فقدت الساحة الثقافية الكويتية أحد أبرز روادها في مجال التراث والفن والعلم والأدب، وهو طارق السيد رجب، الذي وافته المنية أمس الأول.

توفي طارق رجب، أول مدير لمتحف الكويت الوطني عند تأسيسه عام 1958، في مقره السابق بمنطقة دسمان، وبغيابه فقدت الساحة المحلية واحدا من أبرز الفاعلين في مجال المتاحف والتراث، لاسيما انه يعتبر من أبرز أصحاب المتاحف الخاصة التي سماها باسمه، ويضم مجموعة نادرة من المصاحف والمخطوطات العربية والفخاريات الإسلامية والأدوات الموسيقية والاثاث العربي الإسلامي القديم.

كما يجمع متحف طارق السيد رجب بين جدرانه مجموعة خاصة كبيرة للفن العربي والإسلامي، تعطي صورة متنوعة عن الحضارة الاسلامية من القرن الاول الهجري حتى العصر الحديث، إضافة إلى المجوهرات الذهبية منها والفضية والمشغولات المعدنية والمطرزات والأزياء العربية القديمة والسيراميك والدروع والأسلحة والتي يعود تاريخ بعضها لاكثر من 150 عاما.

Ad

ويعتبر الراحل أول كويتي نقّب عن الآثار مع أول بعثة في تاريخ الكويت، وهي البعثة الدنماركية من جامعة أرهوس - موسقارد، ويعد أيضا أول من سافر للخارج لتعلم الآثار، وكرس حياته في خدمة التاريخ والآثار، وخصوصا الآثار الاسلامية، وهو عاشق تراث فيلكا وتاريخها فكانت كاميرته التي تلازمه أكثر من خمسين عاما تحكي كل جزء من أرض واطلال فيلكا، ونظرا لعلاقاته الوثيقة مع خبراء الآثار في العالم كان يحرص على التعريف بتاريخ بلده وإرثه الحضاري الثمين، فقد اشتهر باصطحابه الأجانب للأماكن التاريخية في فيلكا فأنشأ السياحة الثقافية منذ الستينيات، ولم يدخر وسعا في تقديم النصح والإرشاد لكل العاملين في مجال التنقيب والآثار.

التنوير والتعليم

وكان للراحل دور كبير في التنوير والتعليم، إذ أنشأ أول مدرسة أجنبية في الكويت عام ١٩٦٩ بإشراف زوجته جيهان، ويتضح من خلال اتجاهه هذا بعد النظر والرغبة في تنشئة الأجيال بطريقة مثالية تمكنهم من التحصيل العلمي والاستزادة من التجارب التعليمية المتطورة، لتكون الأجيال قادرة على التعامل مع المؤسسات التعليمية العالمية.

خسارة كبيرة

بدوره، نعى وزير الإعلام وزير الدولة لشؤون الشباب رئيس المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الشيخ سلمان الحمود علما من أعلام الكويت البارزين، وأحد روادها في مجال التراث والفن والعلم والأدب، وأول مدير لدار الآثار والمتاحف بالبلاد المغفور له بإذن الله تعالى طارق السيد رجب.

وقال الحمود إن رحيل رجب، الذي غيبه الموت عن عمر ناهز 80 عاما، يمثل خسارة كبيرة للأسرة الثقافية والفنية الكويتية والخليجية والعربية والإسلامية على حد سواء.

وبين ان الكويت، وهي تحتفل بإعلانها عاصمة للثقافة الإسلامية 2016، يعز عليها أن يترجل أحد أعمدة ورواد ومؤسسي المتاحف الخاصة وفارس الآثار والثقافة الكويتية والإسلامية الذي كان له قصب السبق في تعريف القاصي والداني بتاريخ الكويت وحضارتها بإنشائه متحفه الخاص بمنطقة الجابرية عام 1980.

واضاف ان الفقيد يعد بحق صاحب أشهر متحف للمقتنيات الأثرية والمخطوطات العربية والإسلامية والمصاحف والمجوهرات والأزياء والمنمنمات التي تعود إلى عصور الحضارة الإسلامية، والتي يزيد عددها على 30 ألف قطعة ثمينة.

واشار الى ان الراحل فتح باب متحفه لاستقبال الزوار من عرب وأجانب، لإيمانه بأن للثقافة مشارب متعددة، منها متعة البصر لإمتاع العين وتغذيتها بالجمال لتأثيرها الإيجابي على سلوك الإنسان وفي تعامل الناس بعضهم مع بعض بمحبة وتسامح بغض النظر عن الاعتبارات الدينية أو العرقية.

وأكد الحمود أن للمغفور له بإذن الله تعالى قيمة تراثية وفنية كويتية وخليجية وعربية وإسلامية كبيرة بما مثله من ثراء التجربة، والموهبة بدأت علاماتها مبكرا، ويعد مثالا للجد والاجتهاد والمثابرة.

واضاف ان الفقيد أثبت بجلاء كيف يمكن للانسان الكويتي أن يطور نفسه وأدواته الحياتية، من خلال اتصاله وتأثره بحضارات الأمم الأخرى، وهو أول كويتي يتم ابتعاثه للخارج الى المملكة المتحدة لدراسة الفن وعلم الآثار، حيث عين بعد عودته مديرا لإدارة الآثار والمتاحف بالكويت عام 1958 إلى أن استقال منها عام 1969.

وذكر ان الفقيد كان علما أصيلا معطاء في حقول تربوية وفنية وإنسانية عديدة، واتسم بطبعه الهادئ الرزين والمثقف، كما انه عميق المعرفة والاهتمام بالشؤون الفنية والثقافية والأثرية ومنفتح على كل التيارات الثقافية المحلية والعالمية، ما وضعه في مقدمة رجالات الثقافة والآثار العربية والإسلامية.

ووصف وزير الإعلام متحف طارق السيد رجب بأنه نافذة كويتية على الثقافة والتاريخ العربي والإسلامي، بما يضم بين جدرانه من مقتنيات وآثار من العديد من دول العالم التي قام بزيارتها.

وثمن مسيرة حياة الفقيد رجب كونه من الشخصيات الوطنية المهمة والأساسية والفاعلة في دعم الحركة الثقافية والفنية في البلاد، ومن الأوائل، إن لم يكن الأول، ممن دعوا إلى الحفاظ على بيوت الكويت الحجرية العريقة بما ترسخ في فكره من حب للكويت والحفاظ على تراثها المادي، من خلال عمله في مقتبل عمره في جزيرة فيلكا منقبا عن آثارها.

وتقدم الحمود بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة فقيد الثقافة والآثار الكويتية والعربية والإسلامية وإلى محبيه ومريديه في الوطن العربي والإسلامي، داعيا المولى عز وجل أن يسكنه فسيح جناته ويلهم أهله جميل الصبر والسلوان.

شخصية ريادية كويتية
تحرص دار الآثار الإسلامية على تنظيم محاضرات متنوعة تركز على دور الراحل طارق رجب في الحفاظ على التراث الاسلامي والعربي، وتقديرا وعرفانا وإيمانا بدور هذه الشخصية الريادية الكويتية.

وخلال المواسم الثقافية الماضية حرصت الدار على تدشين موسمها الثقافي بمحاضرة عن هذه الشخصية الكويتية التي تركت أثرا طيبا في مجالات الثقافة الكويتية ونشر الوعي الاثري في المجتمع.