طالبت الولايات المتحدة وقوى عالمية أخرى طوال سنوات أن تكشف إيران كل الحقائق عن أبحاثها السابقة في مجال الأسلحة النووية، ولكن مع اقتراب المهلة المحددة لصفقة بالغة الأهمية من نهايتها، تعلن إدارة باراك أوباما اليوم أن هذه المساءلة بشأن النشاط العسكري السابق لا طائل منها، بما أن الولايات المتحدة تملك أساساً فهماً مفصلاً لنشاطات إيران النووية غير المشروعة، فضلاً عن ذلك تستطيع أن تطور نظام مراقبة صارماً تتبعه الأمم المتحدة ويمنع إيران من الغش في مرحلة لاحقة.

Ad

يأتي هذا التغيير في التشديد على هذه المسألة قبل أسبوعين فقط من انتهاء المهلة المحددة في 30 يونيو لما يُعتبر اتفاقاً نووياً بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها، فبعد أن واجهت إدارة أوباما العقبات في التجارة ومسائل أخرى، ترى اليوم في اتفاق مع طهران، يجمد نشاطات إيران النووية مقابل التخفيف من العقوبات الغربية المفروضة، لحظةً تحدد إرث رئيس يبدو بأمس الحاجة إلى الفوز.

لكن موقف الإدارة من نشاط إيران النووي السابق، الذي حدده وزير الخارجية الأميركي جون كيري قبل أيام، يشكل محاولة للتسوية، فقد أعلن كيري أن واشنطن لن تشدد بعد اليوم "على تقديم إيران خصوصاً حساباً عما قامت به في هذه المرحلة أو تلك". بكلمات أخرى صرّح أحد كبار الدبلوماسيين الأميركيين أن البيت الأبيض سيقبل صفقة لا تفرض على طهران أن تكشف في الحال عن تفاصيل بشأن برنامجها النووي، لكن إيران أنكرت بقوة محاولتها بناء قنبلة، وأصرت بدلاً من ذلك على أنها تجري أبحاثاً على استعمالات الطاقة النووية المدنية.

في الوقت عينه، شدد كيري على أن الإدارة لم توافق على رفع عقوبات مجلس الأمن في الأمم المتحدة، التي زعزعت اقتصاد إيران وخفضت قيمة عملتها، ما لم تكشف طهران عن جهودها السابقة لتطوير أسلحة نووية، وتوافق على "تطبيق آليات مراقبة وتأكد صارمة" مصممة لتمنح مفتشي الأمم المتحدة قدرة كاملة وتامة على دخول المنشآت النووية الإيرانية.

يعكس الموقف الأميركي حسابات تعتبر أن القادة الإيرانيين، بمن فيهم القائد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي، لن يقروا علانية مطلقاً أنهم كذبوا بشأن جهودهم السرية لتطوير سلاح نووي، وقد يكون هذا صحيحاً إلا أن التبدل الحاصل أشعل انتقادات بعض الخبراء في مجال الحد من انتشار الأسلحة النووية، الذين اعتبروا أن الولايات المتحدة تتساهل في مبدأ حساس، مما يدعم تعنت الإيرانيين ويضعف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كذلك أدى هذا التبدل في المواقف إلى خلاف بين الولايات المتحدة وأحد الأطراف المفاوِضة الأساسية: فرنسا التي أعلنت أخيراً أن الحصول على فهم واضح عن جهود إيران السرية لتصميم رأس نووي يشكل خطوة بالغة الأهمية لعقد الصفقة.

شدد السفير الفرنسي إلى الولايات المتحدة جيرار أرو أخيراً على أهمية الحصول على التزام إيران بالكشف عن جهودها السابقة لتطوير سلاح نووي قبل إبرام الصفقة، فقد غرد أرو على موقع "تويتر" في شهر فبراير: "ما من اتفاق قبل التوصل إلى حل بشأن عملية البحث والتطوير والأبعاد العسكرية المحتملة".

أعلن كيري أن الولايات المتحدة تملك معلومات كافية عن تاريخ برامج إيران النووية العسكرية، مما يتيح لها تطوير نظام تفتيش قادر على منع أي انتهاكات في المستقبل، لكن بعض الخبراء من خارج الإدارة عبروا عن شكوكهم حيال هذه المسألة.

ذكر ديفيد أولبرايت، مؤسس معهد العلوم والأمن الدولي، أن تعليقات كيري تثير "القلق جداً"، وتعكس ما يعتبره عادة إدارة أوباما تقديم التنازلات لإيران، كذلك أخبر أولبرايت Foreign Policy: "عندما يواجهون تعنت إيران، يتراجعون. سيصعب على كثيرين دعم هذه الصفقة، إن رضحت الإدارة في مسألة الأبعاد العسكرية السابقة".

على نحو مماثل، أعلن خبراء آخرون كانوا يراقبون المفاوضات عن كثب أن وزير الخارجية الأميركي عبّر بكل بساطة عن واقع ما يمكن تحقيقه أو لا يمكن تحقيقه في الصفقة النهائية.

قالت جاكلين شاير، خبيرة أميركية شاركت سابقاً في مجلس الخبراء التابع لمجلس الأمن في الأمم المتحدة الذي يُعنى بمراقبة التزام إيران بالعقوبات: "لا جدوى من تعليق الصفقة على إرغام إيران على الإقرار بأنها أجرت عمليات بحث وتطوير بهدف إعداد أسلحة نووية قبل نحو عقد من الزمن وأوقفتها بشكل مؤكد".

رغم ذلك، أضافت شاير أن من الضروري حصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية (مفاوضي الأمم المتحدة النوويين) على معلومات مفصلة كفاية عن برامج إيران السابقة للحرص على أنها لا تقوم بأي أعمال سرية غير مشروعة. مع ذلك، أكدت أن "فكرة الكشف علانية وبشكل صريح وواضح عن كل الأبحاث السابقة ليست منطقية البتة".

وأصر المفاوضون من بريطانيا، والصين، والاتحاد الأوروبي، وألمانيا، وروسيا، والولايات المتحدة طوال سنوات على أن تشمل الصفقة النهائية عملية تدقيق غير مسبوقة في نشاطات إيران النووية التي تحظى بالموافقة بغية الحصول على فهم مفصل لخطواتها السابقة نحو امتلاك مواد نووية، وتعود معظم شكوك العالم بشأن برامج طهران النووية إلى الكشف عام 2002 عن منشأة تخصيب سرية قرب ناتانز ومفاعل للماء الثقيل في آراك، يمكن استخدامهما لإنتاج كمية كافية من اليورانيوم والبلوتونيوم لبناء رأس حربي نووي.

لكن إيران أنكرت بشدة سعيها إلى بناء قنبلة نووية، وأصرت على أنها تملك الحق في التخصيب كعضو في معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية لعام 1970، إلا أن إيران رفضت أيضاً السماح بدخول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى منشآتها النووية، كذلك أعلن خامنئي الشهر الماضي أنه لن يسمح مطلقاً بخضوع المواقع العسكرية في الجمهورية الإسلامية لأي تفتيش.

توصل المفاوضون في شهر أبريل إلى اتفاق متقلقل في لوزان بسويسرا، وأعلن كيري أن المواقف الأميركية "لم تتبدل قيد أنملة" منذ ذلك الحين حيال ما دعاه أطر الاتفاق الأساسية، بما فيها التحقيق في أي أبعاد عسكرية سابقة لبرنامج إيران النووي.

رغم ذلك، بعد أسابيع قليلة من اتفاق لوزان، توقع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيا أمانو أن الصفقة النهائية لن تفرض على طهران أن تقدم في الحال معلومات عن جهودها السابقة لتطوير أسلحة نووية، وأفاد أمانو أيضاً أن هذه الخطوة "لم تكن مطلقاً شرطاً مسبقاً للتوصل إلى اتفاق"، لكن مجلس الأمن طلب من إيران أن تتعاون بالكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي سألت إيران مراراً أن تكشف كل المعلومات عن برنامجها العسكري السابق. ينتظر هذا الاتفاق من إيران أن توافق على "مجموعة تدابير" غير محددة هدفها معالجة مخاوق الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن مسار طهران نحو النشاطات العسكرية.

لكن أمانو أخبر أخيراً عدداً من المراسلين أن مخاوف الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن أبعاد برنامج إيران النووي العسكرية قد تُبدَّد بسرعة، ربما في غضون أشهر، بعد بدء العمل بصفقة نهائية.

وأفاد داريل كيمبل، المدير التنفيذي لرابطة الحد من الأسلحة، أن من الضروري "إجراء تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل رفع عدد من العقوبات الأساسية المرتبطة بهذه المسألة"، لكنه أضاف أن هذه الخطوة ليست ضرورية لإبرام الصفقة خلال الشهر الحالي، وأكد كيمبل: "لا يشكل هذا تنازلاً".

لارا جاكس & كولوم لينش