"الكونج"، بالرغم من أنها الرواية الأولى للكاتب السوداني حمور زيادة، فإنها خالية من أخطاء العمل الأول، هكذا ولدت مكتملة كثمرة ناضجة لها نكهتها الخاصة المميزة بأسلوب سردي له شخصيته النابعة من إرثه وطينته المحملة بتراثه، فهو يكتب عن قريته التي لا تتماثل ولا تشبه القرى العربية الأخرى، فقد رسم صورة متحركة حية تنبض بجغرافية المكان وطبيعته، مدموغة بعادات أهله وانعكاسات تصرفاتهم النفسية المحملة بإرث من عادات وطباع تميزهم عن الحضر والأعراب والاختلاف ما بين العقليات، مما منح الرواية معلومات وحكايات غرائبية فانتازية انعكست في لغة متمكنة فاهمة لمنطق تصرفات كل شخصية وردود أفعالها، ونوايا بواطن النفس البشرية في ضعفها وجبروتها ومكرها وخبثها، فكل شخصية منحوتة بقدرة فنية عالية لكاتب شديد الإحساس بشخصياته المنحوتة المستقلة عنه، فهي تعيش وتتنفس حياتها بعيدا عن تسيره لها وكأنها تمارس حياة حقيقية ملموسة حية.

Ad

تصوير رائع لكل مشهد في الرواية ولكل شخصية من شخصياتها، تميز مذهل مثل شخصية بكري العربي قصاص الأثر الذي يتمتع بكشف المصائب، فهو الذي يُستدعى للكشف عن قاتل العجوز "شامة على الله" التي فُصل رأسها عن جسدها، فيقودهم من غرفتها عبر الشارع والأحواش حتى يصل إلى بيت قاتلها، فشخصيته وتحليله للفروقات ما بين تصرفات أهل الحضر والأعراب عميقة وغريبة، فهو يشرح الفرق كالآتي: "أنا لم أخطئ قراءة النجم، لكني لم أتخيل قط أن يكون هناك قتل في الكونج، أهل الكونج حمقى، لكنهم ليسوا قتلة. القتل يحتاج قلبا حارا لم يفسده أكل الطبيخ، أنا كنت أقدر على القتل قبل أن أعتاد الطبيخ، منذ سنوات ضرب أولادنا في إحدى القرى ابن مدير المدرسة الثانوية، لأنهم رأوه يتبع إحدى عويننا الصغيرات، قيل بعد ذلك إن أولادنا تعجلوا الظن، لكن الحادثة جعلت لبيوتنا حرمة في كل الريف، هذا هو قلب الأعراب الذين لا يأكلون الطبيخ، لكن أهل الحضر ليسوا مثلنا، وإذا ثاروا فإنهم يثورون على المرأة فقط دون الرجل، المرأة مظنة العيب، فإن صدر منها فلا كثير لوم عليها، المرأة كالنعل والحمارة، من دون مؤاخذة، أي عاقل يلوم نعله أو حمارته"؟

كل شخصية في هذه الرواية مرسومة أو الأصح منحوتة بلحم الواقع بشكل رهيب، حين تتحدث تملك وعي ووجدان القارئ وتتشبث به، بحيث لا يستطيع إغفالها أو التغاضي عنها أو نسيانها، هي هكذا شخصيات ولدت لتعيش بقوة داخل ذاكرة لن تموت ولن تغيب، وهذا هو الأدب العظيم الذي يستطيع خلق شخصيات من العدم إلى كينونة من لحم ودم، وكل شخصية في هذه الرواية ليس لها مثيل في الروايات الأخرى، لأنها نموذج وقالب بحد ذاتها

من الشخصيات المتفردة شخصية" حد الزين" الفتانة النمامة التي لا تستطيع كتم السر بأي شكل كان، حتى وإن كان عن والدها الذي تحبه والذي سمعته يغتاب شيخ الجامع، فقفزت فوق حائط بيتهم وقصدت شيخ الجامع في جوف الليل، وأفشت كلام والدها عنه، وكما جاء في النص: "سمعها الشيخ وهو من الدهشة في غاية، من تصرفها، لا مما نقلت إليه، بعد أن أكملت نميمتها وتنهدت في ارتياح، هز الشيخ رأسه مذهولا وقال لها: سبحان من ثقبك من أسفل، فتمسكين بولك ولا تمسكين لسانك"، وكانت هي من نم عليه أنه قال لها هذا، وفضحت خبره، لا أظن أن هناك قارئا لم تسحره شخصية حد الزين، أنا شخصيا تمنيت لو أني من قام بتوليدها ونحتها، لأنها شخصية بصمة في الأدب الروائي.

أسماء شخصيات الرواية تميزت بالغرابة وغير اعتيادية، يبدو أنها خاصة بالسودان مثل: السر بلة، حد الزين، الطاهر نقد، جبريل الله جابو، الرايقة، شامة على الله، نور الدايم، عوض الكريم، الله جابو، النعام آدم.

هذه رواية عبارة عن قطعة فنية مصوغة من المتعة الخالصة، سواء كانت على صعيد السرد أو رسم الشخصيات أو طبيعة المكان أو ثراء اللغة التي جاءت بحسب طبيعة المكان وبصورة أهله، تماما جسدت حكايتهم كما هو واقعهم في رواية تخلدهم.