لم يكن صيف 1914 عادياً في أوروبا، ولا في العالم كله. في يوم 28 يونيو، اختبأ الشاب الصربي جافريلو برنسيب ابن التاسعة عشرة عاماً في أحد أزقة مدينة سراييفو وبيده مسدس محشو بما يكفي من الطلقات، منتظراً قدوم الضيوف الكبار الذين يزورون المدينة في ذلك اليوم. وكان ولي عهد إمبراطورية النمسا وهنغاريا الأرشيدوق فرانتس فيرديناند يركب عربة مكشوفة، وقد اصطحب زوجته الكونتيسة صوفي شوتيك، لقضاء إجازة للاستجمام بعيداً عن فيينا، في هدوء مدينة سراييفو عاصمة البوسنة التي ضُمت إلى الإمبراطورية النمساوية عام 1908.

كان برنسيب عضواً في «الكف الأسود»، إحدى المنظمات السرية الصربية الإرهابية التي انتشرت في أوروبا على أساس قومي، وقد سعت بكل ما أوتيت من قوة إلى اغتيال الضيف النمساوي، فتحول نجاحها إلى زلزال أصاب أوروبا والعالم كله، ودفع أكثر من ثمانية ملايين جندي حياتهم ثمنا لتلك الرصاصة التي انطلقت في سراييفو، وفتح الباب أمام عصر أسود من الإرهاب الأوروبي الذي تراوح بين اليمين واليسار.

Ad

لا يمكن لمن يتصدى لتاريخ الإرهاب أن يغفل بعض الحركات الثورية المتطرفة في أوروبا، التي تستمر انعكاساتها على الأنشطة الإرهابية في الوقت الحالي، من أهمها الحركة الإيرلندية لأجل الاستقلال والتي بدأت عام 1891، وأنشطة المنظمات الأرمينية التي قامت ضد الاحتلال التركي عام 1890، وحركة الاستقلال الوطني المقدونية «إمرو» في بداية القرن العشرين، والتي ظلت لها بقايا داخل بلغاريا وبعض أجزاء يوغوسلافيا حتى عام 1930.

فتحت هذه الحركات وغيرها والحربان العالميتان الأولى والثانية، الباب أمام ظهور منظمات إرهابية، وصولاً إلى السبعينيات والثمانينيات التي شهدت نموا غير مسبوق في العمليات الإرهابية، بلغت ذروتها عام 1979، بمعدل 1019 اعتداء يوميا، بمعدل عشر هجمات أسبوعيا، وقتل نحو 440 شخصا جراء الإرهاب في 1988.

الإرهاب الأسود والأحمر

عانت إيطاليا إرهاباً داخلياً خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، وإذا كان الإرهاب في أوروبا كان نتيجة لأسباب عرقية أو انفصالية، إلا أن الإرهاب في إيطاليا كان لتحقيق أهداف أيديولوجية، تقوم على أساس المساواة الاقتصادية والاجتماعية.

شهدت إيطاليا في الفترة بين 1969 و1988، أكثر من 1300 هجوم إرهابي، من الطرفين المتشددين، اليساري واليميني، من بينها اختطاف رئيس الوزراء السابق «الدو مورو» وإعدامه (1978) وقتل خمسة من أفراد حمايته. تفجير محطة السكك الحديد الرئيسة في مدينة بولونا (1980)، ما أسفر عن مقتل 85 شخصاً وإصابة مئتين آخرين. وفي غضون عقدين من الزمن، قُتل 458 شخصا، من بينهم سياسيون وقضاة ونقابيون وصحافيون وأكاديميون، إضافة إلى أكثر من ألف مصاب بجروح بليغة.

وجد إرهاب اليمين في الحركة الفاشية في إيطاليا الظروف المناسبة للنمو، ومنذ 1945 حتى 1968 نفذ الفاشيون عمليات إرهابية، نفذت باستعمال وسائل بدائية، ومنذ 1969 اندلعت حركات طلابية وعمالية بدأت خلالها مرحلة جديدة في العمل الإرهابي اليميني الذي اتخذ من ارتكاب المذابح نهجاً استراتيجياً له، واستمر حتى نهاية الثمانينيات.

«النظام الجديد» أهم منظمات إرهاب اليمين الإيطالي، نشأت كمجموعة سياسية مستقلة عام 1956 بعد انشقاقها عن حزب الحركة الاجتماعية الإيطالية، وسمت نفسها الجبهة الوطنية الفاشية الجديدة، ونفذت عمليات إرهابية ونظراً إلى تنامي خطورتها، أصدرت الحكومة الإيطالية قراراً بحلها ومصادرة أموالها في أكتوبر 2000.

أما ظهور إرهاب اليسار في إيطاليا فبدأ في 1968، بعد احتجاج الطلاب على مظاهر الفساد الحزبي، وتنامى العنف مع تحرك نقابات العمال، ما أدى إلى مذبحة بياتسا فونتانا في 12 ديسمبر 1969. وفي أعقاب تلك المذبحة بدأ اليسار المتطرف تنظيم نفسه والإعداد للصراع المسلح، فظهرت جماعة «أكتوبر 1969»، واتخذت لنفسها طريق المقاومة المسلحة، وضمت شيوعيين وبعض المجرمين، كذلك ظهرت منظمة الألوية الحمراء التي تكونت سنة 1969 في مدينة ميلانو، وارتكبت نحو 75 عملية قتل بين 1970 و1988، فضلا عن عمليات خطف وسرقة وهجوم على البنوك، واغتيال رئيس الوزراء الإيطالي ألدو مورو (1978) الذي بيّن أسلوب تلك الجماعة.

ففي 8 مارس 1978، خطفت المنظمة ألدو مورو زعيم حزب «الديمقراطية المسيحية»، بينما كان متوجهاً إلى مقر البرلمان الإيطالي للمشاركة في نقاش يسمح له بالحصول على ثقة البرلمانيين لتشكيل حكومة مع الحزب الشيوعي الإيطالي، ما أثار حفيظة المنظمة الثورية، فاختطفته في وضح النهار في قلب العاصمة الإيطالية وقتلت حراسه الخمسة. 

وفي عام 1988، دخلت «الألوية الحمراء» في تحالف مع تنظيم الجيش الأحمر الياباني، وقد أسهم في إعادة الحيوية إلى نشاط المنظمة، ودفعها إلى القيام بعمليات اغتيال طاولت روبرتو روفيلي (1989)، نائب في مجلس الشيوخ الإيطالي.

وفي مايو 1999، اغتالت المنظمة في روما البروفسور ماسيمو دانتونا، استاذ جامعي ومستشار وزير العمل الإيطالي، وفي مارس عام 2002 اغتالت المنظمة الباحث الاقتصادي ماركو بياجي، مستشار أحد الوزراء في حكومة برلسكوني... ورغم تراجع عمليات المنظمة في السنوات الأخيرة، فإنها تمثل شبحا خطيرا يخيم على الساحة الإيطالية.

منظمة العمل المباشر

لسنوات طويلة ظلت فرنسا موضع انتقاد الدول الأوروبية بسبب سياستها المتساهلة تجاه الإرهابيين، فلم يشكل الإرهاب خطورة حقيقية عليها، إلا في الثمانينيات، وقد قُدر عدد اللاجئين السياسيين في فرنسا حتى بداية التسعينيات بنحو 150 ألف شخص، بينهم شخصيات متهمة بالتطرف والإرهاب في دول أخرى.

مثل الإرهاب الانفصالي أهم أنماط الإرهاب في فرنسا، وتقع أكثر الأنشطة الإرهابية في إقليمي بريتاني وكورسيكا، للاختلافات الثقافية التي يمتاز بها كل واحد من الأقاليم الفرنسية، ويسود في الإقليمين اعتقاد بأن مواردهما تستنزف لصالح أقاليم الدولة الأخرى الأكثر تقدماً، فضلا عن معاناتهما من معدلات بطالة عالية.

اندلعت الأعمال الإرهابية في الإقليمين منذ السبعينيات، ويضم إقليم كورسيكا منظمات إرهابية، أهمها: «جبهة التحرير الوطني لكورسيكا، حركة كورسيكا الفرنسية، حركة بعث كورسيكا، حركة كورسيكا الإقليمية، جيش التحرير الوطني لكورسيكا، واتحاد كورسيكا»... وفي إقليم بريتاني منظمات إرهابية عدة، أهمها: «جيش بريتون الجمهوري، مجموعة العمل الثوري الدولي، الحزب الجمهوري البريتاني، حركة الاستقلال الذاتي». ورغم إعلان ست جماعات انفصالية في كورسيكا موافقتها على وقف إطلاق النار في أواخر 1999، استمرت العمليات الإرهابية غير المنتظمة ضد المنشآت الحكومية.

ولم يقتصر وجود الجماعات الإرهابية على هذين الإقليمين، فقد عانت فرنسا إرهاب اليمين واليسار أيضا، وظهرت منظمات إرهابية يمينية أخطرها منظمة «الجيش السري» التي ارتكبت أعمالاً إرهابية ضد شخصيات فرنسية أثناء احتلال الجزائر، بينما ظهرت منظمات إرهابية يسارية في فرنسا منذ نهاية الستينيات، وارتبطت بظهور منظمة العمل المباشر التي نفذت عمليات إرهابية منذ إنشائها عام 1979 على يد جان مارك رويان.

ركّز الفرع الداخلي في منظمة «العمل المباشر» عملياته ضد أهداف على صلة بصناعة الأسلحة ومنظمات مختصة في مكافحة الإرهاب، من بينها: اغتيال الجنرال الفرنسي أودران في يناير 1985، والاعتداء الذي طاول مقر منظمة الشرطة الدولية «الإنتربول» في مدينة ليون في أبريل 1986، واغتيال بيس أحد أرباب الصناعة الفرنسية في نوفمبر من السنة. نفسها

ومن الجوانب المثيرة في عمل تلك المنظمة ما قام به الفرع الخارجي الذي تعاون مع منظمتي «بادر مانهاوف»، و«روت أرمي فراكشن» الألمانيتين لضرب أهداف أميركية وإسرائيلية على غرار المدرسة الأميركية والبنوك الأميركية، وبعض الوفود الإسرائيلية التي زارت باريس، وبعض الدبلوماسيين الإسرائيليين، وعبرت المنظمة في وثائقها بوضوح عن رفضها وإدانتها للاضطهاد وعمليات الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني على أيدي الإسرائيليين.

التاريخ يصنع الإرهاب

بريطانيا نموذج لصناعة الإرهاب المرتبط بجذور تاريخية، فالجانب الأكبر من العمليات الإرهابية التي شهدتها المملكة المتحدة يتصل بالمشكلة الإيرلندية، التي بدأت أواخر القرن السادس عشر بهزيمة الإيرلنديين، وخضوعهم للتاج البريطاني. وبحلول القرن التاسع عشر، واجهت إيرلندا تضاعف مشكلتي العلاقات الداخلية بين البروتستانت والكاثوليك، والعلاقة مع بريطانيا، ما أدى إلى تنامي اضطرابات عنيفة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، واعتبر «الجيش الجمهوري الإيرلندي» (تكون عام 1919)، أبرز المنظمات التي صنّفت كمنظمة إرهابية، بسبب الأسلوب الذي استخدمه الجيش الجمهوري الإيرلندي في تحقيق أهدافه، إذ ارتكب عمليات عنف من خلال خلايا صغيرة، يتراوح عدد أعضائها بين ثلاثة وخمسة أفراد، ومعظمهم من العمال أو الطبقة الوسطى، بهذا الأسلوب وجه ضربات عشوائية، ضد النوادي الليلية والمحلات العامة ووسائل النقل، وضد أفراد الشرطة.

وفي أواخر الستينيات تسبب الجيش الجمهوري الإيرلندي في حوادث عنف رهيبة بين الكاثوليك الراغبين في الانفصال عن بريطانيا والبروتستانت المولاين لها، وانقسم الجيش نفسه بين مؤيد ومعارض، فأصبح الجيش الكاثوليكي يضرب بيد من حديد جموع البروتستانت التي تخالف رغبته، فتدخلت بريطانيا بقواتها لفصل المناطق البروتستانتية عن الكاثوليكية، ونتج من هذه المواجهة العنيفة قتلى من كلا الطرفين.

مع نهاية ستينيات القرن العشرين، بلغ تذمر الأقلية الكاثوليكية من التهميش والإقصاء الاقتصادي والسياسي مداه، وكان المتطرفون البروتستانت لهم بالمرصاد، فاندلعت مواجهات عنيفة بين المتطرفين من الجانبين، وتحولت بلفاست إلى ساحة حرب... اعتمدت المنظمة أساليبها القديمة، من تفجير واغتيالات، ليَنتهي الأمر بانشقاق جديد أنتج جناحين أحدهما عنيف وسمي (إيرا المؤقتة)، والآخر (إيرا الرسمية).

أظهر الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت مزيداً من المنظمات الإرهابية، من بينها «رابطة الدفاع ألستر»، وهي مجموعة مسلحة في إيرلندا الشمالية، تهدف إلى حماية المسيحيين البروتستانت من الكاثوليك، وتعتبر من أشد المعارضين للوحدة بين الشمال الإيرلندي والجمهورية الإيرلندية، ومسؤولة عن مقتل 259 كاثوليكيا. تم القضاء عليها عسكريا في 2007. كذلك ظهرت منظمة جيش التحرير الوطني الإيرلندي التي تقوم أساساً على معاداة الإمبريالية، وتتصل بالاشتراكية العمالية، لكن نشاطها الإرهابي المتمثل في اختطاف الأطفال أفقدها التأييد الشعبي.

ويشبه الإرهاب في إسبانيا نظيره في بريطانيا، إذ يرتكز في الأساس على الإرهاب الانفصالي، ويتمثل في جانب كبير منه في منظمة إيتا الانفصالية (منظمة تحرير الباسك)، وهي أخطر المنظمات وأقواها وتسعى إلى تحقيق انفصال إقليم الباسك عن إسبانيا، وإقامة دولة الباسك المستقلة.

تأسست منظمة «إيتا»، الأحرف الأولى لعبارة «الوطن الباسكي والحرية»، في نهاية الخمسينيات وبدأت العمل المسلح عام 1961، ونفذت في عام 1968 أول عملية اغتيال لها بحق ميليتون مانثاناس، مدير مكتب المخابرات الإسبانية بمدينة سان ساباستيان بإقليم الباسك، وتزايد نشاطها في منتصف الثمانينيات، وجاء ظهورها كرد فعل على الحكم الاستبدادي لنظام الجنرال فرانكو، وقد استهدفت توحيد مقاطعات إقليم الباسك السبع في دولة واحدة ذات اتجاهات اشتراكية.

بلغت الأنشطة الإرهابية للمنظمة ذروتها بين 1978 و1980، استهدفت خلالها رجال الشرطة والحرس المدني وكبار قادة الجيش، وحركة السياحة في إسبانيا لا سيما الشواطئ والفنادق، فسقط من جراء ذلك نحو ألف قتيل وآلاف الجرحى، من بينهم ضباط وعناصر من القوات المسلحة وقوات الأمن الإسبانية، بالإضافة إلى سياسيين وأصحاب شركات وصحافيين ومواطنين، ناهيك بعمليات الخطف والتهديد والابتزاز التي كات يتعرض لها أهالي الباسك غير المؤيدين لها. واعتمدت المنظمة إلقاء قنابل في الأماكن التي تخدم مصالحها من دون أدنى اعتبار لوجود أبرياء... ومن أبرز جرائمها اغتيال الرئيس لويس كاريرو بلانكو، ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء الإسباني الأسبق خوسي ماريا أثنار، والملك الإسباني خوان كارلوس.

ورغم إعلان المنظمة وقف عملياتها الإرهابية في أواخر 1999، نفذت في 2001 نحو 16 عملية تضمنت تفجيراً واغتيالات أسفرت عن مقتل23 شخصاً وإصابة العشرات، واستهدفت رجال الشرطة والساسة ورجال الأعمال، والمناطق التجارية.

الفكر النازي

ولم يختلف الوضع كثيراً في ألمانيا التي شهدت منظمات إرهابية يمينية ويسارية، وقد بلغت ذروة عمليات تلك المنظمات في السبعينيات، إلا أن حدتها تراجعت خلال الثمانينيات.

بدأت مقدمات الإرهاب اليساري منذ نهاية الستينيات من خلال مجموعات صغيرة من طلاب الجامعات الذين لم يكتفوا بالتظاهرات، بل نفذوا أعمالاً إرهابية ضد الممتلكات والأفراد، وإذا كان ثمة تعاطف شعبي تجاه تلك الجماعات، فإن تضاءل وحلّ محله الرفض الشعبي بعد تزايد عمليات الاغتيال في منتصف السبعينيات.

«الجيش الأحمر» إحدى أهم منظمات إرهاب اليسار التي بدأت أنشطتها عام 1968، كذلك تكونت منظمة «الخلايا الثورية» (1973)، وتركزت أنشطتها في عمليات الشغب والاعتداءات البسيطة، إلى أن ظهرت جماعة «بادر ماينهوف» في أواخر الستينيات معتنقة الفكر النازي. تعتبر هذه المنظمة إحدى أخطر المنظمات الإرهابية التي عرفتها أوروبا، ويعود تاريح إنشائها إلى عام 1968، وكانت تضم أكثر من 1300 عضو، ويساعدها 6 آلاف شخص، فضلا عن المتعاطفين مع أفكارها... وشنت عشرات العمليات ضد القوات الأميركية، احتجاجاً على وجودها في ألمانيا.

وفي مقابل تنامي الإرهاب اليساري، ظهر إرهاب اليمين في ألمانيا الاتحادية بهدف «إقامة نظام ديكتاتوري»، ولذلك لم يستهدف هذا النوع من المنظمات رموز السلطة، بل كان يختار ضحاياه من عامة الشعب.

في الواقع، كان إرهاب اليمين في ألمانيا الغربية أقل خطورة وضعفاً من إرهاب اليسار، إلا أنه يستمد جذوره من الحزب الوطني الديمقراطي الذي يمثل اليمين المتطرف، ويعاني راهناً ضعفاً شديداً، كذلك جماعات النازيين الجدد، وهو ما سنتطرق إليه في الحلقة المقبلة.