يلازمني الحزن كظلي، يسير معي على الطريق، يتولى قيادة سيارتي، يرتقي درجات السلم أمامي، يشرب فنجان القهوة، يأكل ويتابع الأخبار معي... رحيلك ألبسني الحزن ثوباً دائماً كثياب العزاء السود التي لا يتغير لونها... البارحة، أيقظني هذا المتعب على حروفك الغاضبة وهي تنتفض بقسوة أمامي (بس لازم تفهمي نحنا علاقتنا انتهت) سمعت صوتك صارخاً في وجهي (انتهت علاقتنا انتهت)... وجدت نفسي في السرير أتعرّق وأصم أذني بقوة كي لا أسمعك وأردد بصوت مرتجف (بعرف)... نعم أعلم وأفهم وأتفهم موقفك ولا يمكنني رفضه أو انتقاده... لا حق لي عليك وحياتك ملكك لتقرر من يدخل ومن يخرج منها... هواجسك محقة وأحلامك لا وجود لي فيها فلِمَ الاستمرار إذاً في علاقة لا مستقبل لها... أردد ذلك بيني وبين نفسي ويجيبني الحزن: هذا كلام المنطق الذي تحتاجين إلى تصديقه وكأنك لا تعلمين باعتقاده أن للعلاقات مدة وتنتهي، للأحاسيس فترة تشدد تزول مع الوقت، لربما ملّ وتعب فأراد تبرير انسحابه... فمن يحب يا صديقتي لا يرحل ولا يفارق حبيبه، فالحب لا عقل له ولا منطق يحكمه. وجنون المشاعر وحدها قانونه وعلينا أن نطيعها...هذا هو حالي... حبك أحالني شبحاً، ريشةً في مهب العشق، أمشي حائرة، تائهة، وكأن قدميّ لا تطالان الأرض وأفكّر طوال الوقت: لماذا أعيش؟ لمَ أنا هنا على قيد العذاب؟ وما همني من هذه الحياة كلها إن كان لا شيء قادراً على محو ذكراك من القلب والجسد..لذا دعني اليوم أكتب عنا، دع العالم يقرأ كم تمنيتك، كم أحببتك، كم عشت الغرام بين ذراعيك، كم اشتقت إلى عينيك وكم عذبتني في هواها. دعني أكتب عن ضعفي أمامك، عن الموت الحاكم روحي في غيابك... علني أسلو عنك لأستقبل نسيانك...
أنت... يا أجمل ما صادفني يوماً، يا عشقاً أتاني دون موعد، وافتتاناً أحالني بركاناً متفجراً من المشاعر والإثارة... يا حالي التي عرفتها متأخرة وأحاسيسي التي امتلكتها على يديك... أحقاً أجدني اليوم قادرة على كتابة قصتنا... على البوح بأدق تفاصيلها وأعمق أسرارها وبموضوعية دون تحيز مني لنفسي ودون أن أظلمك... ولم السؤال وأنا العالمة أنك مالك هذا القلب رغم رحيلك وساحر الخيال... ساكن العقل رغم قسوتك على قلبـي وقلبك... ونقطة الضعف التي تلازمني أينما كنت حتى وأنا تحت سقف غيرك...أنت... ويا للجنون الذي مسني لحظة التقيتك... يا هياماً أحببته وعذاباً ارتضيته... يا قلبـي السائر على قدمين أدعو لك اليوم وكل يوم... وأردّد... تمهّلْ... كنْ حذراً... رفقاً بـي.. فأنا لن أحيا من دونك. -1-ودخلت غرفته، عينها على سريره، وسؤال حارق تكاد تنطقه: ترى كم امرأة مرت عليه قبلها؟ أليس هذا ما تمنته وحلمت به... أليست هي من قاومت وحاولت مراراً قتل ما ولد في قلبها... أليست هي من دخلت هذه الغرفة منذ أشهر وخرجت منها مرتجفة خوفاً من شدة الإحساس، من كبر الحب الذي انتابها... وما الذي تغير الآن... ولمَ عادت والحال ما زال على حاله... لا وعود بينها وبينه ولا التزام... عالم من الأسئلة، من التساؤلات، من الحيرة، من القلق، من الخوف... من الغيرة مما حدث داخل هذه المساحة الضيقة المسماة غرفة نومه ولا مكان للنوم فيها، من الحزن مما سيحدث بعد رحيلها وهي تفكر بأنها مجرد لحظات نزوة يمر بها مع امرأة حاصرت عالمه منذ أشهر لتنال حبه، وكلما اقتربت من الهدف أدركت استحالة مطلبها ورفضه التام لأي علاقة معها... مع امرأة منتهية الصلاحية للحياة... للحب كما حاول يوماً ولا يزال أن يفهمها وكيف لا وهي الزوجة رغم وقف التنفيذ المتكرر والأم لثلاثة أولاد والصديقة للمئات من الصديقات وسيدة الأعمال التي تدير بنجاح مع أخيها مشاريعهما الخاصة... سنوات مرت وهي على حالها... ظاهرها يضج بالنشاط والحيوية وداخلها إنسان يحيا على هامش المشاعر، لا حب، لا غيرة، لا كره، لا حقد، لا رغبة، لا إحساس ولِمَ الإحساس؟ ولمن؟ وما المفيد منه؟إلى أن التقت بعقله... كانت بصدد التحضير لمجموعة جديدة، من الصور لآخر مشروع قامت به، بناء على طلب مجلة الديكور التي تعرض لها تصاميمها كل شهر، عندما اخبروها في الشركة عنه وعن مدى حرفية صوره وجمالها... اعترضت لأنها لا تعرفه فدعاها أخوها لدخول صفحة أعماله على أحد مواقع التواصل الاجتماعي قبل اتخاذ قرارها.في البدء رأت صورته؛ شاب حنطي البشرة، في أوائل الثلاثينات من عمره، ذو نظرة حادة عسلية هي أول ما لفتها في وجهه... ثم انتقلت إلى أعماله للتمعّن بها فبهرها ما شاهدته... بعد ذلك قرأت له فانتابها الفضول أكثر تجاهه... هذا الإنسان الغريب عن كل محيطها، الواثق مما يقوله والشجاع في مخالفة السائد من الآراء بدأ يعجبها فقررت متابعته وبات إلقاء النظرة يومياً على ما يطرحه من إشكاليات ويبديه من آراء من واجباتها المحببة التي اختارتها بإرادتها.أحست بمشاعر غريبة تزحف نحوها... شيء ما يتحرك بداخلها... فرح مبهم كلما رأت اسمه أمامها، فأعلنت موافقتها على العمل معه. طلبت الاتصال به وتحديد موعد للقاء الذي تم في مكتبها بوجود معاونها الخاص واقتصر على التعارف الرسمي... سلام بارد باليد، نظرات فضولية من قبلها، خفقات قلب لم تفهم سببها، وجدية ودخول مباشر في صلب الموضوع من قبله... ساعة مضت قبل أن يتم الاتفاق فيما بينهما على التعاون.مر الوقت وهي على حالها... إعجاب متزايد... تعليقات على مواقع التواصل وأحاديث مختصرة... أسباب واهية للسلام عليه بين الحين والآخر... اتصالات متبادلة ورسائل لا أهمية لمضمونها ولكنها كانت تضج بالاهتمام... إلى أن بدأت في إحدى الليالي برواية قصتها له... بسرد كل ما مرّ عليها قبله من دون تفكير إن كان ينبغي البوح بأسرارها لذلك الغريب أم لا... توقفت بعدها بأيام لشعورها بأنها أكثرت من الكلام وهي التي اعتادت التقشف في حديثها مع أي رجل تلقاه، وطرد أي معجب مفترض، ومنع أي شخص من الاقتراب من خفايا حياتها... فكّرت في أنه ربما استغرب كل هذه الثقة التي تمنحها إياه... لربما هي بالنسبة إليه مجرد عميل لا أكثر... ولكن لهفته لأحاديثهما أزالت شكوكها... كان يلتقيها كل ليلة وكأنهما على موعد دائم... موعد وعدتهما الأيام به... حلم يتحقق...أرادت بشدة، خلال تلك الفترة، أن تُعلمه بأنه الإنسان الذي انتظرته طويلاً كطفل حزين في يومه الدراسي الأول، يجلس في زاوية الصف وينتظر قدوم أهله لانتشاله مما هو فيه... تمنت مراراً أن تلقي برأسها على كتفه وتقول له إنها متعبة وإنه راحتها... إنها تحب عقله وضميره والصدق في حديثه حين بدأ بدوره يقص عليها ما مر عليه خلال طفولته، وعن أهله والفتيات اللواتي أحبهن وعن زوجته السابقة وعدم تفهمها له... قال ما لا يعترف به رجل... عرّى روحه أمامها عن طيب خاطر لدرجة أنه راسلها مرة ليعلن بأنه ليس أفضل من زوجها وبأنه قد أخطأ مراراً بحق زوجته وبأنها أيضاً لم تفهمه... أخبرها عن السبب المباشر لانفصاله عنها... وغير المباشر وهو كونه لم يحبها... فالحب سفينة نجاة لحياتنا... الحب هو ما يجعلنا نتحمل الآخر ونبرر له أفعاله ونتغاضى عن كل سيئ فيه، بل على العكس، نحب حتى ما ظنننا أننا نكرهه ونحب كل ما يتعلق به مهما يكن.
توابل - حبر و ورق
زوايا النسيان
18-06-2016