لا أتذكر اسم الصديق الذي رشح لي شراء مجموعة القصص هذه المسماة "البيت الأولاني"، للكاتبة أمل رضوان التي لم أسمع بها من قبل، وحين بدأت بقراءتها وجدت مقدمة صغيرة على غلافها الأخير؛ كتبتها الصديقة الكاتبة المبدعة ميرال الطحاوي، تشيد بالمجموعة وتثني على كاتبتها.

رأي ميرال دفعني للبدء بها فوراً دون غيرها من كتب أحضرتها معي. فتحت جوجل كعادتي؛ عندما لا أعرف الكاتب أبحث عن معلومات تدلني عليه، واكتشفت أنها خبيرة بالتنمية البشرية ولها برنامج في قناة النيل العائلية، ومهنتها هذه تدل على غوصها في خبرة سلوك وعادات وطباع البشر بشكل عميق، وهو ما تدل عليه قصصها في "البيت الأولاني" التي حكت فيها ببساطة متناهية وعفوية وصدق باهر، وقدمت للقارئ صوراً بانورامية عن حياة الناس داخل البيوت المصرية بكل تفاصيلها من أكل وشرب وترتيب البيت وعلاقات بعضهم ببعض، ومع الخدم، وكل الطقوس المصرية، من أيام القرافة وسرادق العزاء وأحواش المدافن وتلاوة المقرئ، والاحتفالات بالأعياد، وشكل الحياة في الحارة، والجد والجدة، والجيران وسكان العمارات، وتفاصيل التفاصيل التي تجعل القارئ يعيش في جلباب الحياة المصرية، يشم رائحة البلاط المغسول بالفنيك ويستعذب رطوبته، ويتشهى رائحة اللب المحمص ومعاشرة ناسها.

Ad

لأول مرة أقرأ قصص البيوت بهذه التفاصيل الحميمية، فقد قرأت روايات وقصصاً قصيرة كثيرة تناولت حكايات عن شكل الحياة في البيوت المصرية، لكنها لم تتخصص فقط بالتلصص ونقل سيرة ما يجري فيها بيتاً بيتاً، بل تناولت حكاية تدور في بيت أو تتجاوزه قليلاً، ولا تتخصص بنقل ما يجري داخل البيوت وحكاياتها. حتى الغلاف حمل المضمون نفسه بصورة فتاة تراصت على فستانها البيوت المتجاورة بألفة متناغمة.

القصص جاءت بلغة سهلة سلسة، ببساطة وانسياب، بلا حذلقة ولا فذلكة ولا حزق ولا تعقيد، وبدون تقنيات ولا تركيبات فنية مصطنعة لا تحتاج إليها النصوص. لغة جاءت لتعكس حال ما تحكي عنه وطبيعته ونكهته ومذاقه.

الحكايات تدور حول العلاقات الإنسانية في البيوت والتي لا تفرق بين مسيحي أو مسلم، بل تدل على هذا التواصل الجميل، حتى وإن اختلفت الأديان، مثلما جاء في قصة "مُربَّى لارنج"، حيث كانت الجدة المسلمة لا تأكل من أكل الجارة المسيحية لأنها تُصلِّب عليه، لكن الأمر كان يختلف حين تأتيها غيبوبة السكر وترسل لها جارتها برطمان المربى، كما كتبته في هذا المشهد: "فتحت نينة (زهرة) عينيها، ونظرت إلى البرطمان، أغمضت واحدة، ونظرت بجانب عينها الأخرى للبرطمان، وقالت بصوت خفيض: سمي بالرحمن واديني ملعقة كبيرة".

قصص المجموعة كلها مبهجة، حقيقية، نابضة بخصوصية الحياة المصرية، خصوصاً الطبقة المتوسطة، وإن كانت الحكايات عجت بمشاهد كثيرة عن التحرش مثل قصة "مسحوق الزهرة الزرقاء لا يمحو كل البقع"، حيث تتعرض الخدامة إلى تحرش رب البيت وتحمل منه، فتقوم زوجته بحبسها بغرفة السطوح حتى تلد، ثم تقوم والدتها بإخفائه عنها. طريقة حكي الراوية من طفلة صاحب البيت تأتي بمنتهى البساطة التي تخترق القلب بوجع إنساني، خاصة في نهايتها، حين تفيق ابنة الخادمة من ألم الولادة، وتسأل أمها بوهن شديد: "فين الواد يامه؟"، فترد عليها أمها: "خرجت بيه للسطوح، خطفته مني الحداية وطارت".

كذلك يتكرر مشهد التحرش في قصة "كبده ومخ"، حيث يقوم العجوز المريض بالكلى من سريره، ليتحرش بالطفلة التي ذهبت أمها لشراء كبده ومخ لوالدها قبل عملية غسيل كليته، وهو ما جاء في هذا المشهد: "نزعت رأسي بصعوبة من فوق جلبابه، وبدأت أضغط على ثديي كي أخفف آلامهما. استجمعت كل قوتي وبصقت في وجهه، رفع يده ومسح بصقتي بظهر كفه. التفت بهدوء ومضى وهو يجر خلفه كيس الدم والبول، وكيس المحلول يتأرجح على العمود الحديدي أمامي كبندول الساعة".

وأيضاً هناك تحرش في قصة "الليلة عيد"، وقصة "لسالوبيت" حتى وإن كان رغبة وتشهياً بالعين، وأصعب حالة تحرش تأتي بقصة "ترتيله الكاف"، حيث يتم اغتصاب الأم المريضة عن طريق العلاج بالزار، وهذا يدل أن واقع التحرش قديم، وإن كان محصورا داخل الجدران ومخفيا عن عيون الشارع، وليس كما يحدث الآن.

جميع قصص هذه المجموعة عميقة، آتية من داخل روح حساسة استطاعت النفاذ والتغلغل داخل جروح وأوجاع النفس البشرية وأسرارها المخفية داخل جدران البيوت.