شخصيات أميركية عديدة برعت في مجال الجاسوسية وأجهزة المخابرات، غير أن روبرت أيمز يتفرد بصفات قلما تحلى بها جاسوس غيره، هذا الشاب المولود عام 1934 في فيلادليفا لأبوين فقيرين، إضافة إلى شقيقتين.

كان مولعاً بالقراءة منذ صغره «يلتهم الكتب التهاماً»، فعندما كان في العاشرة، قرأ موسوعة «الإنسكلوبيديا البريطانية»، وكان شديد التدقيق في التفاصيل، ثم تخصص في «الاجتماع وعلم النفس»، إلى جانب موهبته المميزة في تعلم اللغات، التي مكنته من إتقان الإسبانية والفرنسية.

Ad

 كان يطمح إلى الالتحاق بمكتب التحقيقات الفدرالي، وعندما دُعي إلى الخدمة العسكرية عام 1956، وضع في شعبة الاتصالات العسكرية في الشرق الأوسط، فأرسل إلى «أسمرة» بأريتريا في مركز للتنصت، وهو ما فتح عينيه على عالم المخابرات، ليقوده هذا العالم إلى تعلم العربية قبل انتهاء خدمته.

في أواخر الستينيات عرضت عليه وكالة المخابرات المركزية عملاً براتب 5000 دولار سنوياً، فالتحق ببرنامج تدريبي وعُين في قسم الشرق الأدنى بـ«جناح النخبة»، وأرسل إلى القنصلية الأميركية بالظهران في السعودية، ليلتقي بشخصيات ورجال أعمال وسياسيين على أرفع المستويات في كل من السعودية وعُمان ولبنان والعراق وإيران، فضلاً عن قادة من جبهة التحرير الفلسطينية، استفاد منهم في مهامه المخابراتية. رقي إلى مناصب عدة في الوكالة، أهمها رئيس قسم عمليات الشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربية عام 1975، ولا يمكن لأحد أن ينكر أن أيمز، الذي خطفه الموت في تفجير ببيروت، هو مهندس اتفاق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما أن معظم التقارير التي كان يرفعها إلى الوكالة ما زالت سرية حتى اليوم، ولعل الأيام المقبلة قد تظهر تفاصيل أدق عن مغامرات هذا الجاسوس النبيل.

«الجريدة» تنشر على حلقات كتاب «الجاسوس النبيل» من تأليف كاي بيرد، وترجمة د. محمد جياد الأزرقي:

     

عرضت وكالة المخابرات المركزية في أواخر الستينيات على روبرت أيمز عملاً فقبله، وعُين براتب سنوي مقداره 5 آلاف دولار، كان ذلك المبلغ كبيراً بالنسبة إلى شاب من حارة "روكسبورو" في فيلادلفيا، انتقل بوب وزوجته إيفون إلى العاصمة واشنطن بعد عطلة رأس السنة مباشرة، بعد أن استأجرا شقة صغيرة مقابل 150 دولاراً شهرياً، وصلا إلى هناك بسيارة "فيات" إيطالية حمراء اللون، كانا أطلقا عليها اسم "علبة الطماطم".

كانت التعليمات ألا يخبر أحداً عن عمله بمن فيهم زوجته، ولكن الحقيقة هي أن أغلب مستخدمي الوكالة يخبرون زوجاتهم، وكانت إيفون على علم بحقيقة الأمر، إلا أن الأقرباء الآخرين كانت لديهم فكرة غير واضحة عن سبب انتقالهما إلى واشنطن، ربما أخبر بوب والديه عن طبيعة عمله بعد أن زارهما ضباط الوكالة ليحققوا معهما ومع بعض الجيران الآخرين، في خلفيته وماضيه.

فأخبرت أمه وأباه أختيه أنه التحق بالوكالة، تقول شقيقته نانسي: "مبدئيا لم أكن أتصوره يعمل لمصلحة الوكالة، فذلك ليس بالأخ الذي أعرفه، لم يبد لي أن (بوب) هو الشخص الذي يحب أن يعرض نفسه للخطر، ولكن فيما بعد قلنا جميعا لأنفسنا إن ذلك هو العمل المثالي له، فهو شخص انعزالي يحتفظ لنفسه بالأسرار".

حقق أيمز نجاحا كبيرا في برنامج التدريب، الذي خضع له في الوكالة وحصل على المرتبة الأولى بين 46 متدربا كانوا مسجلين في مساق العمليات رقم JOTS11، ونال سمعة طيبة لهدوئه ورباطة جأشه وقدرته الحسية على حل المشكلات.

كان رجال الوكالة في الشرق الأوسط شخصيات كبيرة ومتميزة، ومع أنه كان مفروضا بهم أن يكونوا ضباطا سريين فإن العديد منهم خلق لنفسه شخصية تشبه الشخصيات المسرحية، فمثلا آرجي روزفلت، وابن عمه كرمِت روزفلت (الذي خطط للانقلاب على الدكتور مصدق وعودة شاه إيران إلى الحكم)، وميالز كوبلاند، ولبور غرين إيفلاند، وجيمس رسل باراك، قد أمضوا سنوات عدة يجوبون الأزقة الخلفية لبيروت، ودمشق، وبغداد، والقاهرة، وطهران، وكانوا معروفين من العاملين في الميدان الصحافي.

والحق يقال إن أولئك الضباط السريين الذين كانوا يظهرون وكأنهم يلعبون بشكل افتراضي لعبة المغامرة كانوا على قدر عال من الكفاءة في أعمالهم.

لم يمتلك أي من هؤلاء معرفة عميقة بتاريخ العالم العربي وثقافته، وأمضوا حياتهم المهنية يمدون أيادي العون للملوك والعسكريين المحافظين لإبقاء الوضع على حاله، وأكثر من ذلك فإن هؤلاء المتخصصين بالشرق الأوسط لم يكلفوا أنفسهم عناء تعلم اللغة العربية، وأن قليلا من الذين ادعوا ذلك، مثل ري كلوز، وأخيه آرثر كلوز، ووليم أدي، عمل آباؤهم في البعثات التبشيرية الأميركية، وتعلموا العربية عندما كانوا أطفالا، واقتصر تعلمهم على فترة قصيرة.

في الوقت الذي التحق فيه أيمز بقسم الشرق الأدنى عام 1961، كان يعتقد أن القسم المذكور هو "جناح النخبة" في الوكالة، السبب في ذلك أن تعلم العربية ليس سهلا، وأن القليل من الضباط الذين يستمرون في تعلمها هم من النوع الذي يكرس حياته لمهنته.

يذكر بيتر آرنست وهو أحد الضباط المتمرسين في خدمة الوكالة في أوروبا والشرق الأوسط لمدة 25 عاما "أن الأفراد يذهبون إلى هناك ويبقون في أماكنهم".

في نهاية عام 1961 علم أيمز أنه سيُعين في الخارج، فانكب يدرس العربية لمدة ستة أشهر، وفي مطلع صيف عام 1962 تم تعيينه في الظهران، يمكن القول إنه موقع صعب لكن أيمز الذي كان عمره وقتئذ 28 عاما شعر بالسعادة.

العمل في قاعدة الظهران

عين أيمز بوظيفة ضابط مخابرات للوكالة في عام 1962 في قاعدة الظهران في السعودية، حصل في ذلك الوقت تغير في "اتجاه" الوكالة للتأكيد على تعيين ضباط يهتمون بتطوير المصادر البشرية، وهو اتجاه يؤكد الكتمان والتحفظ والسرية، يجب أن يتمتع الضابط بالصبر والكياسة والسيطرة على النفس وعدم التسرع في عملية تجنيد المخبرين، كما يجب عليه أن يسير وفق منهج يسجل كل التفصيلات عن كل محادثة تدور خلال اللقاءات، التي تجري مع المخبرين المرتقبين، بالإضافة إلى أن الضابط يجب أن يتسم بقدرة على ملاحظة الأشياء من حوله ومراقبتها، وهذه الصفات متوافرة في أيمز كلها.

يقول ديفيد لونغ وهو محلل استخبارات في وزارة الخارجية، الذي قابل أيمز في الستينيات في مدينة جدة: "إن بوب شخص راق جدا غير أناني ولا يخاف التعبير عن رأيه، مثالي مع شيء من السخرية، هو شاب من الطراز القديم، ذكي ذو خلق عال وقدرة على حل المشاكل"، ويقول هاري سميسن الضابط برتبة عالية في الوكالة عن أيمز: إنه "أفضل ضابط مخابرات قابلته في حياتي، أعتقد أنه يمتلك شخصية جذابة"، ثم أضاف: "كان قادرا أن يظهر تعاطفه مع أي شخص إذا وجد في ذلك مصلحة تتعلق بعمله، كان شخصا ذا حضور يفرض نفسه يفعل طول قامته وبنيته العضلية".

طار بوب وزوجته إيفون وطفلتهما كاثرن إلى الظهران في مطلع صيف عام 1962، وعندما غادروا الطائرة أحسوا جميعا بالحرارة والرياح الرطبة تلفح وجوههم، تبلغ درجة الحرارة في الصيف 120 درجة فهرنهايت، فالظهران "فرن عربي" وقت الصيف، حملتهم سيارة إلى مجمع القنصلية الذي يقع على بعد 4 أميال عن المطار.

كان بوب أحد ضابطين للوكالة برفقة رئيسه روبرت كالسن، الذي خدم سابقا في دمشق وبيروت، لم تكن الظهران ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى الوكالة، ولذلك سميت قاعدة لا محطة، كان لقب كالسن مدير القاعدة COB.

وكان للوكالة آنئذ محطة في جدة لأن السعوديين رفضوا بناء أي سفارة في العاصمة الرياض، فالمدينة تقع في قلب نجد، التي تعتبر موطن العائلة السعودية المالكة، ولم يسمح السعوديون للأجانب بالسكن هناك حتى فترة السبعينيات.

ملحق تجاري

سجل اسم أيمز في دليل هاتف القنصلية باعتباره ملحقاً تجارياً، كما سجل كالسن كمستشار سياسي للقنصل، وبعد مرور عام أو بعض عام نقل الأخير، وحل محله هارولد يونغ، كانت مهمة الضابطين في قاعدة الظهران هي جمع المخابرات السياسية عن السعودية والإمارات في الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية، الذي يضم الآن دولة الإمارات العربية المتحدة، غير أن الهدف الأهم هو جمع المخابرات عن كل شيء قد يؤثر على وصول أميركا إلى منابع النفط العربية هناك، وعلاقاتها الخاصة مع أسرة آل سعود.

وكيفية عمل ضباط الوكالة، كان لأيمز اسم سري يستعمل في كل المراسلات والبرقيات التي تبعث إلى مركز الوكالة في لانغلي وهو "أورن بيدنكوبف"، كان ضباط الوكالة يستعملون في العادة أسماءهم المستعارة حين يشير بعضهم إلى بعض عن طريق الكتابة أو الكلام، لكن الاسم الألماني المستعار عصيّ على اللفظ لذلك أعطاه زملاؤه اسم "رامز" بدلا من بيدنكوبف.

أحب بوب الحياة في شبه الجزيرة العربية في بعض الأمسيات عندما تكون الرطوبة عالية، كان يقطع الشارع متوجها إلى ملعب كرة السلة ليلعب مع حرس القنصلية وبعض موظفيها، كما كون فريقا اسماه دببة الظهران، فاز في مبارياته مع كل فرق أرامكو، كما عمل في الوقت نفسه على تحسين كفاءته في اللغة العربية، بأخذ دروس خصوصية.

وفي رحلة له بصحبة نائب القنصل الجديد رالف أومان عبر عن افتتانه بحياة القبائل البدوية، يتذكر أومان أن بوب قد ذكر أنه اختط لحياته طريقا بين البدو ومعهم، وأنه قد يبقى في شبه الجزيرة العربية لثلاثين عاماً حتى يحال إلى التقاعد، كان يأمل العمل في جدة، والكويت، ومسقط واليمن، في إحدى المرات أمضى هو وأومان يومهما يتأملان بقايا الفخار المكسور في موقع أثري اسمه "قرة"، الذي يعود تاريخه إلى عام 650 قبل الميلاد، وإلى عام 300 بعد الميلاد، قرب خليج سيهات وسلوى، ويبعد نحو خمسين ميلاً من واحة الهفوف، لم يجدا شيئاً جديراً بأن يأخذاه معهما، لكن أومان يتذكر بوضوح المحاضرة المرتجلة التي سمعها منه حول تاريخ المنطقة، وأشار إليه بأنهما يقفان في المكان نفسه الذي وقف فيه مؤسس المملكة عند توقيع معاهدة العقير، وأوضح له أن معاهدة 1922 قد أرست الحدود بين السعودية وجيرانها إلى الشمال.

يتذكر أومان أنه ذهل لمعرفة أيمز الواسعة بالمنطقة، من الواضح أن ضابط الوكالة الشاب قد قرأ الكثير "لقد أحبه السعوديون لأنه شخص رائع في محادثاته مع الآخرين، كان طويلا ووسيما ومحترما، يتكلم بصوت هادئ مع ابتسامة ساحرة وعينين متألقتين تأسران من يتحدث إليه".

لم يمض أيمز وقتا كثيرا مع الأميركيين، خصوصا أولئك العاملين في شركة أرامكو، كان ضابطا في الوكالة وكانت مهمته إقامة العلاقات مع السعوديين، والاستثناء من تلك القاعدة هي علاقته بأحد العاملين في الشركة في قسم العلاقات الحكومية رونالد أروين متز، الذي عمل سابقا في دائرة OSS والوكالة فيما بعد، كان هو الآخر طويل القامة اجتماعيا ضحكته صادرة من القلب، وله خلفية مثيرة، قفز بالمظلة خلال الحرب العالمية خلف خطوط الإعداد في الصين.

 بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وجد نفسه يتحدث اللغة الصينية بطلاقة، وحاله كحال منتسبي OSS سارع للالتحاق بالوكالة التي بعثته إلى بيروت ليتعلم اللغة العربية في الجامعة الأميركية بعد تخرجه وحصوله على شهادة الماجستير متخصصا في شؤون الشرق الأوسط عام 1954، عينته شركة أرامكو وبعثته إلى الرياض ليكون موظف الارتباط بالملك سعود الابن الأكبر لمؤسس المملكة، الذي (توفي في العام السابق).

فُسح له المجال أن يتصل بالملك متى شاء، وفي منتصف الخمسينيات أصبح متز أحد ندماء الملك في جلساته المسائية ومقربا ربما أكثر ممن يثق به من الأجانب، وعندما كان متز يذهب إلى زيارة الملك كان يستقبله في ديوانه الخاص، فيجلب الخدم أكواب الشاي الأسود المحلاة جدا بالسكر، وبعد لحظات يُصرفون وينحى الشاي جانباً.

وكانت سياسة واشنطن في ذلك الوقت، كما هي عليه الآن، تقوم على مساندة العائلة المالكة، ولذلك فإن علاقة متز بالملك كانت نافعة جدا من حيث الحصول على المعلومات السرية حول ما يجري داخل القصر الملكي.

وفي آخر أيام 1964 حضر أيمز مع ثيروس النائب الجديد للقنصل مراسم الإعدام بالسيف علنا لأحد المدانين في الساحة الرئيسة لمدينة الدمام بدعوة من أمير المنطقة سعود بن جلوي، وأصبح بوب وثيروس صديقين حميمين، يتذكر الأخير "إن بوب لديه القدرة على استخلاص الجانب المضحك المسلي في كل موقف، مهما كان سيئاً".

رحلة إلى بيروت

في صيف عام 1966 حزمت إيفون بوب أمتعتهما في الظهران وشحناها إلى بيروت، حيث كان مقررا له أن يدرس العربية بشكل مكثف لمدة عام كامل هناك، وفي الوقت نفسه منحت أرامكو بوب منصباً براتب عال جدا إذا ما قرر الالتحاق بها، غير أنه فضل البقاء في عمله مع الوكالة، لأنه يعتقد أن طبيعة عمله هي الخدمة العامة.

أمضى بوب وإيفون إجازة ذلك الصيف في الولايات المتحدة لزيارة الأهل والأقرباء في بوسطن وفيلادليفا، وفي شهر سبتمبر وصلا إلى بيروت وسكنا والبنات في شقة جميلة غرب بيروت، تبعد قليلا عن شارع الكورنيش ومنطقة رأس بيروت المعروفة، كانت تلك المنطقة مركزاً لأناس كثيرين ذوي ثقافات متعددة من الطبقة الوسطى، بينهم المسيحيون، والدروز، والمسلمون، كما أنه في عام 1966 كان لايزال في بيروت آلاف عدة من اليهود اللبنانيين.

تقع في المنطقة أيضا الجامعة الأميركية التي أسست قبل نحو قرن، كان بجوارها كثير من محلات بيع الأزياء الشهيرة والمقاهي والحانات، وقاعات السينما التي تعرض أفلاماً باللغات الفرنسية، والعربية، والإنكليزية، شغل بوب بدراسة العربية خلال أيام الأسبوع، وفي العطلة كان يصطحب زوجته وبناته إلى ناد ريفي في الجبل شرق بيروت، عندما لا يذهبون إلى هناك كان يمضى العطلة في مطالعة الكتب عن تاريخ الشرق الأوسط وسير الرجال المهمين، كان يحصل على تلك الكتب بأثمان زهيدة جدا من مكتبة الخياط، وهي أقدم مكتبة لبيع الكتب، وقريبة من الجامعة على جادة بلس.

لدى وصول بوب إلى بيروت اصطحبه أحد زملائه إلى حانة داخل فندق السان جورج، وهو الفندق الرئيس في المدينة خلال الخمسينيات، والستينيات، حتى السبعينيات كان هو المكان الذي تنزل فيه الشخصيات الأجنبية البارزة، وكانت حانته النبع الذي يرتوي منه الدبلوماسيون والصحافيون، ووكلاء المخابرات المختلفة في المدينة، يحيط البحر الأبيض المتوسط بالفندق من ثلاث جهات، ومن هناك يمكن للمرء أن يشاهد البحر أو رؤوس الجبال المغطاء بالثلوج شرقاً.

تقول جين برتولي، مديرة الفندق حينها" استخدم الفندق مئتين وخمسة وثمانين شخصاً لخدمة نزلاء مئة وعشر غرف".

كان يتردد عليه رجال الأعمال والمال مثل: جون مكلوي، وبول غتي، ودانيل لودوغ عندما يحضرون إلى بيروت لمتابعة صفقاتهم، كما أن صحافيين مثل جو اسلوب من محطة NBC، وكذلك جون جانسلر كانا مقيمين دائمين هناك، كما أن جاسوس الاتحاد السوفياتي الشهير البريطاني كيم فلبي كان يترع هناك أقداح الشراب قبل فراره إلى موسكو بتاريخ 23 يناير من عام 1963.

ما بين عدن وبيروت

بحلول ربيع عام 1967 أبلغ أيمز بنقله إلى صنعاء عاصمة اليمن الشمالي، ونظرا لأن البلاد كانت تتلظى بسعير حرب أهلية طاحنة لم يكن من المتوقع أن تصاحبه زوجته وبناته، ثم اندلعت حرب 5 حزيران (يونيو) قبل شهر من قيام الحرب، ومع تزايد التوتر بعثت إسرائيل تقرير مخابراتها إلى الرئيس جونسن أعلمته فيه أنها ربما ستهزم أمام العرب وخلال ست ساعات فقط، فوضع محللو الوكالة الكبار تقييما ورد فيه: "إن إسرائيل قادرة على دحر الجيوش العربية مجتمعة خلال أسبوعين، بغض النظر عمن سيبدأ الحرب".

اعتقد دك هلمز أن الإسرائيليين حاولوا دفع الرئيس الأميركي لكي يعطيهم الضوء الأخضر للقيام بهجوم استباقي، وبالتالي يخول الجيش الأميركي فتح أبواب مخازن السلاح أمامهم، فطلب جونسن عندها من هلمز الحذر ومراجعة التقييم، فقام المحللون بواجبهم وأرسلوا تقريرا مفاده أن إسرائيل ستكسب الحرب خلال أسبوع واحد فقط، وكما حدث فإن تقرير الوكالة المذكور كان يفرق يوما واحدا إذ استطاعت القوات الإسرائيلية خلال ستة أيام احتلال القدس الشرقية، والضفة الغربية، وسيناء بكاملها.

كانت حرب حزيران هزيمة للعالم العربي بأكمله، لا سيما جمال عبدالناصر وشعاراته العربية القومية العلمانية، لقد كانت عارا لحق بجيل كامل من العرب المتعلقين بالوهم، ومن جهة أخرى ضجت شوارع القاهرة، ودمشق، وبيروت بالمظاهرات الصاخبة المعادية لأميركا، وقطعت مصر ومعظم الدول العربية علاقاتها مع الولايات المتحدة، وعندها ألغي تنسيب أيمز إلى صنعاء، وطلب منه التوجه إلى عدن بدلا من ذلك، كانت عدن وقتها محمية بريطانية في جنوب اليمن.