ما زلت حياً

Ad

حمد في مثواك الأخير، أخاطبك وأنت ترحل عنا، لأنك ما زلت حيا في عقولنا وقلوبنا، وقد ضاقت عيون الجميع بالعبرات، وامتلأت القلوب بالحسرات والنفوس تزفر الزفرات، ونعشك بين اللمس والقبلات، حملته القلوب قبل الأيدي، وفي كل بيت لفراقك محزون أو مفجوع أو جازع أو نادب أو باك أو دائم الحسرات، في مشهد رهيب، رغم غيابك هذه السنين الطويلة التي قاربت ربع قرن عن المشهد العام تتلوى من الألم وتعيش بالأمل مؤمنا بقضاء رب العالمين.

يا آمال أمة

أشعلت في كل بيت فيها شمعة الأمان، وزرعت فيه شجرة الأمن الاجتماعي، التي تظل بظلالها الوافرة كل فرد في المجتمع، بما وفرته للمواطن وأسرته من بعده من حياة كريمة في حالات العجز والمرض والتقاعد والوفاة، في نظام التأمينات الذي اقترن باسمك، فأنت من وضعت أحكامه لتؤمّن الناس من شرور الزمن ونوائب الدهر، فأحسنت وضعه، وطبقته فأحسنت تطبيقه، ولم تتركه إلا وقد سلمته أمانة لكوادر وطنية اخترتها بعناية وشملتها برعاية ولا يزال بعضها يحمل مشاعله، فأصبح هذا النظام هو العمود الفقري للمجتمع الكويتي.

مشوار قصير وإنـجازات عملاقة

ويطول الحديث عن إنجازاتك ونجاحاتك في مشوارك القصير، قبل أن تفقد القدرة على الحركة بالرصاصة الغادرة التي أرادت وطنا فافتديته بصدرك وأخمدت قتنته بصمتك وقبولك بخشوع وكبرياء إرادة المولى عز وجل، وعدت إلى مجلس الأمة بعد عودته، رغم الألم والمعاناة، طاقة متجدده ثائرا لا تلين لك قناة، تعتزم الخطوة الجريئة، وأنت على يقين بأنك تستهدف الأذى من جرائها فتخطوها غير هياب، بل كنت تتبعها بأخرى أشد منها خطورة وجسارة، فربحت معاركك التي خضتها لتظفر فيها بالحق الذي تبتغيه.

ولأن إنجازاتك ونجاحاتك تحتاج إلى مجلد أو سفر، فإن بعض السطور، يتسع لها المقال الصحافي، قد تزيح همّا ثقيلا على قلبي بعد فراقك وخطبا كبيرا ألمّ بي بعد وفاتك.

الألم والأمل

كلمتان لا تختلفان في حروفهما، وإن اختلفتا في ترتيب آخر حرفين، فاختلفتا في المعنى والمضمون، ولكنهما كانتا في حياة الجوعان تمتزجان وتتعانقان، فقد صبر على الألم، لأنه يحيا بالأمل.

وفي بداية صراعه مع الألم روى لي هذه القصة: إن طبيبته في أميركا قالت له، وهم يعالجونه إن أعصابك فقدت الوظيفة الحركية، ولكنها لم تفقد الحياة تماما، فقد بقيت وظيفتها الحسية ولهذا فأنت تتألم، فدعنا نحاول القضاء على هذه الوظيفة التي لا تزال الأعصاب تعيش بها بين ضلوعك، لنريحك من هذا الألم.

ولكنه أبى وظل ربع قرن، يتلوى من الألم، مؤمنا بقضاء ربه، موقنا بأنه على كل شيء قدير، يتعذب في صمت ويعاني في شموخ، زاهدا في الحياة متمسكا بها، لأنها هبة من عند الله عز وجل بحلوها ومرها، ومن يجحد نعمة من نعم الله فهو كافر، وما كان حمد إلا مؤمنا شديد الإيمان.

المبادئ

وكان شديد الإيمان بالمبادئ، لا يفرط فيها، فيما يتغياه من أهداف أو يمارسه من أعمال، لا يفارقها أبدا ولا تفارقه، يعتصم بها ويذود عنها في كل معاركه وفي نصرة الحق الذي يبتغيه، لا يفرط فيها، ولو خسر معركة أو خسر صديقا.

وفي هذا السياق قصص قصيرة، سأروي منها ثلاثاً في مختلف مراحل حياته:

القصة الأولى

عندما كنت في صحبته في الشاليه في الجليعة، في بداية عملي بالكويت، وكنا نصبح ونمسي في حوار طويل حول الأحكام التي يجب أن يتضمنها نظام التأمينات الاجتماعية، وبعد أن انتهينا من مشروع القانون الذي كلف بإعداده من صاحب السمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح، عاد ليفتح باب المناقشة فيه مرة أخرى، فقد نسي حكما مهماً هو تأقيت مدة الوظائف القيادية العليا في المؤسسة، وأمام إصراره على تحديد مدة المدير العام ونوابه بخمس سنوات، عدلنا المادة (7) من مشروع القانون ليصبح قانون التأمينات الاجتماعية أول قانون يحدد مدة للوظائف القيادية.

ولا أخفي بأن الأمر كان مثار دهشتي واستغرابي، فقد كان هو المرشح الأول بل الوحيد لتولي منصب المدير العام للمؤسسة، ولكن المبادئ عنده لا تتغير، وقد سبق عصره بهذا التحديد.

القصة الثانية

ترتبط بالقصة الأولى برباط وثيق عندما قاربت السنوات الخمس لتعيينه مديرا عاما للمؤسسة على الانتهاء، فقد جرت العادة، بل يجري المنطق على أن يتطلع الموظف إلى التمديد أو التجديد له في الوظيفة، ويحاول التقرب من المسؤول وإرضاءه، ولكن المبادئ عنده لا تتغير، فقد كتب إلى وزير المالية السيد عبد اللطيف الحمد وقتئذ رسالة تضمنت كشف حساب عن المسؤوليات التي تولاها خلال السنوات الخمس التي قاربت على الانتهاء، كان أقرب إلى النقد الذاتي لفترة ماضية كان يتحمل أعباءها، كما تضمنت رؤياه للمستقبل الأفضل الذي يتطلع إلى أن يحققه نظام التأمينات خلال السنوات الخمس التالية، نوجزها فيما يلي:

1- تطوير نظام التأمينات ليشمل كل مواطن، وزيادة الحماية التأمينية بإنشاء نظام التأمين التكميلي، والذي صدر بعد ذلك بعشر سنوات في أكتوبر 1992.

2- تطبيق تأمين إصابات العمل، الذي كان يتضمنه قانون التأمينات الاجتماعية، وأرجئ العمل به حتى تستكمل المؤسسة كوادرها، ويتم تهيئة النظام العلاجي بوزارة الصحة للقيام بدوره فيه.

3- تأمين العلاوات العائلية للعاملين بالقطاع الخاص لمواجهة الأعباء الاجتماعية الخاصة بالزوجة والأولاد التي صدر بها القانون رقم 19 لسنة 2000، بعد ما يقرب من عشرين عاما.

4- تحقيق الدور الاجتماعي للمؤسسة في تنمية المجتمع تنمية هدفها الحفاظ على كرامة الفرد ورفاهيته، وأن يشمل هذا الدور تهيئة الظروف المعيشية الملائمة للمتقاعدين وعائلاتهم، بتوفير مختلف الخدمات الصحية لهم ووسائل الترويح والتأهيل للحياة الجديدة بغير تحمل مشاقها وعنائها.

5- الاهتمام بالعائد الاجتماعي في الاستثمارات مع عدم إغفال المعايير الاقتصادية باعتبارها العوامل الحاسمة فيه.

وتحقيق المبدأ الجماعي في الإدارة من خلال لجان المديرين، بحيث يسهل على كل الإدارات بالمؤسسة تتبع كل أوجه نشاط المؤسسة وحوكمة هذا النظام والإلمام بالسياسات المرسومة. وفي الوقت ذاته يطالب الوزير ببذل مزيد من الجهد في دعم المؤسسة لإرساء أسس سليمة من التعاون والتكامل والتنسيق مع الأجهزة الأخرى في الدولة التي ترتبط بتحقيق هذه الأهداف، ليدخل كل ذلك في الملاءمات التي يقدرها الوزير عند التجديد له، أو عند تعيين غيره، ورغم قسوة الرسالة على السيد الوزير فقد انبهر بهذه القيادة التي لم يعهدها من قبل وجدد له لفترة ثانية.

القصة الثالثة

عشتها معه إبان عملي في مجلس الأمة، عندما كان غائبا عن دور الانعقاد الأخير للفصل التشريعي السابع لسفره للعلاج، فقد فوجئ عند عودته بأنه قد تم انتخابه رئيسا للجنة الشؤون التشريعية والقانونية تقديرا لدوره المتميز في الإنجازات التي حققتها اللجنة خلال أدوار الانعقاد الثلاثة السابقة بعد أن رشحه لها النائب الفاضل محمد ضيف الله شرار، فاعتذر عن قبول العضوية في اللجنة، شاكراً النائب شرار على هذا التقدير، لأن الجوعان كان يرسخ لمبادئ وسوابق برلمانية، لا يريد أن يتخطاها، ولو خسر عضويته في هذا اللجنة ورئاسته لها.

خير معلم وخير صديق

في رحاب الله، ياخير معلم، وخير صديق، وخير صاحب، وخير من اختاره الله في رحابه، بعد الأنبياء والقديسين شهيداً، وليس بين من سبقك من الشهداء من خاض كل هذه المعارك وعانى كل هذا الألم، لقد فاق صبرك صبر أيوب، وكفاك كل ذلك زادا وزينة وأنت تسير إلى يوم الحساب.

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.