لم تشهد المملكة المتحدة، بشكل عام وإنكلترا بشكل خاص، أزمة سياسية واقتصادية بل حتى اجتماعية مثلما تشهدها الآن بعد أن جاءت نتائج الاستفتاء الأخير مؤيدة الخروج من الاتحاد الأوروبي، فنتيجة الاستفتاء التي جاءت بنسبة 51.9% مؤيدة للخروج أحدثت زلزالا وتصدعا على جبهات عدة في النسيج السياسي والاجتماعي، ليس في إنكلترا فحسب، بل وصلت هزاتها إلى أنحاء المملكة المتحدة وأوروبا وحلفاء بريطانيا، خاصة الولايات المتحدة الأميركية، في سابقة غير مألوفة من دولة عظمي. ونتيجة التصويت عكست حجم الانقسام حول قضية الخروج أو البقاء ضمن المنظومة الأوروبية، فالغالبية فازت بفارق بسيط (51.9% للخروج و48.1% للبقاء)، الأمر الذي انعكس بشكل كبير على الشارع السياسي وحتى البيت الواحد في أنحاء المملكة.

سياسيا، شهدت الأحزاب السياسية البريطانية انقساما وصل حد التناحر والحرب الأهلية داخل الحزب الواحد، وليس أدل على ذلك أكثر مما يشهده الآن الحزبان الرئيسان، المحافظون والعمال، من صراعات لزعامة حزبيهما بعد استقالة ديفيد كاميرون من حزب المحافظين، وكرئيس للوزراء، وبعد أن فشل في قيادة تيار البقاء في الاتحاد الأوروبي، وانقلاب غالبية أعضاء حزب العمال على زعيمهم جيريمي كوربين إثر الخلاف على الموقف تجاه الاستفتاء وفشله في معالجته حملة البقاء. الانقسام السياسي في الحزبين الرئيسين بدأ مع انطلاقة الحملات والحملات المضادة تجاه البقاء في الاتحاد الأوروبي من عدمه، وحملة الخروج من الاتحاد قادها كل من نايجل فراج زعيم حزب الاستقلال، الذي خرج من باب الانتخابات البرلمانية السابقة ليعود للواجهة ثانية من نافذة الخروج من الاتحاد، ثم ليقدم استقالته فيما بعد من الحزب، وعمدة لندن السابق بوريس جونسون المرشح الأبرز لخلافة كاميرون بتزعم الحزب ورئاسة الوزراء حتى إلقائه قنبلته السياسية بتخليه عن سباق تزعم الحزب.

Ad

في خضم الحملات هذه، شهد حزب المحافظين انقساما حادا لم يسبقه مثيل تجاه قضية كقضية الاتحاد الأوروبي، وما عمق جراح الحزب هو الحرب الأهلية الداخلية في الحزب لخلافة كاميرون المستقيل، فبعد أن كانت الزعامة الداخلية للحزب محصورة بين الوجهين الأكثر تأثيرا في الحزب بورس جونسون وتيريزا ماي، وزيرة الداخلية، انفتحت أبواب جهنم الصراع السياسي في الحزب بعد الإعلان الصدمة لجونسون بتخليه عن السباق، وتسارع شخصيات أخرى كمايكل جوف وزير العدل، الذي سبق أن أعلن صراحة عدم رغبته للترشح قبل أيام معدودة فقط، وستيفن كراب وزير العمل ووزيرة الطاقة أندريا ليدزسوم للترشح ثانية وسط تزاحم وانقسامات وصراعات حزبية يشكك المراقبون في إمكانية التعافي منها ورأبها لفترات زمنية طويلة.

على الجانب الآخر، فإن زعامة جيرمي كوربين لحزب العمال لم تكن مفروشة بالورد منذ اختياره بعد هزيمة سلفه إيدوارد ميليباند، ذي الأداء الهزيل، في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. كوربين، المعروف بمراسه الصعب وتشدده المصبوغ بالنزعة الاشتراكية حتى التطرف، كما يراه المحللون، لم يفلح طوال الفترة الماضية بفرض وجوده كقائد نجح في إرجاع هيبة الحزب التي فقدها بعد الانتخابات الأخيرة. وجاءت نتائج الاستفتاء الأخيرة بالخروج من الاتحاد الأوروبي لتهز أركان الحزب وزعامة كوربين بالذات، خاصة بعد أصوات حجب الثقة عنه من نحو 75% من أعضاء حزبه في البرلمان لفشله في إدارة حملة البقاء في الاتحاد الأوروبي التي سبقت الاستفتاء، بل إن المزيد من الأصوات داخل الحزب بدأت ترتفع صراخا بضرورة تنحي كوربين الذي ما زال حتى اليوم يكابر على قدرته على رأب الصدع الذي زادت شقوقه على جدار الحزب.

اجتماعيا، فإن هزات زلزال الاستفتاء وصل تأثيرها الانقسامي حتى داخل البيت الواحد في ظل انقسام اجتماعي واضح بين الأجيال حسب ما جاء في استطلاع أظهرته النتائج ونشرتها صحيفة التايمز اللندنية. 73% من الذين صوتوا للبقاء تراوحت أعمارهم بين 18 و24 عاما في حين بلغت نسبة من صوت للبقاء ممن تراوحت أعمارهم بين 25 و35 عاما 62%. في المقابل فإن نسبة من صوت للانفصال ممن يبلغ بين 57 و64 عاما كانت 57% و60% لمن بلغ من العمر 65 عاما أو أكثر. تفسير ذلك يعود لأمرين أساسيين مرتبطين ببعضهما، واستغلهما زعماء تيار الانفصال أثناء حملاتهم الإعلامية كخيال المآتة لتخويف أصحاب الأصوات من كبار السن إذا ما قررت بريطانيا البقاء.

هذان الأمران هما خوف كبار السن بشكل أساسي من فتح أبواب الهجرة في حال البقاء في الاتحاد الأوروبي، وهو شعور أقرب إلى العنصرية، خاصة تجاه المهاجرين من دول الكتلة الأوروبية الشرقية كرومانيا وبولندا وغيرهما، أما الأمر الآخر فهو تردي الخدمات الصحية العامة نتيجة تزايد أعداد المهاجرين والاستفادة من الخدمات الصحية على حساب أصحاب الأرض، خاصة ممن هم بأمس الحاجة إليها نظرا للمتاعب الصحية المرتبطة بكبر السن. الجلي في الأمر أن الاستفتاء أثار الكثير من الشعور العنصري تجاه المهاجرين، وهو ما كان يحاول البعض إخفاءه ولو على استحياء طوال الفترات التي سبقت الاستفتاء، وما كانت المسيرات التي نظمت في لندن في الثاني من يوليو الجاري للمطالبة في البقاء في الاتحاد الأوروبي إلا تأكيدا على هذه الهوة بين الأجيال، فالغالبية العظمى ممن خرج في المسيرات كانت ممن تقل أعمارهم عن الأربعين. قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي سيكون له من دون شك تبعاته الاقتصادية والسياسية والمالية التي بدأت سلفا بالتأثير في أنحاء المملكة المتحدة، وعلى رأسها اسكتلندا، فهي التي حاولت الانفصال في استفتاء جرى في سبتمبر 2014 وصوتت فيه الأغلبية بالبقاء ضمن المملكة المتحدة، أعلنت بعد استفتاء الاتحاد الأوروبي أنها سترتب لاستفتاء جديد للانفصال عن المملكة المتحدة لأنها ترغب في البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي، وهذا ما عكسته نتائج الاستفتاء الذي صوت فيه الاسكتلنديون بنسبة 62% بالبقاء. صدى القرار الاسكتلندي هذا سرعان ما تردد في أيرلندا الشمالية التي أعلنت بدورها رغبتها في الانفصال عن بريطانيا، وهو ما أثار حفيظة الدوائر السياسية في لندن التي بدورها بدأت تشعر بخطورة الأمر، فهل يستطيع رئيس الوزراء القادم، أو حتى الملكة، إن تطلب الأمر تدخلها، حماية المملكة المتحدة من تفككها... وإلى متى؟