بدت مهمّة المخرجة شارمين عبيد شينوي صعبة إلى أن قابلت سابا قيصر، بطلة فيلمها الوثائقي الفائز بالأوسكار، A Girl in the River: The Price of Forgiveness (فتاة في النهر: ثمن الغفران).

تبلغ قيصر اليوم 19 عاماً. كانت هربت وتزوجت من رجل رغم معارضة عائلتها. لكن بعد فترة قصيرة من زواجها، وجدها والدها وعمها وأخذاها إلى ضفة نهر وأطلقا النار عليها في رأسها ووضعوها في حقيبة ورموها في الماء. نجت قيصر بعدما تمسّكت بأعشاب بالقرب من طرف النهر ووجدت من يساعدها وتعافت في النهاية. لكن لم تنتهِ قصتها عند هذا الحد.

Ad

بعدما اعتقلت الشرطة الأب والعمّ، تعرّضت قيصر للضغوط كي توافق على إطلاق سراحهما بموجب {قانون العفو} الباكستاني الذي يشمل ثغرة قانونية تسمح للعائلات بمسامحة القتلة.

تقول مخرجة A Girl in the River عبيد شينوي: {يصعب أن تأخذ صحيفة في باكستان كل يوم ولا تقرأ فيها قصة عن جريمة شرف}. وفق إحصاءات الحكومة، يبلغ العدد السنوي ألف جريمة. لكن يظن معظم الناس أن العدد الحقيقي مضاعف لأن أخبار جرائم القتل تبقى داخل العائلات وغالباً ما يُدفن الضحايا في مقابر مجهولة الهوية.

أدى ترشيح فيلم عبيد شينوي لجائزة أوسكار إلى تجديد الجدل حول جرائم الشرف، فزاد الضغط على الحكومة الباكستانية لإلغاء الإجراءات القانونية التي تسمح باستمرار الجرائم بلا محاسبة.

عُرض الفيلم للمرة الأولى في إسلام أباد في منزل رئيس الوزراء نواز شريف وشاهده شريف وأعضاء من مجلس

اجتمعت عبيد شينوي أخيراً مع شريف لمناقشة فيلمها. وبعد حديثهما، أصدر شريف بياناً يعتبر فيه أن لا صلة لجرائم الشرف بالإسلام، واعتبر الموضوع «خطيراً» وتعهّد «بتبني جميع الطرق والوسائل الممكنة لإزالة هذه الوصمة من مجتمعنا».

تقول عبيد شينوي: «إنها مبادرة بالغة الأهمية. لم يسبق أن أصدر رئيس الوزراء بياناً صريحاً لهذه الدرجة عن أي مسألة تخص النساء. ويبدو أنه صادق في كلامه».

مقنعة جداً

ربما حصل ذلك لأن قيصر تبدو مقنعة جداً في فيلم عبيد شينوي. تجذب شجاعة هذه الشابة التي تتكلم بعبارات بسيطة المشاهدين إلى قصتها ويمكن الشعور بالغضب الذي تكنّه لوالدها وعمها. (تقول في الفيلم: «يجب أن يتعرضا لإطلاق النار علناً في سوق مفتوحة كي لا تتكرر أي حادثة مماثلة»). حين أقنعها شيوخ البلدة في النهاية بالذهاب إلى المحكمة ومسامحة الرجلين اللذين كادا يقتلانها لتجنب محاكمتهما، يبدو الألم الذي يجتاح قيصر أمام اللامبالاة الاجتماعية مؤثراً للغاية.

سخط

يأتي النقاش الذي أشعله فيلم A Girl in the River غداة السخط العام الذي سبّبه مقتل فرزانة بارفين عام 2014، فقد تعرّضت تلك المرأة الحامل للرجم حتى الموت على يد 20 فرداً من عائلتها خارج المحكمة العليا الباكستانية.

تقول الكاتبة والناشطة إيمي لوغان التي عملت على ملف جرائم الشرف طوال 20 سنة: {في باكستان، كانت التقاليد الثقافية وممارسات الحكومة والشريعة الدينية تتكاتف للتستر على أعمال العنف المرتبطة بالشرف، لكن يأتي فيلم A Girl in the River لينسف ذلك التحالف}.

تأمل عبيد شينوي بأن ينفذ شريف وعده ويدعم تشريعاً يلغي «قانون العفو»: «إذا دخل المعتدون إلى السجن، ستكون سابقة من نوعها وستطلق تحذيراً للجميع: إذا قتلتَ امرأة في عائلتك، ستدخل إلى السجن! لكن يبقى الردع أول خطوة في هذه العملية الطويلة».

تريد لوغان أن يتغير القانون أيضاً مع أنها تظن أن إحداث تغيير اجتماعي حقيقي سيكون أصعب عملياً.

تضيف لوغان: {لا أتوقع أن تنتهي جرائم الشرف سريعاً لأن الثقافة والتقاليد تُعتبر جزءاً من العوامل المؤثرة اللاواعية. إذا مرّ التعديل المقترح، ستتمكن المحاكم، وليس العائلة، من اتخاذ قرارها بمعاقبة المتهمين بجرائم الشرف أو تبرئتهم، لكن لا شيء يضمن إدانتهم. يجب وضع جريمة الشرف في مصاف جرائم القتل وعدم التفاوض بشأنها وفق معطيات كل قضية}.

توافق المرأتان على أن ذلك التشريع هو الخطوة الأولى وما كان ليصدر لولا ترشيح فيلم A Girl in the River لجائزة أوسكار.

تقول عبيد شينوي: «بصفتي مخرجة أفلام وثائقية عن العدالة الاجتماعية، أشاهد حلمي يتحقق. وحين نغيّر القانون - لن أقول «إذا» غيّرناه- أظن أن هذا التطور، في بلدٍ مثل باكستان، سيعزز آمال الآخرين بإيجاد طريقة لإحداث تغيير حقيقي في البلاد».