لا يمكن لمن يقرأ تاريخ العالم، ويتعمق في تاريخ الإرهاب إلا أن يتوقف أمام مشهدين من أكثر مشاهد العالم دموية، وللأسف كان الضحية في المشهدين من المسلمين والعرب، وكان الميدان مدينتين من أهم المدن العربية عبر التاريخ: القدس وبغداد.

وتروي صفحات التاريخ كثيراً من الوقائع الدموية مارستها جيوش الصليبين والتتار في الشرق، وقد خلدت تلك الممارسات في أدبيات الإرهاب عبر التاريخ، فما حدث عند دخول الحملة الصليبية الأولى إلى القدس، واقتحام جيوش التتار عاصمة الخلافة الإسلامية في بغداد كان وحشية تفوق تصور البشر... ولنتوقف أولا عند مشهد سقوط القدس.

Ad

إشعال الحرب المقدسة!

مع بداية القرن الحادي عشر الميلادي، بدأت أفكار حول عودة المسيح في الانتشار في أوروبا، وازدادت شيوعاً مع تفاقم الأزمات الاجتماعية وانتشار الفقر، وشاعت أساطير تبشر بالإمبراطور الأخير الذي سيقود المؤمنين إلى القدس لينتظر العودة الثانية للمسيح ويؤسس مملكة السلام والعدل ويحكم العالم من صهيون، أي القدس.

واجهت أوروبا الإقطاعية المتحالفة مع الكنيسة صعوبات مادية، ومن هنا نشأت فكرة الحملات الصليبية للاستيلاء على ثروات الشرق لتمويل الممالك الأوروبية المنهكة اقتصادياً ولم تعد في وضع يسمح لها بالوفاء بمتطلبات شعوبها، وبالتالي سعت إلى توجيه أنظار تلك الشعوب نحو الحرب المقدسة ضد الإسلام التي استعرت مع حروب الاسترداد في إسبانيا وسقوط دولة المسلمين في الأندلس بعد 800 عام من الحياة على أرض أوروبا.

بدأت هذه الحملة حين دعا البابا إربان الثاني (1088- 1118)، وكان فرنسياً، لمجلس في كليرمون في 18 نوفمبر 1059، وألقى خطاباً حثّ فيه الممالك الأوروبية على توجيه قواها القتالية لخدمة غرض مقدَّس، ولم يفته إغراء تلك الممالك بالسيطرة على الثروة من أرض تفيض باللبن والعسل، فصاح الجميع باللاتينية deus volt، أي {الله يريد ذلك}.

وتتالت الحوادث وانتشر مندوبو البابا في أرجاء أوروبا يوزعون صكوك الغفران على من ينضم إلى تلك الحملة، وتوسعوا في منح تلك الصكوك لمن يتولى تمويلها، وجاء المتطوِّعون من أنحاء أوروبا. فعلاً، انطلقت الحملة الصليبية الأولى (1096 - 1099)، ورغم توالي الحملات الصليبية عبر عقود لاحقة، تبقى الحملة الأولى وما رافقها من ممارسات إرهابية بشعة خالدة في ذاكرة التاريخ.

مذبحة القدس

في 15 يوليو 1099، دخلت جيوش الصليبيين مدينة القدس، وبدا واضحاً تأثير الشحن الديني الذي مارسته الكنيسة الكاثوليكية لجنود الحملة، التي صوّرت لهم أن ذبح المسلمين تنفيذ حرفي لنصوص الكتاب المقدس ووسيلة لدخول الجنة (هي ذاتها الأفكار التي تروجها جماعات الإرهاب عبر التاريخ).

لم يكن للمسلمين المحاصرين داخل القدس من هَم إلا الفرار من الجنود الصليبيين الذين كانت تبدو عليهم علامات الوحشية، وانطلقوا ليستبيحوا المدينة المستسلمة، فلم يجد السكان المذعورون أملاً في النجاة إلا في الاعتصام بالمسجد الأقصى لعل الصليبيين يحترمون قدسيَّة المكان، لكن الجيش الذي يرفع راية الصليب لم يأبه بذلك وعاث في جموع المقدسيين العزل ذبحاً وتقتيلا، وذُبح في المسجد الأقصى 70 ألف مسلم، ما بين رجل وامرأة وطفل، وكان هؤلاء كل سكان المدينة تقريباً.

كتب وليم الصوري، أحد مؤرِّخي الحملة الصليبية الأولى، أن بيت المقدس شهد عند دخول الصليبيين مذبحة رهيبة، حتى أصبح البلد مخاضة واسعة من دماء المسلمين، أثارت الرعب والاشمئزاز، ولم يقتصر القتل على المسلمين، بل عاناه اليهود أيضاً، فقد جمع الصليبيون اليهودَ في الكَنِيسِ ثم أحرقوه عليهم.

ويصف فولتشر أوف تشارترز، كاهن فرنسي ومؤرخ كان برفقة الحملة الصليبية الأولى، مشاهد من الوحشية الصليبية عند اقتحام مدينة القدس، يوردها كتاب «تاريخ الحملة إلى القدس»، فيقول: «هرب بعض هؤلاء العرب إلى برج داود، وأغلق آخرون على أنفسهم معبد الرَّبّ ومعبد سليمان، وشُنّ هجوم على المسلمين في فناء هَذينِ المعبدَيْنِ، ولم يكن ثمة مكانٌ يمكن أن ينجيهم من سيوف رجالنا، ولو أنك كنت موجوداً هناك لغاصَتْ قدماك حتى العقبينِ في دماء المذبوحِينَ، وقد قطعت رؤوس ما يقرب من عشرة آلاف شخص في هذا الهيكل، لم نتركْ منهم أحداً على قيد الحياة، ولم ينجُ حتى النساء والأطفال. كم سيكون مُدْهشاً لو أنَّك رأيتَ فرساننا ومشاتنا بعدما اكتشفوا خداعَ المسلمينَ فشقّوا بطونَ الذين ذبحوهم، ليَستخرجوا من المعدة والأمعاء العُمْلاتِ الذهبية التي كان المسلمون ابتلعوها وهم أحياء!! ولنفس السبب جمع رجالُنا، بعد أيام قلائل، كومة من الجثث وأحرقوها حتى صارت رماداً، ليجدوا بسهولة الذهب الذي ذكرنا خبره، عندما جرى رجالنا وسيوفهم مشرعة عبر أرجاء المدينة، ولم يُبقوا على أحد، حتى أولئك الذين يرجون الرحمة».

ونقل صاحب موسوعة «قصة الحضارة» المؤرخ ويل ديورانت عمن حضروا تلك المذابح وشاركوا فيها قولهم: «كانت النساء يُقتلن طعناً بالسيوف والحراب، والأطفال الرضع يختطفون بأرجلهم من أثداء أمهاتهم، ويُقذف بهم من فوق الأسوار، أو تُهَشَّم رؤوسهم بدقها بالعمد، وأن جثث قتلى المسلمين وُضعت في أكوامٍ حتى حاذتِ البُيُوتَ ارتفاعاَ».

ويصف المستشرق الشهير غوستاف لوبون في كتابه «حضارة العرب» بشاعة الحروب الصليبية، قائلاً: «وكان سلوك الصليبيين حين دخلوا القدس غير سلوك الخليفة الكريم عمر بن الخطاب رضي الله عنه نحو النصارى حين دخلها منذ بضعة قرون، حيث عقد الصليبيون مؤتمراً أجمعوا فيه على إبادة جميع سكان القدس، من المسلمين، واليهود، وخوارج النصارى، الذين كان عددهم نحو ستين ألفاً، فأفنوهم عن بكرة أبيهم في ثمانية أيام، ولم يستثنوا منهم امرأة ولا ولدا ولا شيخاً، فقد قطعت رؤوس بعضهم، وبُقِرت بطون بعضهم، وحُرق بعضهم في النار، فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسهم من أعلى الأسوار!».

اختصر الصليبيون وصف هذه المذابح العظيمة في رسالة إلى البابا يتباهون فيها بما فعلوا قائلين: «إذا ما أردت أن تعلمَ ما جرى لأعدائنا الذين وجدناهم بالمدينة، فثِقْ أنَّه في إيوان سليمان أو معبده كانت خيولنا تخوض في بحر من دماء الشرقيين المتدفّقة إلى ركبتيها».

ويروي ابن الأثير في تاريخه فيقول: «مَلَك الفرنج القدس نهار يوم الجمعة، لسبع بقين من شعبان، وركب الناس السيف، ولبث الفرنج في البلدة أسبوعاً يقتلون فيه المسلمين، واحتمى جماعة من المسلمين بمحراب داود، فاعتصموا به، وقاتلوا فيه ثلاثة أيام، وقتـل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعـين ألفاً، منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبادهم وزهادهم ممن فارق الأوطان وجاور بذلك الموضع الشريف».

مذبحة معرة النعمان

لم تقتصر المذابح الصليبية على القدس، فقد كان الحقد والوحشية منهجاً التزم به الصليبيون في المدن التي دخلوها قبل القدس أو بعدها، ومن المذابح التي لا تنسى في هذا السياق مذبحة معرّة النعمان في 12 ديسمبر1098 أثناء الحملة الصليبية الأولى. يشير معظم كتب التاريخ إلى أن الصليبيين قتلوا جميع من كان فيها من المسلمين اللاجئين في الجوامع والمختبئين في السراديب، فأهلكوا ما يزيد على مئة ألف إنسان (في أكثر الروايات)، وكانت المعرة إحدى أعظم مدن الشام، من حيث عدد السكان بعدما فر إليها الناس عقب سقوط أنطاكية وغيرها بيد الصليبيين.

إلا أن عناصر تلك القوات الهمجية بقيادة ريموند دي سانت گيل وبهمند من ترانتو أضافوا عنصراً جديداً لم ينافسهم في وحشيته أحد، فقد التهموا كثيراً من سكان المدينة.. نعم التهموهم، وتنافسوا في شواء الأطفال!، وهو ما رواه المؤرخ رودلف من كاين الذي كتب يقول: «في المعرة سلقت قواتنا الكفار أحياءً في قدور الطهي، وخوزقوا الأطفال في أسياخ وشووهم على النار وأكلوهم».

بينما حاولت مراجع تاريخية أخرى تبرير أكل لحوم البشر بنقص التموين لدى الحملة الصليبية الأولى، فيقول أمين معلوف في كتابه «الحملات الصليبية بعيون عربية» نقلا عن المؤرخ ألبرت من أيكس: «ليس فقط أن قواتنا لم تتوجل من أكل الأتراك والعرب القتلى، بل أكلوا الكلاب».

ولم يقتصر الإرهاب الوحشي على الحملة الصليبية الأولى، بل استمر وصار طابعاً ملازما لكل الحملات اللاحقة، وتذكر كتب التاريخ ما فعله ريتشارد قلب الأسد في الحملة الصليبية الثالثة، عند احتلاله عـكا، بأسرى المسلمـين، فقد ذبح 2700 أسير من المسلمين الذين كانوا في حامية عكا، ولقيت زوجات وأطفال الأسرى مصرعهم إلى جوارهم.

وحوش في هيئة بشر

ولم يكد المسلمون في مصر يصدون الحملة الصليبية السابعة عام 1249 التي استهدفت غزو مصر انتقاماً من استعادة الأيوبيين بيت المقدس من الصليبيين، حتى كان خطر أكبر يحدق بالعالم العربي الإسلامي ألا وهو خطر التتار، الذين كانوا وحوشاً في هيئة بشر.

وكان الصليبيون جهزوا حملتهم الأخيرة التي هزمت في المنصورة وأُسر قائدها لويس التاسع، وحاولوا إقناع التتار بالتحالف معهم لتطويق العالم الإسلامي وإرباكه، إلا أنهم فشلوا لأن التتار كانت لهم طموحاتهم وخططهم الخاصة، فقد اجتاحوا بلدان العالم الإسلامي، وأسقطوا الخلافة الإسلامية في بغداد، واجتاحوا الشام، فسطروا بأعمالهم الإرهابية صفحات سوداء من الترويع والقتل الوحشي من الصعب أن تنسى على مر القرون.

ولعل استعادة مشهد سقوط بغداد ومدن عربية كبرى في أيدي التتار خير تجسيد لوحشية تلك الجيوش التي ابتكرت أساليب غير مسبوقة في الإبادة وزرع الرعب في نفوس خصومهم، وهو ما تحاول تنظيمات إرهابية معاصرة مثل «داعش» وغيره تكراره، حتى باتوا يستحقون وصفهم بـ «تتار العصر الحديث».

سار هولاكو بأضخم جيش مغولي على الإطلاق، وأنضمت إليه جيوش من مملكة جورجيا ومملكة الأرمن وإمارة أنطاكيا الصليبية، وكان لهم دور نشط في احتلال بغداد وإنهاء الخلافة العباسية (1258م/656هـ).

حاول الأهالي الفرار ولكن المغول اعترضوهم وقتلوهم بشكل عشوائي، ومن دون الدخول في تفاصيل سقوط بغداد وأسباب ذلك السقوط المدوي لعاصمة الخلافة العباسية، إلا أن ما يهمنا هو ما أعقب سيطرة التتار على المدينة، فتذكر كتب التاريخ أن عدد القتلى في بغداد بلغ بين 800 ألف إلى مليوني قتيل، بينهم 50 ألف من جنود الدولة العباسية.

ويصف ابن كثير سقوط عاصمة الخلافة فيقول: «مال التتار على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقني الوسخ، وكمنوا كذلك أياماً لا يظهرون وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الحانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطح، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة».

وتشير كتب التاريخ إلى أن اعتداء التتار على نساء العراق وبلاد الشام بعد اجتياحهم لها، كان أعظم اعتداء على النساء عرفه التاريخ، حيث يقال إنه لم تبق امرأة عذراء في كل دمشق وحلب. حتى الجوامع اتخذوها أماكن لاغتصاب النساء!

استمرت عمليات السلب والنهب والقتل العشوائي لكل الأحياء في بغداد أربعين يوماً كاملة رغم استسلام المسلمين، ثم ركز التتار على تخريب القصور وإتلاف الكتب، التي كانت تعبر عن حضارة الأمة وثقافتها. ووصل حقد التتار إلى حد أنهم ملأوا نهر دجلة بالمخطوطات، ليجعلوا منها جسراً لعبور خيلهم إلى الضفة الأخرى من النهر، وتحوّلت مياه النهر إلى اللون الأسود بعد ما صبغها المداد الذي صيغت به المخطوطات. أما المساجد والقصور والمستشفيات فقد نهبت ثم دمرت، والأبنية الكبيرة التي كانت تعمل لأجيال نهبت وأحرقت ثم سويت بالأرض.

إعدام المُستعصم
قبض على الخليفة العباسي المستعصم وأجبر على رؤية دمار المدينة التي لم يستطع حمايتها من جحافل التتار بسبب سوء تقديره وفساد حكمه. ويذكر مؤرخ التتار رشيد الدين فضل الله الهمذاني أن هولاكو دخل قصر الخلافة وأمر بإحضار المستعصم، وطلب منه تقديم الكنوز التي يمتلكها، فدله على أحواض هائلة تم فيها إخفاء ما جمعهُ بنو العبَّاس خلال خمسة قرون من أموال وقد صارت غنيمة للتتار، فجمعوه وكدَّسوه حتَّى صار وكأنَه جبل... ثم أمر هولاكو بجمع حريم الخليفة وإحصائهن، فكن 700 زوجة وأكثر من 1000 جارية، فتم توزيعهن على قادة التتار.

ويشير معظم كتب التاريخ إلى أن الخليفة المُستعصم قتل دهساً بالخيل، لف بواسطة السجاد وجعلوا الخيل تدوسه حتى الموت، وكان التتار يعتقدون بأن الأرض ستغضب إن مسها دم ملكي، وقُتل جميع أبنائه ما عدا واحد منهم أبقوه حياً وأرسلوه إلى منغوليا.

من بقوا على قيد الحياة من أهالي بغداد أصبحوا في أسوأ حال، بعدما مضى عليهم 40 يوماً مختبئين في الأقنية والمجاري تحت الأرض، ولما نُودي ببغداد بِالأمان بعد أربعين يوماً من المذابح خرج من كان تحت الأرض كأنهم موتى إذا نبشوا من قبورهم، وبلغ من هول صدمة الناس وخوفهم أن أنكروا بعضهم بعضاً، فلم يعرف الوالد ولده، ولا الأخ أخاه، وقد تناثرت الجُثث في الطُرقُات كأنها التلول، ثم تساقطت الأمطار فأنتنت المدينة من جيفهم، وتغيَّر الهواء، واضطر هولاكو إلى نقل مخيمه عكس الريح عن المدينة بسبب رائحة الموت والدمار التي تنبعث منها!

وتشير كتب التاريخ إلى أن وباء شديداً أصاب أرض العراق بسبب كثرة القتلى وانتشار الجثث بالشوارع بغير دفن لأيام طويلة، وسرعان ما أُصيب بالوباء معظم من نجوا من المذبحة، فماتوا هم أيضاً، وقد سرى ذلك الوباء في الهواء إِلى الشام، فمات عدد كبير في حلب ودمشق.

واتبع التتار هذا الأسلوب الهمجي مع المدن كافة التي دخلوها تقريباً ليلقوا الرعب في قلوب من يواجههم، وقد نجح هذا التكتيك مع دمشق ولكنه فشل فشلاً ذريعاً مع مصر، فقد أنقذ المماليك فيها العالم من أحد أخطر جيوش الإرهاب التي عرفها التاريخ، وهزموا تلك الوحوش التتارية هزيمة نكراء في عين جالوت وهي المعركة الأولى والأخيرة التي لم يستطع المغول الانتقام لها.