دقّت ساعة الحسم مع انطلاق الانتخابات الرئاسية الأميركية التمهيدية. في هذه المعركة الانتخابية، يخالف الجمهوري الثري دونالد ترامب والديمقراطي النقي والصلب بيرني ساندرز التوقعات كافة.

يحتفظ ترامب بتعليقاته القاسية وانتقاداته اللاذعة لاجتماعاته. أما عندما يمضي الوقت مع مَن يحبهم، فيكون أباً نموذجياً مستعداً دوماً لنقل عشقه للرياضة إلى ولده {بارون}، وزوجاً محباً لا يمرّ يوم من دون أن يتّصل مرات عدة بزوجته ميلاني. أطلق «عملاق العقارات» هذا ترشيحه للرئاسة الأميركية في شهر يونيو عام 2015، ويحرز على ما يبدو تقدماً كبيراً نحو الهدف. ففي التاسع من فبراير، حصد 35% من الأصوات في نيوهامشير، أهم معاقل حزبه. وهكذا يخلط ترامب، الرجل الأيقونة الذي لا يمكن التحكم فيه، الأوراق كافة ويخطف الأنظار بقدر ما يثير الاستياء. تُعتبر ميلاني داعمه الأول والأوفى. ولما كانت أماً واعية، فإنها لا تنسى التركيز على تعليم ابنهما، الذي يمثل مستقبل هذه السلالة.

Ad

منذ أن تزوجت «عملاق العقارات» عام 2005، صارت المرأة الأقرب إليه في العالم، وقررت التحدث حصرياً إلى مجلة «باري ماتش» عن زوجها وحملته.

يخطف المنظر الأنفاس. عندما تقف إزاء الواجهة الزجاجية في منزل ترامب الفاخر في الطابق السادس والستين والأخير في برج ترامب في الجادة الخامسة، ترى مانهاتن بأدق تفاصيلها. تُسَرّ ميلاني، وهي معلَّقة في سماء نيويورك التي تشهد عرضاً متواصلاً من رقصات الطائرات المروحية، برؤية الذهول على وجوه زائريها الذين يقفون صامتين أمام روعة المشهد. وتسارع إلى القول وعلى ثغرها ابتسامة: {لا أشبع منه}. إلا أن نظراتها تضطرب عندما تلمح في طرف الجزيرة موقع برجَي التجارة العالمي، الذي تحوَّل إلى ندبة في وجه منطقة {وول ستريت}. تضيف: {كنت أقف هنا في 11 سبتمبر عام 2001 حين اصطدمت الطائرتان ببرجَي مركز التجارة العالمي. رأيت لهب النار وسحب الدخان المهولة. كان الوضع مرعباً}. جلست ميلاني في إحدى الكنبات الفاخرة، واضعةً أمامها فنجان قهوة، واستعدت للمقابلة بجرأتها المعهودة. تشعّ ميلاني، التي تبلغ من العمر 45 سنة، جمالاً، هدوءاً، وتماسكاً، وهي واثقة من أنوثتها التي عززتها الأمومة.

ميلاني الزوجة الثالثة لدونالد ترامب (69 سنة). تقابلا قبل 15 سنة وتزوجا عام 2005. وقد أنجبت منه صبياً يُدعى بارون، وهو اليوم في التاسعة من عمره. يُعتبر {بارون} الابن الأصغر لهذا الثري، بالإضافة إلى أربعة أولاد آخرين وستة أحفاد من زيجتيه السابقتين.

يقوم زواج ميلاني وترامب على {القوة الهادئة} التي كانت للزوجة مساهمة كبيرة في صوغها. نتيجة لذلك، تستند حياة الزوجَين ترامب إلى توزيع صارم للأدوار والمساحات: لدونالد إدارة الأعمال وأخيراً الحياة السياسية، ولميلاني تنظيم شؤون المنزل وتعليم بارون. لكنَّ بصمتها لا تقتصر على المنزل. فلميلاني تأثير خفي إنما كبير في زوجها. صحيح أن ترامب يقف أمام الكاميرات وفي الأضواء وعلى المسارح، إلا أن ميلاني تفضّل لحظات الحوار بينهما في كنف المنزل، حيث لا تتردد في التعبير عن رأيها والدفاع عن أفكارها. قالت: {يصغي، ثم يقرّر ما إذا كان كلامي يقنعه. لكنني أعبّر عن رأيي في مطلق الأحوال}.

عندما سألناها عن قوة شخصيتها هذه، التي يصعب عليك تمييزها بسرعة لأنها تختبئ وراء فيض من جمال ورقي وهدوء، أجابت: {بدأتُ العمل في مرحلة باكرة من حياتي. غادرتُ وطني الأم سلوفينيا في السادسة عشرة من عمري لأصبح عارضة أزياء. وهكذا تمتّعت باستقلال مالي في سن مبكرة. كنت أعيش وأعمل في باريس، لندن، وميلانو. أعتقد أن الأهم أن نقوم بما علينا فعله وأن نحقّق رغباتنا بالكامل وأن نستغل إرادتنا إلى أقصى حد ممكن. ويؤيدني دونالد بقوة في هذه الفكرة: عدم التذمّر وعدم التأفف مما يحمله القدر بل مواجهته. لست امرأة خنوع لا تكفّ عن قول {نعم} حتى لزوجها. صحيح أنني أدعمه بالكامل، إلا أنني لا ألغي شخصيتي}.

حملات واستطلاعات

ولكن كيف تتفاعل مع قساوة الانتخابات التمهيدية، هجمات الخصوم، واستفزازات يهواها زوجها؟ اشتعلت حملة ترامب الانتخابية مع نجاحات حققها في استطلاعات الرأي، ثم في النتائج الأولية في صناديق الاقتراع. يدعوه خصومه {الرجل الذي يجب كرهه}. فمن الليبراليين إلى المحافظين (أو مَن يُعرفون بالمؤسسة في الولايات المتحدة)، يعتبر الجميع دونالد ترامب تهديداً سياسياً خطراً بقدر موجة تسونامي. في شهر يونيو عام 2015، حين أعلن ترشّحه للانتخابات الرئاسية، لم يراهن أي خبير مطلقاً على مستقبله السياسي. فقد اعتبر معظم المعلقين أن هذه مجرد مناورة دعائية لا أكثر، علماً أن ترامب اعتاد مناورات مماثلة بعد نجاحه في عالم العقارات وتلفزيون الواقع مع برنامجه The Apprentice. وظنوا أن حملته ستذوب في غضون أسابيع كالثلج تحت أشعة الشمس.

لكنَّ التطورات اتخذت منحى معاكساً: صحيح أن الانتخابات لم تُحسم بعد، إلا أن ترامب صار اليوم مرشحاً بالغ الأهمية في الانتخابات التمهيدية الجمهورية. وتعزو ميلاني هذا النجاح إلى خطاب زوجها الصريح. أوضحت: «يعتبره ملايين الناس مختلفاً عن المرشحين الآخرين لأنه صادق. يقوم بما يقوله أو لا يتفوه بكلمة. يطرح مشاكل هذا البلد بوضوح تام. كذلك، ينجح في كل عمل يقوم به. يرى دونالد الواقع جلياً ويطرح دوماً حلولاً عملية. لا يحاول، على غرار الآخرين، إخفاء الأوساخ تحت السجادة ليوهم الناس بأن الأمور تسير على خير ما يُرام. يفضّل العمل. يخاطب المواطنين الأميركيين بقلبه. أما أنا، فعليَّ أن أقر بأنني لم أتوقع هذا النجاح الكبير. تجذب اجتماعاته بين 15000 و20000 شخص، ويتتبعه الملايين على مواقع التواصل الاجتماعي، فضلاً عن أنه الأوفر حظاً في استطلاعات الرأي. وهكذا حققت هذه الحملة تقدماً كبيرة، ويُعتبر دونالد محركها الأول. ولا شك في أن هذه ظاهرة اجتماعية بقدر ما هي سياسية». ولكن ماذا تقصد ميلاني بكلامها هذا؟ «أولاً، يقود حملته باستقلال مالي، ما يمنحه حرية يفتقر إليها أي مرشح آخر في علاقته مع الحزب الجمهوري، وسائل الإعلام، ومجموعات الضغط. بالإضافة إلى ذلك، يحتك مباشرة بالناس، فلا يخاطبهم عبر جيش من المستشارين. ولا يسمح لأي شخص بإعداد خطاباته ومداخلاته. ما من وسطاء: يتعاطى مباشرة مع الناس. سأقدم لكم الدليل. هل زرتم صالة حملته؟». نفاجأ حين ندرك أن مقر حملة ترامب في الطابق الخامس من برج ترامب لا يضم سوى ثلاثة أشخاص، مع أننا كنا نتوقَّع مشاهدة حماسة عشرات من المتطوعين. في مقر هذه الحملة في «شركة ترامب»، تشكّل النساء الأكثرية.

تمثل ابنته إيفانكا (34 سنة)، التي تشارك في حملته، وابنَاه دون وإيرك جزءاً لا يتجزأ من إدارة إمبراطورية ترامب، التي تضم نحو 50 برجاً في الولايات المتحدة وحول العالم، عشرات ملاعب الغولف، وغيرها من مشاريع. وقد عُرضت تفاصيل ثروة دونالد ترامب في مستهل سعيه إلى بلوغ البيت الأبيض عندما أعلن ترشحه، فقدّرها هو بنفسه بنحو 10 مليارات دولار.

الحملة الانتخابية

ما هو دورك أنت، ميلاني، في هذه الحملة الانتخابية؟

دوري بسيط جداً: أنا زوجة وأم. أهتم بابني بارون. أُعلّمه أن ما من حرية من دون مسؤولية، وما من حق من دون واجب، وأن العمل والجهد أهم ما في الحياة. أما في ما يتعلق بزوجي، فلا داعي لمرافقته في لقاءاته كافة. يبقى دوري الأكبر في المنزل. أحاول أن أؤمن له جواً من السلام والهدوء يسمح له باستعادة طاقته والاستعداد لمواجهة هذا السباق القاسي. صحيح أنني أشارك أحياناً في المناظرات المتلفزة، إلا أنني أحرص في المقام الأول على أن يبقى دونالد محاطاً بأشخاص مناسبين وأن يكون محمياً عندما يعود إلى أحضان عائلته. أما في المسائل الأخرى، فهو يدرك أنني أؤيده بالكامل.

هل ترين نفسك في دور السيدة الأولى؟ لا بد من أنك فكرتِ في هذه المسألة...

لم أفكّر فيها صراحة. أعتمد في حياتي فلسفة عيش كل يوم بيومه وعدم بناء خططي على أحلام. فيكفي اليوم شرّه.

هل اختبرتِ الوجه الآخر من شخصية زوجك؟

لا يمكننا مطلقاً تبديل الناس. إنه أمر مستحيل. نتقبلهم على طبيعتهم أو نتفادى العيش معهم. أعتقد أن على كل منا احترام الآخر بشخصيته وبكل ما يميزه. لطالما قامت علاقتي مع دونالد على هذه الأسس. وهكذا نحافظ على تماسكها.

ما هي لحظتك المفضلة مع دونالد، لحظة شعرت خلالها أنك في ذروة السعادة؟

هذه اللحظات كثيرة. لكن اللحظة التي تخطر على بالي في الحال حين نكون أنا وزوجي وابني وحدنا في السيارة نتنقل بهدوء. يجلس دونالد وراء المقود وبارون إلى جانبه وأنا في الخلف. فأتمنى ألا تنتهي هذه اللحظة.