أمام فكرة التخدير، يشعر كثيرون بالقلق مع أنها عملية موثوق بها جداً. يتخذ الأطباء جميع التدابير اللازمة قبل الجراحة وخلالها وبعدها للحد من المخاطر وضمان راحة المريض الذي يخضع للجراحة. في السنوات الأخيرة، حصل تقدم لافت في مجال التخدير. أصبحت استشارة طبيب التخدير قبل أي جراحة ممارسة إلزامية منذ عام 1994 وتسمح هذه الخطوة باستباق جميع الحوادث المحتملة. تطورت أيضاً المنتجات المستعملة خلال الجراحة لبث شعور النعاس (عبر مواد التخدير) وإرخاء العضلات في العمليات التي تحتاج إلى هذا التدبير.

Ad

أصبحت هذه الأدوية متاحة للمرضى أكثر من السابق وهي تعطي مفعولها خلال بضع دقائق ويمكن أن يعدّل أطباء التخدير والإنعاش الجرعة المستعملة بفضل أدوات المراقبة التي زادت دقة. عند الاستيقاظ، تختفي آثارها سريعاً.

يُستعمل التخدير الموضعي في 20 أو 30% من العمليات الجراحية: تخدير فوق الجافية، التخدير الشوكي، تخدير الجذور العصبية حول النخاع الشوكي، تخدير الأعصاب المحيطية لإجراء جراحة في الأعضاء والوجه والبطن... تحصل هذه {الإعاقات المحيطية} اليوم بتوجيه من التصوير بالموجات فوق الصوتية، ما يسمح بتحسين طريقة استهداف الأعصاب التي يجب إعاقتها، وبالتالي تتراجع الجرعات المستعملة ومخاطر التسمم. تُستعمل هذه العناصر وحدها أو كتدبير إضافي إلى جانب التخدير العام لتقليص الحاجة إلى مواد التخدير وتجنب الألم الذي يلي الجراحة. يحرص أطباء التخدير على اتخاذ جميع الخطوات التي تضمن سلامة المريض وراحته.

الاستعداد قبل الجراحة

تتعدد الخطوات الأساسية التي تحضّر المريض ليوم الجراحة، أبرزها مناقشة الوضع مع طبيب التخدير لفهم تفاصيل العملية، واختيار نوع التخدير المناسب، وتقييم الحالة قبل الجراحة...

هل الخوف من التخدير مبرر؟

غالباً ما تنجم هذه المخاوف عن نقص المعلومات والخلط بين مخاطر التخدير وتلك المرتبطة بمسار الجراحة. يُعتبر التخدير أحد أكثر الإجراءات الطبية الآمنة ويترافق مع تدابير تضمن التحقق من سلامة المريض. لكن لا تخلو أي عملية مماثلة من المخاطر طبعاً. يَحْضر طبيب التخدير الجراحة كلها ويراقب معدل الأوكسجين وإيقاع ضربات القلب وضغط الدم وعمق النوم ومستوى تسكين الألم... بعد الجراحة، يبقى المريض تحت إشراف الفريق الطبي بين ربع ساعة وساعتين إلى ثلاث ساعات. يكون الفريق مستعداً للتدخل عند وقوع أبسط خلل أو الشعور بأي ألم.

ما نفع استشارة الاختصاصي؟

يجب أن تحصل هذه الاستشارة قبل 48 ساعة على الأقل من موعد الجراحة أو قبل شهر من عمليات محددة إذا كانت تتطلب مرحلة تحضيرية دقيقة (قبل جراحة تركيب ورك اصطناعي مثلاً). تسمح هذه المرحلة بتحديد حالات الحساسية إذا وُجدت والاطلاع على العلاجات الراهنة وتقييم الحاجة إلى إجراء أي فحوص ضرورية (فحص دم، تحليل وضع القلب أو الأسنان...). يُبلِغ طبيب التخدير المريض بالمخاطر المحتملة ويطلب موافقته الخطية على إجراء الجراحة. إنها فرصة مناسبة لمناقشة مختلف الخيارات المتاحة والإجابة عن الأسئلة التي تراود المريض.

هل التخدير الموضعي أفضل؟

تحصل جراحات كثيرة اليوم تحت تخدير موضعي: اقتلاع الأسنان، مشاكل جلدية بسيطة، جراحة في عظام الذراعين والساقين، بعض الجراحات لمعالجة المسالك البولية أو اضطرابات البطن أو الفتق الإربي... تتعدد منافع هذه الطريقة لأنها تسمح بالتنفس بشكل طبيعي، فلا يحتاج المريض إلى قناع للتنفس أو إلى إدخال أنبوب في أنفه أو فمه، ويتراجع احتمال التعرض لحوادث القلب والأوعية الدموية. كذلك، يمكن تجنب الشعور بالنعاس والتعب والغثيان عند الاستيقاظ ويحصل التعافي بوتيرة أسرع. يمكن اقتراح هذا الخيار على المريض لكن من حقه أن يرفض. تحتل الناحية النفسية أهمية كبرى في هذا المجال، إذ يفضّل البعض النوم خلال الجراحة بدل أن يعرفوا تفاصيلها.

التخدير العام خطير بعد عمر معين؟

يبلغ 25 إلى 30% من المرضى الذين يخضعون للتخدير اليوم أكثر من 65 عاماً. لذا ما من عمر محدد يمنع تخدير المريض. يتعلق أهم عامل بوضعه الصحي، لا سيما وضع القلب والأوعية الدموية. يجب تقييم المخاطر والتوقف عن أخذ بعض الأدوية أو استبدالها (خافضات ضغط الدم، مضادات التخثر، علاجات السكري...). بالنسبة إلى كبار السن، يمكن احتساب كمية مواد التخدير بدقة لتجنب مخاطر الجرعة الزائدة.

فهم مسار الجراحة

يشرف فريق التخدير على وظائف القلب والتنفس وعمق النوم ومستوى الألم بشكل مستمر. لذا يمكن أن ينام المريض بكل هدوء!

خلال الجراحة يستيقظ المريض؟

يؤكد بعض المرضى على أنهم يسمعون أصواتاً رغم التخدير أو يتذكرون بعض الحوادث خلال الجراحة. يضطر الأطباء أحياناً إلى تخفيف مستوى التخدير للحفاظ على سلامة ضغط الدم: يجب حماية هذا التوازن الدقيق. لكن تبقى حالات الاستيقاظ وسط الجراحة استثنائية. ولا يعني الاستيقاظ أصلاً الشعور بالألم. حصل أطباء التخدير على وسائل جديدة لقياس عمق النوم وتعديله. ويتعامل الخبراء كما يجب مع المرضى الذين يستيقظون.

ماذا عن الحساسية تجاه التخدير؟

يتعلق أبرز خطر شائع بالحساسية تجاه نبات الكوراري نظراً إلى غياب أي اختبار موثوق لتشخيصه. قد يسبب هذا النبات مشكلة ارتفاع الضغط أو وذمة في الحلق أو تسارع ضربات القلب، وقد يصبح الوضع قاتلاً في حالات استثنائية! يركز أطباء التخدير بشكل فائق في الدقائق التي تلي حقن المواد ويستعدون للتحرك سريعاً عبر اتخاذ الإجراءات المناسبة.

التخدير الشوكي يسبب الشلل؟    

تقضي هذه التقنيات بتخدير الأعصاب المحيطة بالنخاع الشوكي عبر دس أنبوب صغير في منطقة فوق الجافية أو حقن مادة مخدرة في السائل الدماغي الشوكي بإبرة صغيرة. لكن حتى الآن يخشى الكثيرون من آثارها بلا مبرر لأن الحوادث الخطيرة مثل الشلل أو فقدان السيطرة على العضلات العاصرة تحصل في حالة واحدة من كل 10 آلاف حالة. بعد تخدير فوق الجافية، قد يتراجع الشعور بالجسم ويبدأ الوخز في الساقين أو في أسفل الظهر لكن تقتصر هذه الأعراض على بضعة أيام.

تُستعمل التقنية نفسها مع الأولاد؟

يكون حقن الأوردة أكثر دقة مع الأولاد لأن أوردتهم تبدو رفيعة جداً وهم يخشون الإبر أكثر من الكبار. لذا قد ينامون بمساعدة غاز الهالوجين الذي يتنشقونه في قناع أو عبر التنفس في بالون. هكذا تتوسع الأوردة وتُستعمل حقنة بطيئة للحفاظ على التخدير وتسكين الألم لأطول فترة. يمكن استعمال التنويم المغناطيسي أحياناً لاستكمال العلاج الأساسي.

التعافي بوتيرة أسرع عند الاستيقاظ

تحسنت طريقة الاستيقاظ بعد التخدير بما يضمن سلامة المريض وراحته وبات التعافي أسرع أيضاً.

هل الاستيقاظ بلا انزعاج مضمون؟

لتجنب الألم بعد الجراحة، يحقن طبيب التخدير مسكنات أو مواد المورفين في المنطقة التي استهدفتها الجراحة قبل نهاية العملية أو عند الاستيقاظ. منذ 15 سنة تقريباً، توضع أنابيب بالقرب من الأعصاب للسيطرة على الألم الذي يلي الجراحة بسهولة أكبر عبر حقن العقاقير التي يحتاج إليها الجسم. بعد تركيب ركبة اصطناعية مثلاً، تسمح هذه الخطوة بتشغيل المفصل وتسريع التعافي. يمكن أخذ أقراص من المسكنات لاستكمال العلاج.

هل يبقى التقيؤ عارضاً شائعاً؟

تكون أدوية المورفين تحديداً مسؤولة عن الغثيان. لكن تحسنت قدرة الأطباء على التحكم بآثارها اليوم لأنهم يملكون مجموعة من العلاجات المضادة للغثيان وهم يستعملونها بطريقة وقائية، بحسب المخاطر المطروحة. تكون المرأة غير المدخنة التي اعتادت على نوبات الغثيان أكثر عرضة لهذه المشكلة.

التنويم المغناطيسي

• يتدرب بعض أطباء التخدير على التنويم المغناطيسي الذي يغير حالة الوعي لدى المريض ويجعله يتأرجح بين النوم واليقظة.

• التنويم المغناطيسي {التقليدي}: يمكن استعماله خلال جراحات دقيقة مثل تنظير القولون أو زرع جهاز تنظيم ضربات القلب تزامناً مع استعمال مهدئ خفيف. أو يمكن اقتراحه أيضاً خلال جراحات معينة مثل استئصال أورام الثدي أو اقتلاع الأسنان أو استهداف الغدة الدرقية، إلى جانب التخدير الموضعي.

• التنويم المغناطيسي {التحادثي}: يكون هذا الشكل من التنويم المغناطيسي أقل عمقاً ويهدف إلى تحويل الانتباه عبر استذكار صور وقصص تجذب الدماغ غير الواعي. يسمح بتخفيض كمية مواد التخدير وتخفيف القلق وفرط الحركة عند الاستيقاظ. إنها تقنية فاعلة جداً مع الأولاد.

3  قواعد ضرورية

• الإقلاع عن التدخين: يجب أن يوقف المريض التدخين قبل ستة أسابيع من موعد الجراحة على الأقل. يُضعِف التبغ نسبة الأوكسجين في الدم ويؤخر مداواة الجروح.

• وقف الأكل: يجب أن يوقف المريض الأكل قبل ست ساعات على الأقل من الجراحة. لكن يمكنه أن يشرب القليل من الماء أو الشاي أو القهوة (مع سكر لكن بلا حليب) أو عصير الفاكهة (بلا لبّ) قبل ساعتين من الجراحة.

• البقاء على الريق في وقت الجراحة: أثناء النوم، يخسر المريض قدرته على العطس أو يصعد السائل من المعدة إلى الحلق ويصل إلى القصبة الهوائية ثم الرئتين. لذا يجب أن يكون المريض على الريق حين يتلقى تخديراً عاماً أو موضعياً، فقد تبرز الحاجة إلى الانتقال إلى التخدير العام عند وقوع أي مشكلة.

المشاكل والتعافي

هل يدعو الوخز إلى القلق؟

بعد التخدير الموضعي، قد يواجه المريض اضطرابات حسية على شكل وخز في أعضاء الجسم أو تراجع في القوة العضلية. تدوم هذه الأعراض بين بضع ساعات وبضعة أشهر، وقد تظهر عند قرص عصب معين. لكن بما أن هذه الجراحة تحصل بتوجيهٍ من التصوير بالموجات فوق الصوتية، تبقى هذه المشكلة نادرة. حتى لو بذل الأطباء قصارى جهدهم لتحسين راحة المريض، غالباً ما تشتق مشاعر الانزعاج من وضعيته على طاولة الجراحات، لكنها تقتصر على بضعة أيام.

ما المشاكل المحتملة الأخرى؟

قد يشعر المريض بالدوار بسبب مواد التخدير أو انخفاض معدل السكر نتيجة الامتناع عن الأكل قبل الجراحة. تشمل الأعراض الأخرى: صعوبة في التبول، أوجاع في الظهر أو العضلات، صداع. بعد الاستيقاظ، قد لا يعود تفريغ الأمعاء إلى وضعه الطبيعي قبل يومين، لا سيما إذا كانت الجراحة تستهدف الجهاز الهضمي.

هل يمكن أن يعود المريض وحده إلى المنزل بعد التخدير؟

يجب ألا يقود المريض سيارته بنفسه يوم الجراحة لأنه قد يكون مرتبكاً ويتراجع مستوى يقظته. بشكل عام، يمكنه أن يبقى وحده في منزله شرط أن يزوره شخص آخر مرة في اليوم للاطمئنان عليه. يزداد عدد الجراحات التي لا تتطلب المبيت في المستشفى، فيعود المريض إلى منزله في اليوم نفسه. تبقى المنطقة التي جرت فيها الجراحة مخدّرة عموماً لذا يجب أن يمر المريض بالمستشفى في اليوم التالي أو تزوره ممرضة في منزله.

ما هي المدة اللازمة للتعافي؟

تُعتبر أي جراحة عدائية بالنسبة إلى الجسم بغض النظر عن طبيعتها، وهي تجعل الجسم يفرز هرمونات للدفاع عن نفسه. يشعر المريض بالتعب بسبب الجراحة وليس التخدير وحده. لكن كلما طالت مدة التخدير، يرتفع احتمال أن يتعب المريض وقد تمتد هذه المشكلة لأشهر عدة في بعض الحالات. بشكل عام، يتعافى المريض خلال وقت أقصر إذا كان التخدير موضعياً.