حين تقرأ لسليمان الشطي منذ "الصوت الخافت" حتى "الورد لك... الشوك لي"، وعبر مسيرته الإبداعية، فأنت إزاء كاتب عابر للزمن وموجود في اللحظة دائماً. فأنت تراه حداثياً بامتياز حتى وأنت تقرأ في قصصه التي كتبها منذ ما ينوف على أربعة عقود، وتراه متجدداً حتى وأنت تخوضُ معه في هموم مجتمع الماضي وحكاياته الآسرة المغزولة بالغموض. ذلك أنه يأخذك إلى مستوى آخر من الحكاية وإلى منظور آخر في المعالجة والرؤية، وإلى لعبة لغوية مغوية، فتبدو لك الأشياء وكأنك تراها للوهلة الأولى يانعة ومشاكسة ومحمّلة بالمعنى. ذلك أن للشطى سمةَ المتطلّع لما هو مغايرٌ للمألوف من الأساليب والمقاربات منذ بداياته، بل لعلها موهبة فيه واستعداد، فجاءت مقارباتُه وأسلوبُه ولغتُه لتعكسَ تفرده واختلافَه.

Ad

وتزداد حيرتُك إزاء هذا النموذج من الكتابة الناضجة منذ شواهدها الأولى، فتتساءل كيف يمكن أن يولدَ كاتبٌ وينمو ويكبر دون أن يكبو بشراك الركاكة أو سقطات التجارب الفجة التي تواكبُ الإنسان وهو يعبرُ مراحل التكوين تباعاً! وعلى غير عادة مجايليه في المشهد السردي العام، لم يكن رومانسياً بالمعنى الحرفي للرومانسية ولا واقعياً بالمعنى النقدي للواقعية، ولم تأخذه نوستالجيا التذكر فيغرقُ في حكاياتها، بل كان يطفو فوق ذلك كله، صانعاً لنفسه سماء أخرى ترصدُ ما تحتها بذكاء العارف وحكمة المتطلّع. وكان بتؤدة ودأب يبني عالمَه السردي على طراز عالم يتجدد وأدوات فنية لا تبلى، ورؤية تظل شاخصة عبر نهر الزمن. ذلك هو سر سليمان الشطي الذي يجعله حداثياً في كل آن كما أشرت آنفاً.

قد يحتار الدارسُ وهو في مقام الانتقاء بين شخصيات سليمان الشطي القصصية، باحثاً بينها عما يمثل فرادته في التصور والتخيل والبناء الفني للشخصيات، ثم في اتخاذها نموذجاً لما يشغلُ صانعها من قضايا وهموم إنسانية. ولعلنا لا ننكر في هذا المقام جاذبية الشخصيات القصصية والروائية في عموم المنتج السردي، بل إن تلك الشخصيات قد تتفوق على صانعها ومنشئها في الشهرة، ونيل حظوة التألق وجبروت البقاء رغم كونها كائنات من خيال محض. من يستطيع منا أن ينسى- على سبيل المثال- أحمد عبدالجواد، أو زوربا، أو أنّا كارنينا، أو مفيد الوحش، أو دكتور زيفاجو، أو دراكيولا، أو حتى هاري بوتر؟ هكذا تصنع الشخصية القصصية مجدَها بمعزل عن مبدعها، ويصبح لها كيانٌ اعتباري لا يبلى!

 في مقام الحديث عن شخصيات سليمان الشطي القصصية ربما تلفتنا شخصية (عبدالله الداير) من مجموعة (رجال من الرفّ العالي) الصادرة في طبعتها الأولى عام 1982م، ذلك أنها تمثل في نظري نوعا من الاشتغال على جملة من التناقضات الإنسانية، ولوناً من المقاربة للأحلام المجنونة ولذة التجريب، والجنوح الظريف، والجسارة حين الاصطراع مع القارّ والثابت في المجتمع. هذا اللون من الشخصيات ربما يغذي في القارئ شوقَه إلى الخروج من الشرنقة، والنظر عبر نافذة القص إلى الوجه الآخر للوجود الإنساني المأزوم بالعقل الواعي والقوالب المرسومة. وهكذا يدهشنا الكاتب حين يرسمُ هذا اللون من الشخصيات، ربما بدافع المشاكسة وإلقاء حجر صغير في بحيرة ساكنة.

تتجدد خيبات "الداير"، بعد فشله في الانتخابات، فيتجهُ إلى صاحبه الفضولي الذي كان يسأله عن ماضيه وفضائحه قائلاً: "أتسألُ عن فضيحة قديمة؟ تريدُ أن تشبعَ فضولك من خلال التاريخ، لماذا لا تنظرُ إلى فضائح كلِّ يوم، وهذه الليلة أيضاً؟". ويعني بها ليلة فرز الأصوات الانتخابية التي أفشلت مساعيه وأحلامَه. وهكذا ظل رأيُ "الداير" بمجتمع الناس كرأيه فيهم في الماضي، والناسُ في نظره هم الناس تشغلُهم السفاسف من الأمور، فينكفئون على الغايات الرخيصة والأهداف الدانية.

 وفي النهاية يجعل الكاتب شخصية "عبدالله الداير" أشبه بظاهرة تملك قوة الاستمرار والبقاء، فانحدار نجمه بعد الانتخابات قد لا يعني الغيبة الدائمة... من يدري؟ ربما يعود للظهور ذات يوم. إن الكاتب يترك هذا التساؤل في نهاية القصة: "هل مات شيء حقيقي هذه المرة، أم...؟"، وما بعد "أم" من فراغ يوحي بتلك الإمكانية الآملة بعودة "داير"، جديد وروح جديدة تعشق الاختلاف والتحدي.

بقي أن نؤكد أن شخصيات سليمان الشطي القصصية – في عموم سردياته- وطريقة انتقائها وأسلوب عرضها والتوغل في تفاصيلها النفسية، تعكس بلا شك فهمه الدقيق لسمات الشخصية المحلية على وجه الخصوص. فهو في المقام الأول ابن البيئة التي ترفدُه بذلك الخيال الممزوج بخلفية واقعية صلبة، أحد أعمدتها الأساسية الإنسان بملامحه المحلية الصرفة التي أجاد القاص الاقتراب منها والتعامل معها بالكثير من الرهافة والفهم، سواء ما تعلّق بشخصيات الماضي أو الزمن الحاضر. وعليه يمكن اعتبار أعمال سليمان الشطي جزءاً من التاريخ المحلي المحكي، وإن غُلّف بسمات الفن وأدواته التي ستكفلُ له البقاء والتداول.