يمتلئ التاريخ المسيحي قديماً وحديثاً بمراحل مهمة في تأريخ الحركات الإرهابية، لكن معظم المؤرخين يجمعون على أن المد الإرهابي شهد طفرة في أواخر القرن التاسع عشر، مع انتشار جمعيات سرية كانت منخرطة بنشاطات إرهابية خارج أوروبا – في مصر مثلا، وفي الهند والصين، لتحقيق التحرر القومي. إلا أن عنف الإرهابيين المسيحيين في القرن التاسع عشر كان ملحوظاً، قتلوا قيصر روسيا (أليكساندر الثاني)، ووزراء وكبار النبلاء والجنرالات والرئيسين الأميركيين (وليام ماكنلي في عام 1901، وقبله جيمس غارفيلد في عام 1881)، وملك إيطاليا الملك أمبرتو، والإمبراطورة «زيتا» في الإمبراطورية النمساوية – المجرية، ورئيس فرنسا سادي كارنو، وأنتونيو كانوفاس رئيس وزراء إسبانيا – على سبيل ذكر أشهر الضحايا.

بل كان إشعال الحرب العالمية الأولى نتيجة لعمل إرهابي شهير انتهى بقتل الأرشيدوق فرانز فيردناند، وريث العرش النمساوي، في سراييفو في عام 1914، قبل أن يعود الإرهاب إلى الظهور بعد الحرب العالمية الأولى في دول مختلفة، كألمانيا ودول البلقان.

Ad

وكان الفاشستيون والشيوعيون يؤمنون، قبل توليهم زمام السلطة، بالعنف الجماعي لا بالأعمال الإرهابية الفردية، وفي عقدي السبعينيات والثمانينيات اجتاحت أوروبا العشرات من الجماعات الإرهابية كان عدد غير قليل منها امتداداً لجماعات متعمقة الجذور في الماضي، بينما أفرز واقع العالم مزيداً من الجماعات الإرهابية المسيحية التي اجتاحت أوروبا والولايات المتحدة، بل وامتدت حتى آسيا وإفريقيا، واستندت إلى نصوص لاهوتية لتبرير أعمالها الإجرامية والعنصرية.

محاكم التفتيش

إحدى أبرز الجرائم الإرهابية التي يجب التوقف أمامها في التاريخ المسيحي، محاكم التفتيش. رغم أن تلك المحاكم كانت بقرار كنسي، وتم تنفيذها في مناطق أوروبا، فإنها، وهذه هي أكبر خطورة، مثلت أساساً فكرياً لتنظيمات إرهابية لاحقاً، واستغلت جماعات إرهابية متأسلمة جرائم تلك المحاكم لإذكاء روح العداوة ولتبرير جرائمها، مع أن تلك التنظيمات تستخدم منطق وأحياناً أساليب محاكم التفتيش في فرض دينها ورأيها على الآخرين قسراً، وبصور من التعذيب الوحشي الذي تخجل به الإنسانية. فإذا كان دواعش العصر الحديث استخدموا التعذيب والتهجير والقتل لفرض رأيهم وإرادتهم على من يخالفهم، فقد استخدم «دواعش القرون الوسطى» ممثلين في محاكم التفتيش الأساليب نفسها لتحقيق الأغراض نفسها.

مسيحيون ضحايا «التفتيش»

السمعة التاريخية الرائجة عن محاكم التفتيش أنها استهدفت مسلمي إسبانيا بعد سقوط الأندلس، مع أنهم أجبروا على اعتناق المسيحية وعرفوا بـ «الموريسكيين» وكانوا أشهر ضحايا تلك المحاكم، إلا أن من الإنصاف الإشارة إلى أن ضحايا التفتيش لم يكونوا من المسلمين فحسب، بل من المسيحيين أيضاً، فقد انتهجت الكنيسة ذلك السلوك الإرهابي تجاه المسيحيين عن طريق محاكم التفتيش التي أسستها الكنيسة الكاثوليكية في إيطاليا وفرنا وألمانيا لتقصي أخبار الناس ومتابعتهم إن خالفوا أفكار الكنيسة، فطاردت العلماء والمفكرين وشردت وأحرقت الكثير...

أنشأت أول محكمة تفتيش عام 1242، وفي نوفمبر 1478 أصدر البابا سيكستوس الرابع مرسوماً بإنشاء محكمة التفتيش في إسبانيا وطالبت الناس بأن يصبحوا ما يشبه الجواسيس للكنيسة.

أوكلت إلى محاكم التفتيش مهمة فرض آرائها على الناس باسم الدين والبطش بكل من يتجرأ على المعارضة والانتقاد، فنصبت المشانق وأعدمت المسيحيين عن طريق حرقهم بالنار، وتقدر المراجع التاريخية الضحايا المسيحيين الذين اعدمتهم محاكم التفتيش بنحو 300 ألف شخص أُحرق منهم 32 ألفاً أحياء، من بينهم العالم المعروف «برونو» الذي انتقمت منه الكنيسة بسبب آرائه التي اعتبرتها متشددة، كذلك العالم الشهير «غاليليو» الذي عوقب بالإعدام لأنه أطلق نظرية دوران الأرض حول الشمس.

كذلك شهدت إنكلترا في عهد الملكين هنري الرابع، وهنري الخامس (1399-1422) موجة من الإعدامات للمخالفين للكنيسة الكاثوليكية بطريقة بشعة، بواسطة الخازوق، ولم يلغَ هذا الأسلوب نهائيّاً إلا في عام 1676 أي أن هذه الطريقة البشعة استمرت قرابة ثلاثة قرون.

وفي إسبانيا بلغ ضحايا هذه المحاكم 31 ألفاً أُحرِقوا بالنار،290 ألفاً عُذِّبوا بعقوبات لم تبلغ حد الإعدام، وفي هولندا بلغ الضحايا في عهد الملك «تشارلز الخامس» (1337-1380) نحو 100 ألف ضحية، وفي عهد ابنه وولي عهده، أعدم أكثر من 50 ألف شخص بالمقصلة من الرجال والنساء والأطفال، حتى بلغ الضحايا 50 الفاً... وفي فرنسا، تحديداً في عهد الملك «تشارلز التاسع» (1550-1574)، ذبح الكاثوليك أكثر من 20 ألفاً من البروتستانت، بطرائق تفوق في بشاعتها آلاف المرات ما يرتكبه تنظيم «داعش» اليوم.

وفي عهد الملك «لويس الرابع عشر» (1638-1715) تجدَّدت المذابح ضد البروتستانت، فسيق كثر إلى الإعدام، ومن نجوا من القتل خيَّرهم الملك بين الارتداد عن البروتستانتية إلى الكاثوليكية وبين الهجرة من فرنسا، فهاجر نصف البروتستانت (أي نحو نصف مليون) إلى هولندا وإنكلترا وبروسيا وأميركا.

المأساة الأكبر بالأندلس

المشهد الأكثر سوداوية في تاريخ محاكم التفتيش ما قامت به تلك المحاكم في إسبانيا بعد سقوط الأندلس، فقد ارتكبت بحق المسلمين الذين أجبروا على اعتناق المسيحية جرائم ما زال كثير منها خافياً إلى اليوم، وما تم كشفه كفيل بأن تعتبر تلك المحاكم أحد أبشع صور الإرهاب التي عرفها العالم.

بعدما سلم أبو عبدالله الصغير غرناطة في أعقاب صلح عقده مع فيرناندو، يتضمن السماح للمسلمين بممارسة شعائرهم وحماية مقدساتهم، سرعان ما نقض الأخير العهد، وبدأت محاكم التفتيش والتعذيب والقتل والنفي، لتبدأ مأساة أهل الأندلس من المسلمين وحتى من اليهود لإجبارهم على الاختيار بين التنصر أو الموت. وحسب الرواية القشتالية الرسمية، لم يرغب الأندلسيون بالاندماج في المجتمع المسيحي وبقوا في معزل عنه يمارسون شعائرهم الإسلامية سراً. وكي لا يتعرضوا لويلات محاكم التفتيش مارسوا التقية، فاعتنقوا المسيحية ظاهرياً وأخفوا الإسلام.

ولم تكد تمر أيام قليلة على تسليم غرناطة حتى ادعى أسقفها أن المسيح ظهر له وأمره بدفع المسلمين في غرناطة ومدن إسبانيا بأكملها إلى اعتناق الكاثوليكية، فتم احتلال المساجد وتحويلها إلى كنائس ومصادرة الأوقاف، ما أثار احتجاجات وثورة لدى المسلمين فتم التنكيل بهم وسجنهم وإعدامهم بشكل جماعي.

ورغم ذلك كله، وقعت التقارير من مدن الأندلس السابقة كالصاعقة على رأس الكاردينال والملك الإسباني والبابا. في تقرير رفعه أسقف غرناطة يذكر أن «الموريسكيين» لم يتراجعوا خطوة عن الإسلام، وإذا لم توجد الوسائل لإيقافهم ومعاقبتهم فإنهم سيدخلون مسيحيي غرناطة وبلنسية ومدن أخرى في الإسلام بشكل جماعي... هكذا تشكلت «محاكم التفتيش» في إسبانيا التي عملت على تنصير المسلمين، وبدأت البحث عنهم في أنحاء غرناطة وإسبانيا لمحاكمتهم على عدم تنصرهم، فأحرقت المساجد والكتب من فقه وحديث وسيرة، وتم حظر اللغة العربية، وأصدرت أحكاماً ضد المسلمين بإحراقهم بشكل جماعي في ساحات عمومية أمام الملأ، حتى أن بعض المؤرخين الغربيين أشار إلى أن ضحايا محاكم التفتيش حتى سنة 1577 بلغ نصف مليون مسلم، وهو ما اعتبر أكبر حرب إبادة شهدها التاريخ الوسيط.

وحشية لا تخطر ببال

في محاكم التفتيش، كان المتهم يخضع لمحاكمة صورية تمرّ عبر اختبار شرب كؤوس من الخمر مرورا بأكل لحم الخنزير، فإذا امتنع عن ذلك يحال إلى مسلسل تعذيب تفننت فيه السلطات الكاثوليكية، فيزج به في سجن سري، من دون أن يعرف التهمة الموجهة إليه، ويبقى أشهراً في زنزانة مظلمة، ترتع فيها الأفاعي والجرذان والحشرات وتنتشر فيها الأوبئة، فإذا مات اعتبرت محاكم التفتيش ذلك رحمة من الله وعقوبة مناسبة له، وإن عاش، يُستدعى إلى المحكمة لسؤاله والاستمرار في تعذيبه.

يتضمن الأرشيف الوطني الإسباني وثيقة تجسد تفاصيل ممارسات محاكم التفتيش، إذا اعترف الشخص عوقب من دون رحمة أو شفقة، وإذا لم يعترف يحال إلى التعذيب حتى يعترف بأي شيء أو يموت تحت العذاب. ويشتمل التعذيب على كل ما لا يخطر ببال من أساليب، تبدأ بمنع الطعام والشراب عن المتهم حتى يصبح نحيلاً غير قادر على الحركة، ثم تأتي عمليات الجلد ونزع الأظفار، والكي بالحديد المحمي ونزع الشعر، ومواجهة الحيوانات الضارية، والإخصاء، ووضع الملح على الجروح، والتعليق من الأصابع... خلال عمليات التعذيب، يسجل الكاتب كل ما يقوله المتهم من صراخ وكلمات وبكاء، ولا يستثنى شيخ أو امرأة أو طفل... وبعد كل حفلة تعذيب، يترك المتهم يوماً ثم يُعرض عليه ما قاله في أثناء التعذيب من تفسيرات القضاة، فإذا كان قد بكى وصرخ «يا الله»، يفسر القاضي أن كلمة الله التي لفظها يقصد بها رب المسلمين، وعلى المتهم أن ينفي هذا الاتهام أو يؤكده، وفي كلٍ مرة يتعرض لتعذيب من جديد، وهكذا يستمر في سلسلة لا تنتهي من التعذيب...

قبل أربع وعشرين ساعة من تنفيذ الحكم، يتم إخطار المتهم بالحكم الصادر بحقه، وكانت الأحكام تتمثل في ثلاثة أنواع: البراءة، وهو حكم نادراً ما حكمت به محاكم التفتيش، وعندها يخرج المتهم بريئاً، لكنه يعيش بقية حياته معاقاً مهدوداً بسبب التعذيب الذي تعرض له، وعندما يخرج يجد أن أمواله قد صودرت، ويعيش منبوذاً لأن الآخرين يخافون التعامل معه أو التحدث إليه خشية أن يكون مراقباً من محاكم التفتيش، فتلصق بهم التهم التي أُلصقت به. أما الحكم الثاني فهو الجلد، حيث يساق المتهم إلى مكان عام عارياً تماماً وينفذ به الجلد، وغالباً ما كان يموت تحت وطأة الجلد، فإن أفلت وكُتبت له الحياة يعيش كوضع المحكوم بالبراءة من حيث الإعاقة ونبذ المجتمع له. أما ثالث الأحكام فكان الإعدام، وهو الحكم الأكثر صدوراً عن محاكم التفتيش، ويتم الإعدام حرقاً وسط ساحة المدينة.

في بعض المراحل، تصدر المحاكم أحكاماً بالسجن، وبسبب ازدحام السجون صارت تطلق سراح البعض وتعدم آخرين من دون محاكمات. وفي بعض الحالات، تصدر أحكاماً بارتداء المتهم لباساً معيناً طوال حياته، مع إلزام الناس بسبه كلما سار في الشارع أو خرج من بيته، وفي هذه الأحكام كما قلنا لا يُستثنى أحد بسبب العمر. مثلاً، ثمة وثائق تشير إلى جلد طفلة عمرها أحد عشر عاماً مئتي جلدة، وجلد شيخ في التسعين من عمره ثلاثمئة جلدة، وحتى الموتى كانوا يخضعون للمحاكمة وتنبش قبورهم لإحراق جثثهم والتمثيل بها!

ولم تفلح مساعي الموريسيكيين في الحصول على دعم خارجي فاعل من الدولة العثمانية أو المماليك في مصر، رغم حملات الإغارة والقرصنة التي قام بها العثمانيون والجزائريون والأندلسيون على السفن والشواطئ الإسبانية، ودعم الثوار الموريسيكيين.

وتروي كتب التاريخ واقعة شهدها عام 1809 بعدما أصدر نابليون مرسوماً بإلغاء دواوين التفتيش في المملكة الإسبانية وأرسل حملته إلى إسبانيا بعد مرور أربعة قرون على سقوط الأندلس. تكشف الواقعة بوضوح فظاعة جرائم محاكم التفتيش، يرويها الكولونيل ليموتسكي، أحد ضباط الحملة الفرنسية في إسبانيا: «خلال عمليات تعقب بعض أفراد دواوين التفتيش الذين كانوا يستهدفون الجنود والقادة الفرنسيين بالقتل، طاردنا بعضهم إلى داخل أحد الأديرة، وكادت جهودنا تذهب سدى ونحن نحاول العثور على قاعات التعذيب. فحصنا الدير وممراته وأقبيته كلها، فلم نجد شيئاً يدل على وجود ديوان للتفتيش، وقبل خروجنا استوقفني أحد الجنود طالباً فحص أرضية قاعة مكتب رئيس الدير، عند ذلك نظر الرهبان إلينا نظرات قلقة، فأذنت للضابط بالبحث، فأمر الجنود أن يرفعوا السجاجيد الفاخرة عن الأرض، وأن يصبوا الماء بكثرة في أرض كل غرفة على حدة – وكنا نرقب الماء – فإذا بأرض إحدى الغرف قد ابتلعته، فنظرنا فإذا بالباب قد انكشف، كان قطعة من أرض الغرفة، يُفتح بطريقة ماكرة بواسطة حلقة صغيرة وضعت إلى جانب رجل مكتب رئيس الدير.

وهبطتُ درج السلم يتبعني سائر الضباط والجنود، شاهرين سيوفهم، فإذا نحن في غرفة كبيرة مرعبة، وهي عندهم قاعة المحكمة، في وسطها عمود من الرخام، به حلقة حديد ضخمة، وربطت بها سلاسل لأجل تقييد المحكومين بها... وأمام هذا العمود كانت المصطبة التي يجلس عليها رئيس ديوان التفتيش والقضاة لمحاكمة الأبرياء، ثم توجهنا إلى غرف التعذيب وتمزيق الأجسام البشرية التي امتدت على مسافات كبيرة تحت الأرض. رأيت فيها ما يستفز نفسي، ويدعوني إلى القشعريرة والتـقزز طوال حياتي. رأينا غرفاً صغيرةً في حجم جسم الإنسان، بعضها عمودي وبعضها أفقي، فيبقى سجين الغرف العمودية واقفاً على رجليه مدة سجنه حتى يموت، ويبقى سجين الغرف الأفقية ممداً بها حتى الموت، وتبقى الجثث في السجن الضيق حتى تبلى، ويتساقط اللحم عن العظم، وتأكله الديدان، ولتصريف الروائح الكريهة المنبعثة من جثث الموتى فتحوا نافذة صغيرة إلى الفضاء الخارجي... وقد عثرنا في هذه الغرف على هياكل بشرية ما زالت في أغلالها.

ثم انتقلنا إلى غرف أخرى، فرأينا فيها ما تقشعر لهوله الأبدان، آلات رهيبة للتعذيب، من بينها آلات لتكسير العظم، وسحق الجسم البشري. كانوا يبدأون بسحق عظم الأرجل، ثم عظم الصدر والرأس واليدين تدريجاً، حتى يهشم الجسم كله، وتخرج من الجانب الآخر كتلة من العظم المسحوقة، والدماء الممزوجة باللحم المفروم، ثم عثرنا على صندوقٍ في حجم رأس الإنسان تماماً، يوضع فيه رأس الذي يريدون تعذيبه بعد أن يربطوا يديه ورجليه بالسلاسل والأغلال حتى لا يستطيع الحركة، وفي أعلى الصندوق ثقب تتقاطر منه نقط الماء البارد على رأس المسكين بانتظام، في كل دقيقة نقطة، وقد جُنّ كثر من هذا اللون من العذاب، ويبقى المعذب على حاله تلك حتى يموت. كذلك عثرنا على آلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب ثم تشد ليخرج اللسان معها، ليقص قطعة قطعة، وكلاليب تغرس في أثداء النساء وتسحب بعنفٍ حتى تتقطع الأثداء أو تبتر بالسكاكين.

رغم قسوة تلك المشاهد فإنها حقيقة عاناها مئات الآلاف عبر قرون، ورغم انتهاء محاكم التفتيش من عالم اليوم، فإن أفكارها وممارساتها تظل حية وملهمة لعصابات الإجرام والإرهاب في عالمنا المعاصر.