حتى لو عبّر التلميذ عن المحنة التي يمر بها عبر أعراض جسدية (أرق، اضطرابات غذائية، اكتئاب...)، يتابع هذا الفرد الذي لا يشبه غيره الدرس ويحصد علامات عالية، فيطمئنّ بذلك والداه إلى سلامة وضعه، وكأن دفتر العلامات المؤشر المهم الوحيد. قد يسرّ الأهل إذا كان ابنهما يفضل ترك النشاطات الترفيهية كي يتابع الدرس، لكنه وضع شائب.
مؤشرات تحذيريةتبرز المشكلة عند رصد مبالغة في السلوك. يُعتبر الاجتهاد المفرط في المدرسة مؤشراً مهماً بالنسبة إلى الأهالي، لا سيما إذا بدأ التلميذ يعزل نفسه عن محيطه. ينغلق بعض الأطفال الأصغر سناً على نفسهم بينما يتبنى البعض الآخر سلوكيات شائبة كي يلفتوا نظر المقربين منهم. في معظم الحالات، لا يلاحظ الأهل أن التلميذ يصبح {كثير الحركة} كي يجذب انتباههم إلى مشكلته.بالنسبة إلى الأولاد الأكبر سناً، يكون الميل إلى جمع الشهادات استراتيجية حتمية ووسيلة لتأكيد مستوى النضج. قد يشجع الأهل أحياناً على هذا السلوك من دون قصد، فيحافظون بذلك على الشرخ القائم بين الحياة المدرسية والحياة العائلية. ألا يخشون في سرّهم أن يأخذ الأبناء مكانهم؟رغبات متناقضةيعني نمو الطفل احتمال التعرض لتجارب فاشلة فضلاً عن التنافس مع الأهل. كي لا يؤذي الطفل والده مثلاً، قد يبقى تلميذاً أبدياً ويمر بتجارب مؤلمة تشوبها رغبات متناقضة. بعد عمر العشرين، يتابع البعض أحياناً العمل بكل اجتهاد لمجرد إرضاء أهاليهم ولا يجيدون الخروج من هذه الدوامة.إذا كان الفرد يفتقر إلى النضج، سيحاول كسب حبّ الناس عبر حصد نتائج متفوقة. لكن يجب أن يقع أحياناً حدث خطير لرصد المعاناة الكامنة وراء هذا الأداء المتميز ظاهرياً.4 دوافعإرضاء الأهل: يحاول الطفل إرضاء والده ثم والدته بشتى الطرق.البقاء في مرحلة الطفولة: تدوم الدراسة لفترة طويلة لتجنب التعرض للفشل عند الانتقال إلى سن الرشد.حماية الإرث العائلي: يسمع التلميذ في الحالات التقليدية كلام والديه اللذين ينتظران منه أن يتابع مسيرتهما المهنية.تسلق السلم الاجتماعي: يشعر الأهالي بأنهم فاشلون اجتماعياً ويشجعون أولادهم على الانتقام لهم.التنبه من الضغوطينصدم الأهل في بعض الحالات من حدث مفاجئ مثل انهيار الابنة واكتشاف إصابتها بفقدان الشهية، فيضطرب عالمهم من دون أن يلاحظوا أي مؤشرات مسبقة على المشكلة مع أن الابنة تكون قد اشتكت من التعب أو تكرر أنها نكرة ولن تحقق أهدافها مطلقاً.بالنسبة إلى بعض الأولاد أو المراهقين الضعفاء، قد تؤدي الضغوط المفرطة أحياناً إلى اضطرابات حادة تتراوح بين التسمم ومحاولة الانتحار مروراً بالتوقف المفاجئ عن الدراسة. لذا من الضروري أن يتنبه الراشدون منذ مرحلة مبكرة إلى سلوكيات أبنائهم وأن يرصدوا أي مؤشرات محتملة على وجود مشاكل، لكن يقلّ عدد الراشدين المستعدين لسماع أولادهم حين يتذمرون ويعبّرون عن نفسهم، فيكتفون بطمأنتهم ويخبرونهم بأنهم يتمتعون بما يلزم كي ينجحوا.حين يصبح الفشل غير مقبوليكون بعض أسباب المشكلة واضحاً:أولاً، اجتاحت عدوى النجاح الفردي جميع قطاعات المجتمع، حتى المدارس.ثانياً، تثقل الشكوك المرتبطة بالمستقبل الضغوط التي يضطر الأهالي إلى التعامل معها. لكن ثمة عوامل مؤثرة لاواعية أيضاً: قد يصبح نجاح الابن معياراً اجتماعياً أو فرصة للانتقام أحياناً. يتوقع بعض الأهالي من أولادهم أن يتسلقوا السلم الاجتماعي ويقدّروا قيمة عائلتهم الأصلية.يتعرض عدد كبير من التلامذة الموهوبين لظواهر تغيّر أحوالهم. يريد الأهالي أن ينجح أولادهم حيثما فشلوا لكن يصعب أن يتحمل الأبناء هذا العبء الثقيل لأنهم يظنون أن الفشل سيعني فقدان حب المقربين منهم. وحين يكون رد فعل الأهل عنيفاً أو عدائياً أمام تجارب الفشل المتلاحقة، قد يتخذ الأبناء قرارات جذرية تصبّ في مصلحتهم وتسمح لهم بالانطلاق في الحياة وحدهم.يؤثر الخوف من الفشل على الأبناء الذين يضطرون إلى تقليد آبائهم أو {أرباب الأسرة} ويشعرون بأنهم مجبرون على استكمال خط مهني محدد مثل الطب أو المحاماة مع أنهم يحلمون بمشاريع مختلفة بالكامل. قد يؤدي هذا الشرخ بين الاختيارات المفروضة عليهم ورغباتهم الحقيقية إلى ترسّخ الاكتئاب.وقف التشجيع على التعلمحين تتوسع الفجوة بين أعمق طموحات الأولاد أو المراهقين ورغبات أهاليهم، قد تتفجر الأزمة في أي لحظة. قد لا يدرك التلامذة المتفوقون حقيقة ما يحصل، لكنهم يميلون إلى القيام بكل ما يتجاوز قدراتهم. في هذه الحالة، من الأفضل وقف التشجيع على التعلم وطمأنة الابن وليس التلميذ. يتساءل الطفل الصغير وسط الشكوك التي تراوده: {هل أستطيع أن أكسب حب الآخرين وأن أكون أكثر من مجرد تلميذ مجتهد؟}. يجب أن يجد الإجابة عن هذا السؤال في أسرع وقت ممكن.نصائح للتحركيجب ألا يخلط الأهالي بين الأبناء والتلامذة: يوم يفشل التلميذ، قد يخشى الابن أن يخسر حب والديه. إذا اشتكى من التعب أو القلق، يجب تصديقه ومساعدته على استرجاع الراحة وإلهاء نفسه بنشاط ثقافي أو رياضي مثلاً. إذا تكررت المشكلة وبالغ في الدراسة أو رفض الذهاب إلى المدرسة، من الأفضل استشارة رأي الاختصاصيين في أقرب فرصة. يمكن التعامل مع بعض المواقف النموذجية بطرق فاعلة:يضع الفرد نفسه دوماً في موقف الفشل: ربما لا يرغب في إحراز أي تقدم في المجال الذي اختاروه له. يمكن أن يساعده مدرّب على تحديد المشروع المهني الذي يرضي أحلامه ويتماشى مع قدراته وينفصل عن رغبات الآخرين.يجتهد الفرد لكنه يشعر بأنه نكرة ويكون مقتنعاً بفشله: ضمن جماعات إثبات الذات التي يوجّهها المعالج النفسي، يسمح لعب الأدوار بتهدئة المخاوف ومصادر القلق التي تؤثر على الأداء.لديه مخاوف واضطرابات جسدية ويجد صعوبة في التعبير عن انزعاجه: بفضل العلاج التحليلي أو العلاج النفسي الفردي، يمكن أن يدرك معنى الألم في التجارب الناجحة أو الفاشلة ويسترجع السيطرة على حياته وخياراته الشخصية.
توابل
للتلميذ المجتهد مخاوفه
23-01-2016
يشعر الأهالي طبعاً بالفخر بأولادهم المتفوقين في المدرسة. لكن قد تتراكم في بعض الحالات عوامل ترسخ معاناة التلميذ رغم العلامات العالية التي يحصدها. فقد يمر التلميذ الأول في صفه بمرحلة الدراسة وسط جو من الهدوء والانفتاح والراحة، لكنه قد ينهار في حالات أخرى لأن التلميذ اللامع في المرحلة الابتدائية والثانوية وفي الجامعة قد يواجه مصاعب كامنة.