لا يفصلنا سِوى أيام معدودة عن اليوم العالمي للعمال الذي يصادف الأول من مايو من كل عام إحياء لذكرى الأول من مايو (1886) وهو اليوم الذي أضرب فيه عمال مدينة "شيكاغو" الأميركية مطالبين بتحديد ساعات العمل كي تصبح ثماني ساعات فقط، وما ترتب على ذلك من أحداث مأساوية باتت معروفة.

Ad

كان هذا في أواخر القرن التاسع عشر، أما الآن فقد أصبح الإضراب عن العمل حقاً أصيلاً من حقوق العمال تعترف به وتضمنه الدساتير ومواثيق حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية التي تصبح مُلزمة التطبيق بعد التوقيع عليها (مادة 177 من الدستور). وبالطبع فإن الإضراب عن العمل له أشكال وطرق تحددها النقابات العمالية، كما أن له شروطاً وضوابط تنظمها (مجرد تنظيم لا حظر) القوانين واللوائح الداخلية.

والإضراب عن العمل ليس ترفاً أو قراراً سهلاً كما قد يتصور البعض، ولا هو خيار مفضل لدى العمال ونقاباتهم كما قد يتبادر لأذهان البعض، فالعمال لا يفرحون بقرار الإضراب لأنهم يعرفون، قبل غيرهم، حجم الضغوط النفسية الهائلة التي سيتعرضون لها وقت الإعلان عن الإضراب وأثناءه، ومحاولات التضييق عليهم التي قد تصل إلى تهديدهم في أرزاقهم وحياتهم، ناهيك عن الخسائر المادية المترتبة على توقفهم عن العمل، خصوصاً إذا كانت مخصومة من الميزانية العامة للدولة، ولكنهم يضطرون إلى اللجوء للإضراب باعتباره الخيار الأخير والصعب الذي لا مفرّ منه، من أجل المطالبة بتحسين شروط العمل، أو عندما تتعدى الإدارة على حقوقهم ومكتسباتهم، ثم تتعسف وتغلق في وجوههم باقي الخيارات التي يفترض ألا تَمسّ، بأي حال من الأحوال، مراكزهم القانونية المستقرة.

وعلى المستوى المحلي، فقد نصت المادة (43) من الدستور على "حرية تكوين الجمعيات والنقابات على أسس وطنية وبوسائل سلمية مكفولة...". أما الإضراب عن العمل فغير مُجرّم محلياً وهو الأمر الذي أكدته تقارير تنفيذ اتفاقية "العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية" التي يتولى متابعة تنفيذها "المجلس الاقتصادي والاجتماعي" التابع لمنظمة الأمم المتحدة، حيث ذكر تقرير الكويت بتاريخ (31 مارس 2010) في البند (116) ما يلي: "وفيما يتعلق بحق العمال في الإضراب، فليس هناك أي قيود تشريعية على الممارسة الحرة لحق العمال في الإضراب لفرض مطالب عمالية، ولم تجرم القوانين إلا ما يضر بالأمن العام كأعمال الشغب والتخريب، والكويت شأنها في ذلك شأن أي دولة أخرى، تسعى إلى سن تشريعات تكفل الأمن العام والسلامة دون تجريم الإضراب في ذاته".

ويمضي التقرير ليؤكد بصراحة ووضوح تام في البند (118) أن "... عملية الإضراب غير مجرمة قانونياً، وإضافة إلى ذلك تود دولة الكويت أن تشير إلى حدوث بعض حالات الإضراب دون تدخل السلطات لمنعه أو قمعه، ولم تكن هذه الممارسات مشوبة بأي عمل من أعمال العنف وهي على سبيل المثال: إضراب العاملين في المصارف للحصول على راتب أفضل سنة 1975، وإضراب العاملين بقطاع الإنتاج ورجال الإطفاء بشركة نفط الكويت 1980-1981، وإضراب عمال شركة نفط الكويت أيضاً عام 1984 بسبب الجمود الوظيفي، وإضراب عمال شركة البترول الوطنية عام 1997". انتهى الاقتباس.

ونضيف لما سبق الإضرابات العمالية التي حصلت في السنوات الأخيرة مثل إضراب العاملين في الإدارة العامة للجمارك عام 2012، وأيضا إضراب العاملين في مؤسسة التأمينات الاجتماعية عام 2014.

 على هذا الأساس فإن دعوة الإضراب التي أعلنها اتحاد البترول والصناعات البتروكيمياوية قبل أيام، والذي نفذ أمس الأحد 17، ليست بدعة ولا دعوة مُجرّمة قانوناً، مع التأكيد على أن لجوء العمال للإضراب ليس ترفاً، فهو قرار صعب للغاية باعتباره الخيار الأخير الذي يضطرون إلى اللجوء إليه عندما تصل المفاوضات مع الإدارة إلى طريق مسدود.