نحن نعرف أن التنبؤ بأسعار النفط أشبه بقراءة أحداث العام الجديد في محطة فضائية، أو أقرب إلى "قراءة الفنجان" بعد ارتشاف قهوة الضحى، ولكن هذا لا يمنعنا من أن نؤكد أن أزمة أسعار النفط التي نعيشها منذ عام ونصف العام أعمق وأطول من أن تكون كسابقاتها، فهي أزمة على جانبي العرض والطلب في آن معاً، وهي أزمة تقترن بالتزامات إقليمية باهظة ومتزايدة، وبأوضاع أمنية مقلقة، وهي أزمة يواكبها تحول عميق في الاقتصاد.وفي كل الأحوال، نحن في الكويت أمام خيارين لا ثالث لهما، أولهما أن نتبنى النظرة المتفائلة بأن أسعار النفط ستعود إلى مستوياتها السابقة سريعاً، والثاني أن نأخذ بالنظرة الواقعية بأن مستقبل النفط كمصدر للطاقة أصبح وراءنا، وأن ارتفاع أسعاره ثانية سيكون بطيئاً ومحدوداً. الرهان على الخيار الأول يعني تأجيل الكارثة إذا ما تحقق، ويعني تسريعها إذا ما خاب، والرهان على الخيار الثاني يعني بناء اقتصاد كويتي حقيقي سواء صدقت النظرة الواقعية أم لم تصدق. فهل نحتاج إلى خبرات البنك الدولي، وصندوق النقد، وجامعات العالم، ولجان تلد أخرى لنعرف الرهان الصحيح؟
نعم... الرهان الصحيح واضح، بل هو الرهان الوحيد الذي يضمن استقرار الوطن، ولكنه رهان مؤلم يمر فوق جسر من التضحيات التي لا بد أن يشارك فيها كل المواطنين بلا استثناء، كل حسب قدراته مهما تكلمنا عن عدم المساس بجيوب المواطنين، ومهما تكلمنا عن درع الاحتياطيات الواقية من غدر النفط، لا سيما أن كل المؤشرات الاقتصادية في الكويت ترتبط إلى حد بعيد بسعر النفط، مثل معدلات النمو والادخار وفائض الميزانية العامة والحساب الجاري، واستقرار سعر الصرف.إن رخاءنا يعتمد كلياً (حتى اليوم) على سعر النفط، أو على مصدر واحد للدخل، ليس لنا تأثير يذكر على سعره أو كمية إنتاجه، أو مدى استدامته.رغم كل هذه الحقائق، ورغم وضوح المخارج والحلول، فإن أكثر ما يقلقنا هذا الضياع الحكومي والنيابي الواضح، والذي يعبر عن نفسه بالتصريحات الكثيرة واليومية والمتناقضة وغير المعقولة، والتي تصب جميعها في اتجاه هدف واحد هو الهروب من القرار لعل المعجزة تقع، وترتفع أسعار النفط إلى حيث كانت، ويكفينا الله شر الحزم والتحزم، والترشيد والتقشف، والضريبة ووقف رشوات العلاج بالخارج.ألا يكفينا فخراً أن لدينا هيئة لمكافحة الفساد، وأخرى لمنع الاحتكار، وثالثة للرقابة المالية...؟* يا أصحاب السلطتين وطننا في خطر... والطريق واضح، ولكن من يجرؤ على القرار؟.الجريدة
أخبار الأولى
من يجرؤ على القرار؟
31-01-2016