خلال الليل، حين تستلقي خولة في سريرها وتغفو أخيراً، تحلم بطفلتها: تشبك يديها أمام صدرها على شكل فجوة، وحين ترفع ذراعها تجد طائراً جالساً تحتها، فتشاهد جسمه وريشه لكنه لا ينظر إليها ولا يصدر أي نغمة من حلقه. كذلك لا ترى رأسه الصغير.

Ad

تقول خولة: {كلما راودني هذا الحلم، أعجز عن التحرّك فترة}. أنجبت هذه المرأة طفلة بعدما كانت أسيرة لدى {الدولة الإسلامية} طوال ثمانية أشهر. كان والد الطفلة يعذّبها، علماً أنه مقاتل عراقي من الموصل ينتمي إلى {الدولة الإسلامية}. كانت لديه بنات كثيرات وأراد أن تنجب له خولة وهي امرأة يزيدية خطفتها {الدولة الإسلامية}، ابناً.

حصل ذلك قبل 12 شهراً. تعيش خولة الآن في ألمانيا لكن من دون طفلتها. جلست في غرفة جانبية من مقهى في ولاية {بادن فورتمبيرغ» الألمانية حيث جاءت لسرد قصتها. إنها امرأة هادئة في الثالثة والعشرين من عمرها، شعرها أسود ومجعّد، وتحب ارتداء الملابس الكردية.

تتقاسم خولة مهجعاً مع نساء محرَّرات أخريات. لكن لا يمكن الكشف عن الموقع طبعاً ومن الطبيعي أن يكون اسم «خولة» مستعاراً. نظراً إلى وجود متعاطفين مع «الدولة الإسلامية» في ألمانيا، تكون النساء هنا معرّضات للخطر أيضاً.

من المعروف أن المقاتلين في «الدولة الإسلامية» يستعبدون النساء جنسياً. قد يجبرونهن على استعمال وسائل منع الحمل، ومع ذلك تحمل كثيرات بأطفال مغتصبيهنّ. لكن تحتفظ المرأة التي تنجح في الهرب بجروح عاطفية عميقة في داخلها. «شبيغل» تسرد قصص بعض الضحايا.

استقبلت ولاية «بادن فورتمبيرغ» نحو ألف امرأة وطفل من العراق لمساعدتهم على تقبّل ما أصابهم. اختار الطبيب النفسي وخبير الصدمات جان إيلهان كيزيلهان أكثر النساء حاجةً إلى المساعدة في العراق، علماً أنه سافر إلى ذلك البلد عشرات المرات. في الماضي، عمل أيضاً مع ضحايا الاغتصاب في رواندا والبوسنة.

قال كيزيلهان: {سُمِح للنساء اللواتي تعرّضن لأكبر الصدمات النفسية بالمجيء إلى ألمانيا}. تشمل هذه المجموعة نساءً مثل المرأة اليزيدية التي حُبِس طفلها في صندوق معدني بأمرٍ من مقاتل في {الدولة الإسلامية}، فوُضع أمام ناظريها تحت أشعة الشمس مباشرةً إلى أن مات. تعرّض طفل امرأة أخرى للضرب حتى الموت على يد عضو في {الدولة الإسلامية} بعدما كسر عموده الفقري.

في أغسطس 2014، غزت {الدولة الإسلامية} منطقة سنجار في شمال العراق، فقتلت وخطفت آلاف النساء والفتيات اللواتي تحوّلن لاحقاً إلى {عبدات} جنسيات للمقاتلين. أصبحت مئات النساء اللواتي نجحن في الهرب من معذّبيهنّ حوامل بعد عودتهنّ. يمكن إيجاد أبناء المقاتلين في {الدولة الإسلامية} اليوم في سورية والعراق وألمانيا، وربما في تركيا ولبنان وبلدان أخرى قصدها اللاجئون لإيجاد ملجأ آمن. يُقال إن العدد وصل إلى المئات. في المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد وحدها، تشير تقديرات الأطباء إلى أن العدد يتراوح بين 40 و100 طفل رضيع. لكن نظراً إلى ارتفاع نسبة النساء اللواتي تعرّضن للخطف في المنطقة، يبقى ذلك العدد منخفضاً.

سلاح حرب

أكّدت النساء المحرّرات والأطباء وعلماء النفس الذين حاورتهم صحيفة {شبيغل} أن النساء الإيزيديات اللواتي خُطفن حصلن على وسائل منع الحمل. أخذ بعضهن تلك الحبوب، لكن كانت أخريات يبصِقْنَها سراً.

لا يتجاوز معظم أبناء {داعش} عمر السنة والنصف ويشكلون إثباتاً حياً على حجم الإذلال الذي حصل. لا يسهل إيجاد أبناء {الدولة الإسلامية} لأن حياتهم بحد ذاتها تُعتبر من المحرّمات. كما أنهم يطرحون بعض الأسئلة عن مسألة الاستعباد الجنسي في المنطقة. كيف يتعامل سكان شمال العراق مثلاً مع هؤلاء الأطفال؟ وما نوع المشاكل التي تواجهها أمهات هؤلاء الأولاد حين يهربن أو يتحررن؟ وماذا تفعل {الدولة الإسلامية} حين تكتشف أن إحدى {العبدات} حامل؟

قادنا البحث عن أجوبة لتلك الأسئلة إلى قاضٍ متخصص بقانون التبني في دهوك وإلى طرف هذه المدينة حيث وجدنا الطفلة نورا في مهدها.

إنه يوم مشرق ودافئ في {بادن فورتمبيرغ». داخل المقهى، طلبت خولة عصير تفاح وشريحة لحم مع الفاصوليا لكنها لم تأكل الطبق. احتاجت إلى ساعات عدة لسرد قصتها. لكنها امتنعت عن البكاء أثناء سردها، فبدا وكأنها تروي مصير شخص آخر: «أروي القصة كي لا ينسى أحد عائلتي الأسيرة في العراق».

سوق العبيد

في 3 أغسطس 2014، هاجمت {الدولة الإسلامية} بلدة خولة. خلال شهر، اختفى خمسة آلاف شخص من المنطقة. أُجبِرت المرأة على ركوب حافلة وسيقت إلى سجن فيه مئات النساء والفتيات الأخريات. أُجبِرْن هناك على شرب ماء بصق فيها أعوان {الدولة الإسلامية} أمامهنّ. حين كنّ يشربْنَ، كانت التحضيرات مستمرة لبيعهنّ. وصلت خولة إلى يد رجل طويل عمره 45 عاماً من «الدولة الإسلامية» وكان يرتدي ثوباً أبيض ويسمّي نفسه «أبو عمر». اشتراها الأخير مقابل مليون ونصف دينار عراقي، وقال لها: «أنت ملكي». ثم حجزها داخل منزل في الموصل، معقل «الدولة الإسلامية» في العراق.

هناك اغتصبها بكل وحشية وأجبرها على سماع صرخات نساء أخريات كنّ يتعرّضن للتعذيب في المنزل نفسه. بعد أربعة أشهر، أخذ خولة إلى منزل زوجته الحامل لتساعدها في الأعمال المنزلية. وخلال نوبة غيرة، ضربتها المرأة بكرسي، ثم حاولت خولة أن تشنق نفسها في مروحة.

كان للرجل خمس بنات من زوجته الأولى. فقال لخولة: {أريدك أن تنجبي لي ابناً}. خلال الساعات التي احتاجت إليها خولة كي تسرد قصتها، قالت عن ابنتها في مرحلة معينة: {حياتها لا تعني لي شيئاً... لكن كانت الطفلة جميلة جداً}. رسمياً، لا تريد {الدولة الإسلامية} أن تحمل «العبدات» الجنسيات من أمثال خولة.

أصدرت {الدولة الإسلامية} منشوراً عن طريقة معاملة {العبدات} بعنوان {أسئلة وأجوبة عن أخذ الأسرى والعبيد}، وبدأ ينتشر على شبكة الإنترنت بعد اعتداء سنجار. يذكر المنشور أن الجنس مع العبدات مسموح. لكنّ المعلومة الوحيدة عن حالات الحمل في ذلك المنشور تتعلق بسعر النساء في السوق.

ورد فيه السؤال التالي: {إذا حملت سجينة من مالكها، هل يستطيع بيعها؟}. الإجابة: {لا يستطيع بيعها إذا أصبحت أماً}.

بعبارة أخرى، تفقد تلك المرأة قيمتها حين تحمل. لكن تتحسّن مرتبتها: حين تصبح أماً، تتراوح مكانتها بين {عبدة} وامرأة حرة. لا تعود مناسِبة لعمليات تجارة العبيد أو بزار العذارى الذي تنظّمه {الدولة الإسلامية} لتجنيد مقاتلين جدد. يذكر المنشور أيضاً بعض القواعد المأخوذة من أيام النبي محمد، كما يزعم: حين يشتري رجل عبدة جنسية، يجب أن يمتنع عن إقامة علاقة معها لفترة (دورة شهرية أو دورتان). يُعرَف هذا الامتناع في الشريعة الإسلامية باسم {الاستبراء} ويهدف إلى التأكد من أن بطن {العبدة} {فارغ}، كي لا يتحمّل المالك الجديد مسؤولية طفل رجل آخر.

حين أدركت خولة أنها حامل، ذهبت إلى غرفة المعيشة في منزل المقاتل وحملت تلفزيوناً وصعدت به السلالم ونزلتها لساعات: {جربّتُ كل شيء لكني لم أخسر الجنين}. سرعان ما بدأت زوجة المقاتل تغار منها، لكن استفادت خولة من تلك الغيرة. قالت لها في صباح أحد الأيام: {لم أعد أريد رؤية بطنك الكبير أمامي}. ثم أعطت خولة هاتفاً فاستعملته للاتصال بشقيقها في دهوك. أعطاها شقيقها عنوان شخص يعرفه كي تقصده، فغادرت المنزل وهي ترتدي البرقع وقبلت المال من الزوجة كي تهرب.

شبكة سرية

اتصل الشخص الذي يعرفه شقيقها بشبكة يزيدية تنشط في منطقة {الدولة الإسلامية} (فيها وسطاء يهرّبون النساء من الأسر نحو الأراضي التي يسيطر عليها الأكراد). كانت الشبكة بقيادة رجل مقيم في دهوك ومعروف باسم {أبو شجاع}. يستعمل الرجل ثلاثة هواتف خلوية وقد تلقى عدداً كبيراً من تهديدات القتل من {الدولة الإسلامية}.

انتظرت خولة 40 يوماً، ثم أرسل لها {أبو شجاع} مساعداً أخذها إلى عائلة عربية تقيم بالقرب من الجبهة. كانا يتحركان ليلاً ويزحفان لمدة تصل إلى خمس ساعات فوق الجبال. اضطر المساعد إلى حمل خولة لقطع المساحة الأخيرة التي تقود إلى البيشمركة لأنه الوحيد الذي يعرف موقع الألغام في تلك الأرض الحجرية. تقول خولة: {هكذا تحررتُ أخيراً}!

يُقال إن ألفَي امرأة تقريباً نجحْنَ في الهرب من المناطق الواقعة تحت سيطرة «الدولة الإسلامية». تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى استعباد 3500 امرأة يزيدية حتى الآن هناك. لكن يصل هذا العدد إلى سبعة آلاف وفق مصادر أخرى.

خيارات صعبة

يقصد الناجون من إرهاب «الدولة الإسلامية» منطقة دهوك الواقعة في شمال كردستان العراق، وتصل إليها النساء الحوامل وتحصل فيها عمليات إجهاض أطفال «الدولة الإسلامية». يُعرَض الأطفال الناجون للتبني هناك أيضاً.

اجتمعت خولة مع شقيقها مجدداً في مخيّم في دهوك. بحلول تلك الفترة، كانت حاملاً في الشهر السادس: {كنت سعيدة جداً. لم أعرف كيف أعانقه}. في تلك الأمسية، ارتدت طبقات إضافية من الملابس لإخفاء بطنها، لكن تابع الجميع التحديق بها. في إحدى الأمسيات، أخذها عمّها جانباً وقال لها: {أرجوك، لا نريد طفلاً من {داعش} هنا}.

فقررت أن تجهض الطفلة ووجدت طبيباً أعطاها دواءً لتسريع المخاض. أمضت يومين في فندق ثم قصدت المستشفى كمريضة طبيعية. قالت لهم: {والد الطفلة يقاتل على الجبهة}. فأنجبت طفلة شعرها داكن ووجهها يشبه طائراً صغيراً. وُضِعت الطفلة الميتة بالقرب من ساقها: {لم يشأ الأطباء أن تموت لكن وقعت مشاكل معقدة}. نظرت خولة إليها ولمست قدمها للحظة بطرف إصبعها.

ثم وضعت بطانية على المولودة الميتة. وصل نسيبها بسيارة ووضعا معاً الطفلة في كيس بلاستيكي واتّجها إلى خارج المدينة لدفنها على جانب الطريق. بقيت خولة في السيارة. لم تراودها إلا فكرة واحدة: {قتلتُ طفلة}!

بعد الدفن، ذبح عمها خروفاً للتكفير عما حصل. ذهبت خولة حينها إلى الينبوع الأبيض في {لالش}، موقع يزيدي مقدس، حيث اغتسلت وتطهّرت. حصلت هناك على بركة من بابا الشيخ، مرشد روحي يزيدي ساعد مئات النساء المغتصبات على إعادة الاندماج في المجتمع منذ عام 2014.

البحث عن عائلات

لو نجت طفلة خولة، كانت لتصل على الأرجح إلى رجلَين يحاولان مساعدة أطفال «الدولة الإسلامية» وأمهاتهم في وسط دهوك: الرجل الأول هو الدكتور نزار عصمت طيب، مدير دائرة الصحة في دهوك ومدير عيادة للنساء الناجيات. يُدعى الرجل الثاني محمد حسن، قاضٍ في المحكمة المدنية يتولى قضايا تبني الأيتام في المنطقة. يقدّم حسن المساعدة لإيصال أطفال «الدولة الإسلامية» الناجين إلى عائلات كردية لا تعرف شيئاً عن أهالي الأطفال. يبذل الاثنان قصارى جهدهما لتحسين الوضع المريع قدر الإمكان.

في يوم ربيعي معتدل من شهر مارس، استقبلَنا الدكتور طيب في مبنى مستطيل في دهوك. يقول طيب، طبيب نفسي متدرّب ومتخصص بالأطفال: {نبذل ما بوسعنا، لكنّ المصائب تفوق قدراتنا}. يبدو رجلاً هادئاً وفي شعره خصل بيضاء ويتمتع بصبرٍ لامحدود ويعمل مع ثلاث معالِجات وطبيب نسائي. قبل زيارتنا مباشرةً، جاءت امرأة إلى مكتبه وأرادت قتل نفسها.

قال طيب: {من أصل ما يفوق 700 امرأة جِئْنَ للعلاج في السنة الماضية، حملت 5% خلال فترة الأسر}. يساوي ذلك العدد 35 امرأة: {يجب أن تحصل كل امرأة حامل منهنّ على حق الإجهاض الآمن}. مَثُل مع فريقه أمام المحكمة كي يطلب الإذن بإجهاض امرأة تعرّضت للاغتصاب بعد مرور شهرين على الحمل. تكون عمليات الإجهاض بعد هذه الفترة غير قانونية في منطقة كردستان العراق المستقلة. أضاف طيب: {ما زلنا لا نملك أي حل}.

أيتام مجهولون

يعني ذلك أن المرأة التي تصل وتكون في مراحل متقدمة من الحمل تُجبَر عموماً على الاحتفاظ بالطفل حتى نهاية فترة الحمل. يعطيها فريق الدكتور طيب حجرة في قسم الحضانة حيث يبقى الطفل إلى أن تجد له المحكمة أبوين بالتبني. لا وجود لأي دور أيتام في العراق ويُعتبر المجتمع اليزيدي محافظاً. أوضح طيب: {لن يقبل أحد بدم غريب، ما يعني أنهم يرفضون أطفال المسلمين}. لأن الأطفال يولدون أيضاً خارج إطار الزواج، يصبحون {غير مقبولين} اجتماعياً. هذا ما يدفع الدكتور طيب إلى تسجيلهم في المحكمة كأيتام مجهولين.

يعمل محمد حسن في المحكمة المدنية في دهوك، فيجمع بين أولاد «الدولة الإسلامية» وأهاليهم الجدد. يتردد حسن كثيراً في إجراء المقابلات لأن المسائل التي يتعامل معها تُعتبر من المحرّمات. لكنه وافق في النهاية على اللقاء في منزله. يحب حسن الأولاد، حتى لو كان آباؤهم جزءاً من «الدولة الإسلامية».

قال حسن: {استقبل القسم الذي أعمل فيه 10 أطفال في السنة الماضية}. يتلقى الأخير استمارة من مستشفى الدكتور طيب فيها معلومات عن الطفل مع عبارة {مجهول الأبوين} لإخفاء هوية الطفل ووالدته. لكن يعرف العاملون في القسم طبعاً أنه طفل «الدولة الإسلامية».

ثمة 20 مرشّحاً تقريباً لكل طفل، بحسب القاضي حسن: {من الضروري أن ينجب الناس الأولاد في المجتمع الكردي. ترتفع أعداد الأهالي المحتملين الذين ينتظرون دورهم لتبني الأطفال}. يجب أن يكون الأزواج ميسورين ويضمنوا أن يرث الطفل ثلث أملاكهم على الأقل بعد وفاة الأبوين. ويجب أن يكون الثنائي متزوجاً ولديه منزل: {يجب أن نتأكد من أنهما قادران على تأمين مستقبل جيد للطفل}.

يضع حسن أسماء تلك الثنائيات التي تلبّي المعايير المطلوبة في وعاء ثم يخلطها جيداً ويسحب اسم الفائز.

حقيقة خفيّة

في الظروف الطبيعية، يحصل الآباء بالتبني على جميع المعلومات المتعلقة بطفلهم، لكن لا يطبّق حسن هذه القاعدة مع أبناء مقاتلي «الدولة الإسلامية»، فهو يسأل: «من سيقبل بهم لو عرفوا حقيقتهم؟». من مصلحة الطفل أيضاً ألا يعرف الحقيقة بحسب رأيه.

لكن ماذا سيحصل إذا بدا شكل الطفل غريباً لأن والده كان مقاتلاً أشقر من «الدولة الإسلامية»؟ أجاب حسن: «يمكن إيجاد جميع ألوان الشعر الممكنة في المجتمع الكردي». ثم أطلق مقولة شائعة: «البطن كالبستان: تنمو فيه الأصناف كافة!».

بعد تبني طفل «الدولة الإسلامية»، يُلحَق اسمه بوثيقة زواج الأبوين الجديدين. وبعد إدراج اسمه في تلك الوثيقة، يصبح الطفل جزءاً من العائلة. لا يطرح الجيران أي أسئلة. تشكّل الهياكل القبلية إطاراً واضحاً للمجتمع الكردي. هكذا تزول وصمة العار التي تطبع أبناء «الدولة الإسلامية».

لكن لا تلجأ النساء كلهن إلى منظمات الإغاثة. قد تصاب المرأة بصدمة قوية لدرجة أنها تفضّل اختراع واقعها بنفسها فتبتكر قصة بديلة يكون فيها الطفل ثمرة علاقة حب مع زوجها رغم الإرهاب الذي تنشره «الدولة الإسلامية».

نضال لمتابعة الحياة

ساجدة فتاة يزيدية عمرها 18 عاماً، تعيش في ضواحي دهوك، وهي واحدة من تلك النساء. راحت تهزّ طفلتها نورا البالغة من العمر خمسة أشهر في المهد بالقرب منها. يعرف الجيران أن نورا ابنة {داعش} طبعاً.

بعد نصف ساعة من الصمت قالت ساجدة: {الطفلة في المهد ابنتي}. تحررت هذه المرأة منذ ستة أشهر وأنجبت نورا بعد تمضية 14 شهراً في الأسر. في الشهر التاسع من الحمل، هربت من آخر رجل امتلكها في مدينة تلعفر. بمساعدة وسيط يعمل مع شبكة كردية داخل منطقة واقعة تحت سيطرة «الدولة الإسلامية»، تمكّنت من حشر نفسها داخل صهريج ماء كي تهرب من ذلك الجحيم.

تعاني ساجدة صدمة نفسية حادة ويمكن ملاحظة ذلك في حركاتها ونظراتها وصوتها وتعابير وجهها. لكن لا يمكن التأكد من قصتها. قد تنهار ساجدة إذا اضطرت إلى الاعتراف بأن طفلتها ابنة مقاتل في «الدولة الإسلامية». لذا تفضّل الاستفاضة في الكلام عن زوجها ميسبان الذي اختفى خلال الحرب مع «الدولة الإسلامية». تعتبره بطلها، حتى أنها رسمت وشماً باسمه على ذراعها بإبرة ومعجون مصنوع من العشب. لكن لم يكن ذكر ميسبان كافياً لحمايتها من اتهامات جيرانها.

حين هاجمت «الدولة الإسلامية» بلدة ساجدة، كانت في منزل ميسبان وخُطف الاثنان معاً. ثم فصل الخاطفون بين الرجال والنساء قبل إعادة ساجدة إلى زوجها مجدداً. قال بعض الأسرى السابقين لدى «الدولة الإسلامية» إنها ممارسة اعتيادية بالنسبة إلى هذا التنظيم. نقل المقاتلون الزوجين من مكان إلى آخر: اضطر ميسبان إلى العمل في تحميل الشاحنات بينما لازمت ساجدة المنزل.

تقول ساجدة: {استمر هذا الوضع طوال سنة. خلال هذه الفترة، حملتُ بطفلتنا}.

بعد أن نجح بعض العائلات في الهرب، فرّق مقاتلو «الدولة الإسلامية» بين الزوجين. بعد تسعة أشهر من الأسر، بيعت ساجدة للمرة الأولى: «كنت حاملاً حينها في الشهر الرابع». تقول إن أول مقاتل اشتراها أجرى لها تصويراً بالموجات فوق الصوتية، ثم أعادها وكأنها بضاعة شائبة. ثم ضربها المقاتل الثاني بوحشية في معدتها على أمل أن تجهض، واحتفظ بها الرجل الثالث لخمسة أيام. أما الرابع، فكان رجلاً مسناً وأجرى لها بدوره تصويراً بالموجات فوق الصوتية واكتشف أنها حامل بفتاة. فقال لها: «سأقتلها ثم أبيعك مجدداً». في تلك المرحلة، لم يبقَ إلا عشرة أيام على ولادتها.

حين ذهب الرجل الرابع في رحلة، استعملت ساجدة حاسوبه للدخول إلى موقع فيسبوك، فاستعملته للتواصل مع الشبكة التي حررتها وأنقذتها لاحقاً. بعد تحريرها، صامت لستة أيام كتعبير عن شكرها لله. وُلدت نورا في أحد مستشفيات دهوك. لكن تقول الأم إن الأحداث كلها جرت بسرعة فائقة لدرجة أنها ما عادت تتذكر الأيام الأولى بعد تحريرها. ثم قالت بهدوء: {أنا متأكدة من أن نورا ابنة زوجي. لكن لا يصدّقني أحد إلا أهلي}.

قبل بضعة أيام من ولادتها، مرّ بعض الجيران بمنزلها، فدخلوا إلى غرفة المعيشة وقالوا لها: {طفلتك ابنة {داعش}. لماذا لم تجهضيها؟}. وفي السوق، قال شخص لشقيقتها: {كان من الأفضل أن تقتلوا ابنة {داعش}}. حين سمعت ساجدة هذا الكلام، ركضت مع نورا إلى الحمّام. أرادت أن تخنقها بوشاح ثم تقتل نفسها، لكن لحقتها والدتها ومنعتها.

تحاول ساجدة الآن تجاهل ما يقوله الجيران. أخرجت نورا من المهد وأنزلت سروالها وكشفت عن كدمة على مؤخرتها. تقول إن رجلاً من «الدولة الإسلامية» ضربها بعنف وأذى نورا أيضاً وقد كانت تلك البقعة سوداء منذ ولادتها. من الناحية الطبية، تُعتبر القصة التي ترويها مستبعدة. يصعب أن نصدّق أنّ كدمة مماثلة يمكن أن تبقى على حالها بعد هذه الفترة الطويلة.

ثم أضافت: {أنا أيضاً أضرب نورا حين تصرخ ثم أعطيها لوالدتي فوراً}. وحين تحزن الطفلة، تقول الأم إنها تشعر بالحزن والغضب أيضاً.

تبذل ساجدة كل ما بوسعها كي تكون أماً لنورا، فتبتسم لها ولو مرغمة وتهزّ مهدها ثم تجلس بعيداً عنها. شارك والد ساجدة في النقاش عن الأوراق الثبوتية الخاصة بنورا، إذ لم تتمكن العائلة من الحصول عليها لأن ميسبان غير مسجّل رسمياً كزوج لساجدة وما من وثيقة زواج تثبت الرابط بينهما. أزعجت تلك المحادثة ساجدة فثارت في أنحاء الغرفة كحيوان جريح. بالكاد تخرج من المنزل الآن. انتقلت ساجدة من سجن إلى آخر مع ابنتها.

منذ بضعة أسابيع، دعتها منظمة غير حكومية إلى أربيل لأخذ دروس في اللغة. على مر 10 أيام، تعلّمت مفردات إنكليزية مع نساء أخريات نَجَيْنَ من إرهاب «الدولة الإسلامية». كنّ يغسلن أقدام بعضهن ويشاهدن الفيديوهات على هواتفهن الخلوية ويتنزّهن في الشوارع ويشربن عصير الرمان كما كنّ يفعلن في الماضي. شعرت ساجدة بالسعادة والحرية. لكن لازمت ابنتها نورا مهدها في المنزل.

ساجدة امرأة لها عزة نفس وكانت تحلم بأن تصبح محامية. لا تزال تتذكر كل الظلم الذي لحق بها وبأصدقائها في مدرستها خلال طفولتها. لكن حين صعدت إلى الحافلة في أربيل للعودة إلى منزلها، لم تفكّر إلا برغبتها في أن تكون أماً لنورا. لكنها تعرف أن المهمّة ستكون صعبة!