تطرقنا في مقالات عديدة سابقة إلى طبيعة السياسات الاقتصادية النيوليبرالية المنحازة اجتماعياً ضد الفئات الوسطى والطبقة الفقيرة ولمصلحة كبار الأثرياء، فهي تستند إلى منظومة نظرية وفكرية معادية في جوهرها للعدالة الاجتماعية. والمشكلة التي نواجهها ليست مجرد قرار هنا وآخر هناك، بل هي حزمة سياسات اقتصادية نيوليبرالية تمثل توجها عاما للحكومة أعلنته في «الخطط التنموية»، ثم أعادت تأكيده في «الوثيقة الاقتصادية» التي أفصحت عنها مؤخراً على الرغم من وجود بدائل اقتصادية أكثر عدالة ومساواة، وتناسب مرحلة تطورنا الاجتماعي-الاقتصادي، وعلى الرغم أيضاً من سوء نتائج السياسات الاقتصادية النيوليبرالية وآثارها على المستويات كافة.

Ad

 انحياز السياسات الاقتصادية الحكومية الجديدة اتضح عندما بدأت الحكومة بخصخصة الجمعيات التعاونية، وأعلنت نيتها خصخصة النفط والتعليم والصحة والشركات العامة الرابحة وغيرها من مرافق الدولة، ثم بدأت بعد ذلك بتطبيق ما تطلق عليه «الترشيد»، فاتجهت بوصلتها أول ما اتجهت إلى التفتيش في جيوب العمال والفئات الوسطى والطبقة الفقيرة في حين لم تُمس الدخول المرتفعة وأرباح كبار الأثرياء، وهو الأمر الذي أثار استياء عامة الناس فتشكلت بناء على ذلك اصطفافات اجتماعية-سياسية جديدة تجاه «وثيقة الإصلاح الاقتصادي» تم التعبير عنها في وسائل التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام المختلفة، وبالذات الصحف اليومية التي اصطفت بشكل أوضح من ذي قبل سواء بالنسبة إلى السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي جاءت في «الوثيقة» أو بالنسبة إلى إضراب عمال النفط ومطالب العدالة الاجتماعية بشكل عام.

من هذا المنطلق يمكن فهم الأسباب الاجتماعية-الاقتصادية التي تقف وراء إضراب عمال النفط الذي نُفّذ بعد فشل مفاوضاتهم الصعبة والطويلة مع الإدارة، فالعمال في موقفهم الحالي، على الرغم من حساسيته لأنه يتعلق بالقطاع الأهم في اقتصادنا الوطني في ظل ظروف صعبة، لا يدافعون عن حقوقهم المكتسبة ومراكزهم القانونية المستقرة ولا عن مصالحهم الخاصة فحسب، بل يدافعون عن مصالح الطبقة التي ينتمون إليها ومصالح الفئات الوسطى أيضاً، وذلك من خلال رفضهم للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية المتوحشة التي لن تتوقف عند عمال النفط أو خصخصة الصناعات النفطية، بل ستشمل فئات اجتماعية واسعة وخصخصة قطاعات أخرى أيضاً، وهو ما أكدته بشكل واضح المطالب التي سبق أن أعلنوها في جمعيتهم العمومية بتاريخ (22 مارس 2016) وهي (لا للبديل الاستراتيجي للرواتب، لا لانتقاص الحقوق القانونية المكتسبة، لا للخصخصة) وجميعها، مثلما نرى، قضايا عامة مترابطة تهم قطاعا واسعا من المجتمع، وهو الأمر الذي عكسته حملة التضامن الشعبي والنقابي مع إضراب عمال النفط الذي من المرجح تكرار حدوثه، وإن بطرق وأساليب مختلفة سواء على شكل إضرابات أو اعتصامات أو احتجاجات في حال استمرار السياسات الاقتصادية النيوليبرالية ذاتها.

والآن هناك أمران في منتهى الأهمية، الأمر الأول يتعلق بالطريقة المناسبة لإنهاء إضراب عمال البترول قبل أن يمتد إلى قطاعات أخرى أيضاً، خصوصاً بعدما أعلن اتحاد عمال الكويت واتحاد نقابات القطاع الحكومي، فضلا عن اتحادات وجمعيات مهنية تضامنهم مع عمال النفط، وهي التفاوض مع ممثل العمال «اتحاد نقابات عمال البترول وصناعة البتروكيماويات» من أجل الوصول إلى توافق يحفظ حقوق العمال من جهة، ويقلل الخسائر المادية المترتبة على الإضراب من جهة أخرى، مع الأخذ في عين الاعتبار أن المراهنة على عملية الوقت أو الأساليب الأخرى بصرف النظر عن تفاصيلها مصيرها الفشل وإطالة أمد الإضراب، وبالتالي، زيادة تعقيد المشكلة وما يترتب عليها من تداعيات اجتماعية واقتصادية وسياسية نحن في غنى عنها. أما الأمر الثاني فهو إعادة التذكير بأن هناك بدائل وسياسات اقتصادية أخرى أكثر عدالة اجتماعية ومساواة من السياسات الاقتصادية الرأسمالية «النيوليبرالية» المتوحشة.