا خلال الفترة الحساسة ما بعد الولادة (خلال الأيام الأربعة على الأقل من حياة الفئران وصولاً إلى أسبوع بالنسبة إلى الجرذان) مع إنتاج اللوزة لدى الإناث عدداً أكبر من الخلايا العصبية الجديدة والخلايا النجمية، مقارنة بالمنطقة ذاتها لدى الذكور. يبدو أن هذا الاختلاف المحدد بين الجنسين يعود إلى الأندوكانابينويدات، ربيطات طبيعية خاصة بالمستقبلات التي تنشطها المركبات المنشطة في الماريجوانا. فتعمل معدلات الأندوكانابينويدات العالية خصوصاً في اللوزة لدى الذكور على كبح عملية توليد الخلايا. وتبين أن زيادة معدلات الأندوكانابينويدات لدى الإناث أو إعطاءها ما يحاكي عمل الأندوكانابينويدات خلال الأسبوع الأول من حياتها يخفض توليد الخلايا في اللوزة إلى ما يقارب ما نلاحظه لدى الذكور. والمثير للاهتمام أن هذا يتزامن مع زيادة في المرح الاجتماعي لدى الإناث في مرحلة المراهقة. صحيح أننا لا نعلم كيف تخفض الأندوكانابينويدات توليد الخلايا في اللوزة، غير أن الأدلة الحالية تشير إلى أن الدبيقيات المقيمة في هذه المنطقة من الدماغ تشكل على الأرجح وسيطاً بالغ الأهمية في تحديد عدد الخلايا، تماماً كما تفعل في مناطق أخرى من الدماغ.  تستطيع الدبيقيات ضبط عدد الخلايا بطريقتين: التهام الخلايا الميتة أو المنازعة، أو تغليف خلايا حية وقتلها، علماً أن هذه العملية دُعيت أخيراً phagoptosis. لا شك في أن ضبط عدد الخلايا بدقة بالغة الأهمية بالنسبة إلى صحة الدماغ، فإن لم تُزل الخلايا الميتة بفاعلية، فقد يخرج محتواها السام إلى المساحة بين الخلايا، ما يؤدي إلى موت عدد أكبر من الخلايا.

في المقابل، إن تكاثرت الخلايا بشكل مفرط، تضيع القدرة على تشكيل وصلات منظمة والحفاظ عليها. وتُعتبر الدبيقيات القيم على هاتين العمليتين كلتيهما. وتكشف الأبحاث الجارية حالياً أن هذا ينطبق أيضاً على الأرجح على ضبط اختلاف أعداد الخلايا بين الجنسين في نوى فرعية معينة.

علم الوراثة اللاجيني والدماغ

تُعتبر عملية إذكار الدماغ التي تحفزها الهرمونات حدثاً تنظيمياً نظراً إلى استمراريته النسبية. لكن العلماء ما زالوا يجهلون كيفية استمرار هذه الحالة. ففي المنطقة أمام التصالبة البصرية، التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالوطاء وتضبط السلوك الجنسي الذكري، نلاحظ اختلافات جنسية ثابتة في كثافة المشابك العصبية في مختلف مراحل حياة القوارض. فللذكور ضعف مقدار المشابك العصبية في شجيرة عصبية محددة، مقارنة بالإناث. وينطبق هذا الواقع على الجرذان الحديثة الولادة، المراهقة، والبالغة. ولا شك في أن أمراً ما يحافظ على هذا الاختلاف في عدد المشابك العصبية.

من الأسباب المشتبه بها التغييرات الوراثية اللاجينية في الجينوم، التي نعرف اليوم أنها قادرة على تخزين ذكريات خلوية مماثلة. فبالتدخل في ميثيلترانسفيراز الحمض النووي بغية التسبب بعملية نزع ميثيل واسعة للجينوم، عثرت مجموعتي على نشاط أكبر لميثيلترانسفيراز الحمض النووي لدى إناث الجرذان تلاءمت بشكل دقيق مع زيادة إضافة ميثيل الحمض النووي في منطقة الدماغ التي تتحكم في إذكار السلوك الجنسي. نتيجة لذلك، أدى تثبيط ميثيلترانسفيراز الحمض النووي لدى الإناث خلال الأسبوع الأول من الحياة إلى جرذان أشبه بالذكور من حيث بنية الدماع والسلوك.  ويُفترض أن هذا التغيير يعود إلى الحد من عملية إضافة ميثيل الحمض النووي وتعزيز تعبير مجموعة من الجينات الأساسية في عملية الإذكار.

 واللافت أننا إذا عالجنا الإناث بمثبط لميثيلترانسفيراز الحمض النووي خارج الفترة الحساسة، تبقى ذات طابع ذكوري، ما يشير إلى أن إضافة ميثيل الحمض النووي خطوة بالغة الأهمية للحفاظ على الأنوثة بقمع جينات الإذكار بفاعلية. وقد صح الأمر عينه في الفئران التي حُذف إنزيم DNMT3a جينياً من منطقتها ما قبل البصرية. نعمل راهناً على تحديد الجينات التي تتحرر بتوقف عملية إضافة الميثيل، إلا أن التحاليل الأولية تشير إلى جينات ترتبط بالدبيقيات والخلايا البدينة، عنصر آخر في جهاز المناعة الأساسي في الدماغ.

لكن دور عملية إضافة ميثيل الحمض النووي في اختلافات الدماغ بين الجنسين ليس واضحاً بشكل قاطع. تؤكد وجهة النظر المتبعة عموماً أن العلامات اللاجينية تحدث باكراً وتستمر. لكن الدراسات أظهرت أننا قد نشهد ردة فعل لاجينية متأخرة تجاه علاج هرموني باكر، أو ما يُعتبر نوعاً من التردد اللاجيني.

على سبيل المثال، لاحظ عالم الوراثة إريك فيلان من جامعة كاليفورنيا بلوس أنجليس وزملاؤه عدداً أكبر من الاختلافات بين الجنسين في عملية إضافة ميثيل الحمض النووي لدى الفئران البالغة، مقارنة بتلك الحديثة الولادة، سواء في الجسم المخطط أو المنطقة أمام التصالبة البصرية. كذلك تبين لهم أن معالجة إناث الفئران الحديثة الولادة بالتيستوستيرون يبدل عمليتها لإضافة ميثيل الحمض النووي إلى ما تراه لدى الذكور، مع أن ذلك لا يحدث إلا بعد أن تصبح بالغة.

وفي دراسة مماثلة، اكتشف باحثون من جامعة ماريلاند ببالتمور أن الاختلافات بين الجنسين في عملية إضافة الميثيل في المناطق المحفزة لمستقبلات الإستروجين والبروجستيرون في الحصين، المنطقة أمام المتصالبة البصرية، والوطاء. إلا أن نمط إضافة الميثيل تبدل بتبدل مراحل حياة الحيوانات، من الطفولة إلى المراهقة فالبلوغ. إذاً، من الواضح أن للهرمونات تأثيراً تنظيمياً في الدماغ، غير أن ظهور هذه التأثيرات في الإبيجينوم (ما فوق الجينوم) لا يتربط ارتباطاً وثيقاً بوقت لتعرض لها. بالإضافة إلى ذلك، ما زالت كيفية حدوث ذلك على المستوى الخلوي لغزاً.

تبدو تغييرات الهستون مهمة أيضاً في عملية اختلاف عقل الذكر عن الأنثى. على سبيل المثال، يتكدس  H3K4me3 ، أحد تغييرات الهستون، في مواقع بداية النسخ، ويرتبط عموماً، لا دوماً، مع تنامي التعبير الجيني. كشف تحليل شامل للجينوم في المنطقة أمام المتصالبة البصرية لدى الفئران أن نحو 250 جينة تؤدي إلى اختلافات بين الجنسين وترتبط بالمتغيير H3K4me3، علماً أن أكثر من 70% منها كانت أعلى لدى الإناث. واتضح أن الكثير من هذه الجينات يشمل عمليات نقل عبر المشابك العصبية، نمو الخلايا العصبية، والتمايز.

لا عجب في أن نلاحظ أيضاً اختلافات بين الجنسين في معدلات الهستون دياسيتيلاز التي تحفز علامات لاجينية مماثلة. فثمة معدلات أعلى من الهستون دياسيتيلاز في المنطقة أمام المتصالبة البصرية لدى الفئران الذكور الحديثي الولادة. وتميل هذه الإنزيمات إلى الارتباط مع المناطق المحفزة لمستقبل الإستروجين وإنزيم أروماتاز، اللذين يشكلان الإستراديول. ترتبط عملية نزع الأسيتيل مع ازدياد التعبير الجيني، علماً أن التعبير عن مستقبل الإستروجين والأروماتاز يبدو بارزاً لدى الذكور. نتيجة لذلك، يؤدي تثبيط الهستون دياسيتيلاز بقوة خلال الأسبوع الأول من الحياة إلى عرقلة الأداء الجنسي الذكوري في سن البلوغ، ما يؤكد أهمية عملية نزع الأسيتيل في الإذكار الطبيعي.

إذاً، كما هي الحال مع عملية إضافة ميثيل الحمض النووي، تشكل التغييرات في الهستون في الإبيجينوم مكونات التمايز الجنسي في الدماغ. إلا أننا بدأنا لتونا بحل هذه الشفرة المعقدة.

التحيز الجنسي في الاضطرابات العصبية-النفسية

الكآبة الحادة: بين الاضطرابات العصبية النفسية الأكثر شيوعاً، تُعتبر الكآبة الحادة من الأشد تحيزاً بين الجنسين، بما أن المرأة تُعتبر أكثر عرضة لهذا الاضطراب بنحو الضعف، مقارنة بالرجل. وتُرى هذه الظاهرة حول العالم، ما يشير إلى أن أصولها عضوية أكثر منها ثقافية. يُعتبر خلل محور الإجهاد وتزامن ذلك مع الطبيعة الديناميكية لهرمونات الإنجاب لدى المرأة من الأسباب الرئيسة التي تجعلها أكثر عرضة لهذا الاضطراب، مع أن الأدلة الأخيرة تشير إلى أن أصول هذا الخلل قد تعود إلى الطفولة. رغم ذلك، لا يمكننا تجاهل أهمية المتغيرات التي تساهم في هذا التحيز الجنسي، مثل استعداد المرأة لطلب المساعدة، في حين يميل الرجال إلى اللجوء إلى المخدرات وغيرها.

القهم العصبي: لا يبدأ هذا الاضطراب إلا بعد مرحلة البلوغ ويُعتبر عموماً من أمراض النساء الشابات، علماً أن معدل التفاوت بين الجنسين يبلغ 10:1 ويُعزى في المقام الأول إلى الضغوط الاجتماعية الواضحة. ومن اللافت أن الاختلاف في خطر الإصابة بالضور العصبي (اضطراب يشمل شراهة في الأكل من دون أي تبدل في وزن الجسم) لا يتخطى ثلاثة أضعاف.

اضطراب طيف التوحد: ساد الاعتقاد سابقاً أن هذا الاضطراب أكثر انتشاراً بين الفتيان بنحو الضعف. لكن التقديرات الحالية ترفع هذا المعدل إلى 5:1. تشير نظرية تلقى اليوم رواجاً كبيراً، مع أنها غير مثبتة علمياً، إلى أن معدلات التيستوستيرون العالية في الرحم

تؤدي إلى سلوك شبيه بهذا الاضطراب، وذلك بوضع الصبية على طرف الطيف المخصص للرجال. في المقابل، تعتبر نظرية أخرى أن هذه الحالة لا تُشخص بشكل كافٍ عند الفتيات

نظراً إلى تحيز الأطباء وتجلي هذا الاضطراب من خلال أنماط سلوك مختلفة تترافق مع مقدار أقل من الإعاقات المعرفية والاجتماعية. كذلك يعتبر البعض أن الفتيات أكثر صلابة وأن هذا الاضطراب لا يتجلى بوضوح في حالتهن ما لم يتعرضن لخلل جيني كبير جداً. وتدعم أدلة قوية وجهة النظر هذه، وخصوصاً في الحالات التي تكون فيها أصول هذا الاضطراب واضحة.

اضطراب فرط النشاط ونقص الانتباه: نلاحظ تفاوتاً كبيراً في التقارير التي تشير إلى أن هذا الاضطراب يصيب الفتيان أكثر من الفتيات. ويعود هذا التحيز على الأرجح إلى عوامل ثقافية بقدر العوامل البيولوجية. بالإضافة إلى ذلك، يميل الرجال إلى الإعراض عن إعاقات أكثر وضوحاً، ما يساهم في زيادة احتمال تشخيص حالتهم بما لا يقل عن أربعة أضعاف.

الفصام: عندما نتأمل في هذا الاضطراب على صعيد السكان ككل، لا نلاحظ أي اختلاف بين الجنسين في وتيرة الإصابة بالفصام. لكن يُعتبر أكثر انتشاراً بين الفتيان والشبان، مقارنة بالفتيات. نحو منتصف العمر والمراحل اللاحقة، يصبح أكثر بروزاً بين النساء. ولا شك في أن الاختلافات في ردة الفعل تجاه الإجهاد، مع تنامي النشاط أو تراجعه في مناطق محددة من دماغ الرجال، مقارنة بالنساء، تساهم في هذا التفاوت في هذا الاضطراب بين الجنسين.

الاضطراب الثنائي القطب: لا تختلف معدلات الاضطراب الثنائي القطب بين الرجال والنساء. إلا أن تعددية الأشكال الجينية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بهذا الاضطراب تتلاءم أكثر مع الخطر في حالة النساء لا الرجال. ويبرز هذا الكم الهائل من المعلومات التي ما زال علينا تعلمها طبيعة الاختلافات بين الجنسين في الاضطرابات العصبية النفسية والطرق المختلفة التي تتجلى من خلالها هذه الاختلافات.

تراكيب الدماغ

إلى أي حدد تتجلى الاختلافات بين الجنسين في الدماغ التي لوحظت لدى القوارض في حالة البشر؟ صحيح أننا لا نستطيع إجراء تجارب على الناس لأسباب وجيهة بالتأكيد، إلا أننا نستطيع الاعتماد على «التجارب الطبيعية» التي يتبدَّل فيها التوازن الهرموني أو الحساسية الهرمونية نتيجة خلل جيني. ومن الأمثلة الأبرز التي تناولتها دراسات عدة فرط تنسج الكظر الخلقي، حين ينتج الكظر كمية مفرطة من الأندروجين أثناء نمو الجنين، ومتلازمة مقاومة الأندروجين، حين تعاني مستقبلات الأندروجين طفرة تجعله عاجزاً على الاتحاد بالتستوستيرون وسائر الأندروجين. في  الحالتين، يحدث نمو الغدد التناسلية وفق الجنس المحدد في الصبغيات، مثلاً، يحظى الجنين XX بمبيضين والجنين XY بخصيتين. لكن خصائص الجنس الثانوية تميل عادة إلى الجنس المعاكس. على سبيل المثال، تولد الفتيات اللواتي يعانين فرط تنسج الكظر الخلقي بأعضاء تناسلية ذكورية نظراً إلى تعرضهن للأندروجين في الرحم، في حين أن الصبية الذين يعانون متلازمة الأندروجين يبدون فتيات طبيعيات عندما يولدون نظراً إلى غياب تمايز الأعضاء الجنسبة الخارجية الذكورية.

تدفعنا حالات مماثلة إلى التساؤل عما إذا كان جنس الدماغ يتلاءم مع جنس الأعضاء التناسلية. في حالة متلازمة مقاومة الأندروجين، يكون الجواب بالتأكيد «كلا»، بما أن أشخاصاً يحملون صبغيي XY يُعتبرون دوماً إناثاً. يتوافق هذا الاكتشاف مع مفهوم أن التعرض للأندروجين باكراً في الحياة ضروري لنمو الهوية الذكورية. أما في حالة فتيات فرط تنسج الكظر الخلقي، لا يكون التحول في الإطار الهرموني كبيراً بقدر مَن يعانون متلازمة مقاومة الأندروجين، لذلك تأتي التغييرات في الدماغ والسلوك أقل وضوحاً. رغم ذلك، ثمة أدلة على درجة محدودة من «إذكار الدماغ» عند تقييم الخصال السلوكية  مثل اختيار الألعاب. إذاً، رغم بعض الاختلافات بين النماذج الحيوانية والبشرية، تدعم الأدلة عموماً مفهوم أن الإنسان يمر بعملية محفزة هرمونياً لتحديد هوية الدماغ الجنسية، تماماً مثل الحيوانات.

ولكن صحيح أن معظم المنشورات العامة والعلمية يشير إلى دماغ «ذكوري» أو «أنثوي»، إلا أن الدماغ لا يشكل في الواقع عضواً أحادياً مثل الكبد أو الكلية. فهو تركيبة معقدة من مجموعات الخلايا المتعددة المستقلة إنما المتفاعلة التي تتفاعل مع عوامل خارجية وداخلية. وينطبق هذا خصوصاً على التركيبة الهرمونية التي تشمل مجموعة كبيرة ومتنوعة من مسارات الإشارات التحويلية. نتيجة لذلك، من المستحيل بالفعل أن يكتسب الدماغ طابعاً «ذكورياً» أو «أنثوياً» واحداً. بدلاً من ذلك، يشكل الدماغ خليطاً من درجات متفاوتة من الإذكار في بعض مناطقه والتأنيث في مناطق أخرى. لكن نلاحظ عموماً أن بعض المناطق مفرطة التأنيث لدى المرأة وأخرى مفرطة الإذكار لدى الرجل. لكن هذه لا تساهم في تحديد طبيعة الإنسان عموماً. علاوة على ذلك، لا تمثل الفسيفساء خليطاً، فما من استمرارية للذكورة أو الأنوثة. وثمة أيضاً أطر كثيرة تظل محايدة بغض النظر عن الجنس ولا نلاحظ أي اختلاف فها بين الذكور والإناث.  من الناحية التطورية، يبدو نشوء فسيفساء من الذكورة والأنوثة في الدماغ الواحد منطقياً، ما يزود الكائنات تنوعاً أكبر وبالتالي قدرة أكبر على التكيف مع البيئات المحيطة. لكن أحد الأوجه الأبرز لتمايز الدماغ الجنسي الذي اكتشفناها أنا وزملائي واقع أننا في كل نقطة تحققنا منها لاحظنا أن معظم الاختلافات بين الجنسين ظلت محدودة ضمن مدى طية أو طيتين فقط. صحيح أن هذا ما زال أكثر أهمية من الاختلافات الصغيرة الخارجية ضمن كل جنس، إلا أنه لا يُعتبر بالتأكيد ضخماً ويمكن تشبيهها بالاختلاف بين ذيل ذكر الطاووس وذيل أنثاه. نتيجة لذلك، تشعر أن ثمة ما يفرق بين دماغي الجنسين ويحاول في الوقت عينه جمعهما معاً. يتلاءم هذا التفسير مع مفهوم الاستقناء (canalization) الذي اقترحه عالم الأحياء البريطاني كونراد وادينغتون في أواخر أربعينيات القرن العشرين ويعتبره خبراء علم الأحياء التطوري اليوم وسيلة تحافظ من خلالها الأنواع على ثباتها في وجه التحديات الداخلية والخارجية المستمرة. تعمل البروتينات المرافقة والعوامل الأخرى على حماية الكائن من التحديات في الحموضة أو الملوحة أو أي تهديدات بيئية أخرى، وذلك بالمساهمة مثلاً في طي البروتينات بشكل صحيح أو الحفاظ على النظام في التبادلات ما بين الخلايا. لذلك نقترح أن عمليات التمايز الجنسي خلال نمو الجنين أو خلال الأسبوع الأول من الحياة تخضع للاستقناء، ما يضمن أن يبقى الذكور في قناة والإناث في أخرى، وألا تختلط القناتان مطلقاً أو تتباعدا بإفراط.

أما في حالة البشر، فقد نضيف عامل استقناء آخر: التأثيرات الأبوية، الاجتماعية، والثقافية باكراً في الحياة. فمن الممكن مثلاً مكافأة السلوك المخصص لجنس محدد أو معاقبته إن اعتُبر غير ملائم لجنس الولد. صحيح أن من الصعب تمييز هذه العوامل، فمن المؤكد أن أدمغة الذكور والإناث تختلف فيما تنمو. لذلك، من المنطقي الاستنتاج أن استخدام حيوانات ذكور لاستكشاف وظائف دماغ الثدييات لا يكشف الصورة الكامل.