رغم استمرار الحرب في سورية، يبذل الناس العاديون قصارى جهدهم كي يصمدوا في أماكن مثل قرية كورين. أصبحت هذه البلدة أشبه بجمهورية مصغرة لديها شبكة لاسلكية خاصة بها في ساحة البلدة. لكن بدأ عددها السكاني يتراجع تدريجياً. {شبيغل} سلطت الضوء على هذا الموضوع.

كانت أشجار كرز المحلب قد أزهرت حين بدأت الكارثة. لم تكن تلك الحوادث متوقعة بأي شكل. لكن قام سكان كورين والقرى المحيطة بها بما يلزم لتدبّر أمورهم. منذ فصل الشتاء، بعد سنتين من المراوحة على جبهة القتال، احتلوا سريعاً آخر مواقع للجيش السوري في محافظة إدلب. وبعد هرب قوات النظام من عاصمة المحافظة في نهاية شهر مارس، بدأ القصف. إنه نمط مألوف في سورية: بعد أن يحتل الثوار قاعدة للجيش أو مطاراً أو مدينة، تصل القوات الجوية كي تقصفهم من الجو.

Ad

طوال أسابيع، حلّقت مروحيات النظام على علو يتجاوز نطاق أسلحة الثوار وأسقطت نصف طن من القنابل المتفجرة فوق كورين. بدأت الضربات الجوية تتلاشى في الوقت الذي أزهرت فيه أشجار الزيتون. برزت الحاجة إلى استعمال الطائرات في أماكن أخرى، وكان يجب معاقبة قرى إضافية. في كورين، عاد سكان القرية من بساتين الزيتون. بعد فترة قصيرة، استقر ثلاثة أرباع السكان السابقين (يبلغ عددهم 11 ألف نسمة) في البلدة مجدداً، فراحوا يجمعون الحجارة ويخلطون الإسمنت ويوزعون الأغطية القماشية لإصلاح منازلهم. لو لم تكن الحرب مستمرة، كان يمكن اعتبار الصيف المنصرم هادئاً.

لكن يبدو أنه هدوء بين العواصف، فقد كان الوضع هادئاً وهشاً في آن، وكأنه قارب صغير في محيط هائج. من الواضح أن كورين والمنطقة المحيطة بها، إلى جانب مئات البلدات والقرى الأخرى، تعيش في حالة من الفوضى منذ أربع سنوات تقريباً.

وكأنّ شخصاً أطلق تجربة شريرة لمعرفة ما يحصل عند التخلي فجأةً عن جميع العوامل التي تخدم النظام العام، أي حين تختفي الشرطة والمحاكم وجميع أسس الدولة فجأةً من دون ظهور أي بدائل عنها، أو حين تعود دولة قديمة للظهور عشوائياً لنشر مظاهر الموت والدمار. يذكّرنا هذا الوضع بحكايات الخيال العلمي عن {نهاية الأزمنة} حيث تجد جحافل الغزاة نفسها في معركة مستمرة على الوقود والماء والنساء. لكن ما هو الوضع الحقيقي؟

احتفل السكان المحليون في ربيع عام 2012 حين انسحب الجيش من آخر معاقله في محافظة إدلب ومن المدن التي تخضع لسيطرته غداة جولات قتال محتدمة. ظنوا أن انهيار دكتاتورية بشار الأسد بات وشيكاً لكنهم كانوا مخطئين. خلال السنتين اللاحقتين، راح الجيش يطلق وابلاً من المدفعيات من وقت إلى آخر على كورين من مركزه الواقع على بُعد ثمانية كيلومترات تقريباً. في النهاية، انسحبت قوات النظام لكن بدأت مظاهر الموت بعدها تسقط من السماء لفترة معينة. عدا هذه الحوادث، عاش السكان في جو من الهدوء وسط المناظر الطبيعية الخضراء بين التلال. بدت البلدة أشبه ببقعة هادئة وسط حرب مشتعلة.

يعيش سكان آخرون وراء تلك التلال. لا تبدو المسافة بعيدة وهم ليسوا أعداءً حقيقيين بحسب قول عزيز هجيني، لكنّ {المكان ليس آمناً بالكامل}. كان هجيني أستاذ لغة إنكليزية في عاصمة المحافظة لكنه أصبح الآن مستشاراً نافذاً في البلدة. في نهاية عام 2015، كان الجو هادئاً في كورين. يعرف جميع الناس هنا بعضهم البعض. بدل أن ينهار النظام العام بكل بساطة، تقلّص بعض الشيء. يقول هجيني: {أصبحت كورين دولة بحد ذاتها مثل جميع البلدات هنا}. تشكّلت مجموعة من الدول الهشة كي تدافع عن نفسها. طوال سنوات، حرصت وسائل الإعلام على اعتبار سورية بلداً تتآكله الأهوال ومظاهر الدمار بسبب الانفجارات والهمجيين الذين يرتدون ملابس سوداء ويقطعون رؤوس ضحاياهم أمام الكاميرا. لكن تكثر الأماكن التي تبذل قصارى جهدها لتجاوز مظاهر القتال، وكأنها جزر مستقلة وسط العاصفة.

يشبه التنقل من بلدة إلى أخرى اليوم «عبور الحدود الدولية» بحسب قول العضو المسؤول عن تأمين إمدادات المياه في مجلس بلدة كورين: «تشمل كل منطقة جماعات ثورية مختلفة ويبدو بعض البلدات متديّناً أكثر من غيره ويسود انقسام حاد في مناطق أخرى». زاد خوف الناس من الآخرين تلقائياً، وهو خوف من أشخاص لا يعرفونهم جيداً ولا يقدمون أي تدابير تضمن الحماية. بدأ الناس يبتعدون عن بعضهم ويفضلون البقاء في محيطهم المحصور والآمن نسبياً.

تضامن بين السكان

يبدو هذا الهدوء مدهشاً نظراً إلى قدرة الناس على التسلح بكل بساطة. اليوم، يسهل أن يقتل الناس أي شخص حين يرغبون في ذلك، وقد باتت محاسبة المجرمين مستحيلة من دون المجازفة باندلاع نزاع دموي. أصبحت الشرطة غائبة، وحتى لو وُجدت، لم يعد الاتصال بها ممكناً. لا يعني ذلك أن النظام القضائي كان موثوقاً في عهد الأسد، لكن كانت الدولة موجودة على الأقل. اليوم، يسود توازن هش يمكن أن يتزعزع في أي لحظة، وبات التفاوض إلزامياً حول جميع المواضيع، واستُبدلت السلطات بالعلاقات الشخصية ومظاهر التضامن بين سكان البلدة.

حين وُجدت جثة شاب ضُرب حتى الموت بالقرب من بلدة كورين في مايو 2014، بدأ مجلس القرية المؤلف من 10 أشخاص تم اختيارهم من بين ممثلين عن كل عائلة التحقيق بالقضية بقدر ما تسمح له قدراته. من آخر شخص شاهد الضحية وهل كان معه أحد؟ رآه شاهد وهو يتجادل مع اثنين من أنسبائه البعيدين. اعترف الاثنان بالجريمة لكن كانت تلك بداية المشكلة. كيف يمكن تجنب نشوء نزاع دموي؟

يوضح هجيني: {أحلنا القضية إلى المحكمة الشرعية في مدينة بنش لأنها تتمتع بسمعة جيدة في المحافظة كلها وتشمل واحداً من أفضل القضاة في المنطقة}. يقول هجيني إن المحكمة لا تطبق التعاليم الإسلامية الصارمة التي ترتبط عموماً بالشريعة، لكنّ اسمها يجعل الناس يقبلون أحكامها بسهولة.

كان التعامل مع قضية القتل صعباً. لم يكن الحكم بالسجن ممكناً نظراً إلى غياب السجون في المنطقة وكان حكم الإعدام ليقسم البلدة. لذا تفاوضت المحكمة لتحديد دية المقتول بقيمة 7 ملايين ليرة سورية، أي ما يساوي 32 ألف يورو. كان ذلك المبلغ طائلاً واضطرت عائلة المعتدي إلى بيع الذهب والأراضي كي تدفع المبلغ. كذلك، مُنع القاتلان من دخول القرية طوال سنة.

بدا قرار النفي شبيهاً بممارسات العصور الوسطى. لكن أعاد مسار الحياة في القرية تجديد مظاهر الماضي على مستويات أخرى أيضاً. فقد بدأت المنطقة تتكل مجدداً على الأغذية التي تزرعها وتحصدها حصراً، أبرزها الزيتون والتين والمحلب الذي يحمل رائحة شبيهة بالمرصبان ويكون مصنوعاً من بذور كرز المحلب ويُستعمل في قوالب الحلوى والأطباق الحلوة والمراهم. ينشط التبادل التجاري بين قرى أخرى تقع على ارتفاع أعلى أو تملك كمية إضافية من الماء وتزرع الخوخ والشمام والبطاطا والفلفل. لكن يباع كل كيلوغرام من أغلى منتج في كورين، أي بذور كرز المحلب، مقابل 8 يورو ولا يزال تصديره مستمراً. ينقل الوسطاء التجاريون البذور عبر جبهات القتال وصولاً إلى دول الخليج والسودان حيث تُعتبر أساسية لإنتاج خليط تقليدي تتعطر به المرأة كي تحافظ على رائحة جميلة رغم الطقس الحار. كان الحصاد جيداً هذه السنة بحسب قول المزارعين. فقد كان المطر كافياً وبدأ ينهمر في وقت مبكر من السنة، فشعروا مجدداً بالأمان كي يسافروا إلى أبعد بساتين الزيتون وكرز المحلب التي زرع فيها الجيش الألغام سابقاً. دفع بعض المزارعين حياتهم ثمناً لتلك الاستراتجية.

شبكة لاسلكية في البلدة

تصل إمدادات الديزل الذي يُستعمل كوقود للسيارات ومولّدات الكهرباء إلى كورين عبر الوسطاء التجاريين حصراً، فهم يجلبونها عبر مسارات محددة تقود إلى البلدة. في واحدة من أكبر محطات الوقود التي تتألف من قبو سخامي يحتوي على براميل، يصف المالك يَزَن تفاصيل عروضه: في بداية عام 2015، طُرح ديزل {نظامي} مقابل 110 ليرات سورية لكل ليتر، و{ديزل الدولة الإسلامية} مقابل 90 ليرة، و{ديزل صافٍ من الدولة الإسلامية} مقابل 100 ليرة. في نهاية السنة، لم يبق إلا {ديزل الدولة الإسلامية} مقابل 125 ليرة لكل ليتر، أي نحو 50 يورو. حين سُئل يزن عن الوقود الذي يأتي من العدو، أجاب باختصار: {هذا صحيح، لكن ما العمل في هذه الحالة؟}. يشعر بقلق أكبر من تقلّب الأسعار في سوق الوقود. حين أوقفت {الدولة الإسلامية} تهريب الوقود لفترة، ارتفع ثمن الديزل الذي يبيعه المجاهدون، لكن أراد المهرّبون رفع أسعار الديزل {النظامي} لأنهم كانوا يستطيعون المطالبة برفع الأسعار بكل بساطة. يقول يزن إنه احتاج إلى فترة معينة كي يعتاد على هذه العمليات: {في النهاية، لم تكن مهنتي موجودة. كان كل شيء بيد الدولة}.

بعد أن أصبحت الحياة بدائية لهذه الدرجة في بعض المناطق، أدت آثار الحرب إلى عصرنة مناطق أخرى: كل مساء، تغرق بلدة كورين في ضوء أبيض باهت. يستعمل معظم الناس هنا أضواءً تعمل بصمام ثنائي باعث للضوء وتكون متصلة بالمولّدات أو بحزم من البطاريات عالية الجودة.

عاد خبير في مجال تكنولوجيا المعلومات إلى بلدته الأم كورين بعد أن عمل سابقاً في وزارة الداخلية في حلب وركّب منشأة عاملة بالأقمار الاصطناعية وبعض النقاط الساخنة لمدّ شبكة الإنترنت. منذ عام 2013، ثمة شبكة لاسلكية في ساحة البلدة الأساسية ويمكن شراء قسائم من المتاجر لاستعمال الإنترنت. أثناء مدّ الأسلاك في أحد النقاط الساخنة، قال خبير تكنولوجيا المعلومات، محمد، ساخراً: {على الأقل لم أضطر إلى إحداث أي ثقوب. استعملتُ بكل بساطة ثقوب الرصاص التي خلّفها غزو الجيش الأخير}. في نهاية عام 2015، شملت كورين أربع شركات توفّر خدمات الإنترنت وسعت جميعها إلى استعمال هوائياتها الخاصة لتضخيم الإشارات التي تبثها الشركة التركية التي تزوّد البلدة بخدمات الهاتف الخلوي.

يكرر بعض المتطرفين طبعاً أن الإنترنت مصدر لجميع أنواع الخطايا، لكنهم يستعملون الشبكة بدورهم ولم يتمكنوا يوماً من إحراز التقدم في كورين. لا أحد في هذه البلدة يقاتل مثلاً مع {جبهة النصرة} المتطرفة التي زادت قوة في مناطق أخرى من إدلب. مع ذلك، انضم 10 أشخاص من البلدة إلى {الدولة الإسلامية} وقصدوا الرقة بحسب قول سكان القرية. يتذكر هجيني أن هؤلاء الأشخاص كانوا غير متزنين: {كان أحدهم يعمل مع ثلاث مجموعات ثورية قبل أن يصبح أخيراً عضواً في {الدولة الإسلامية}. الأمر المضحك أنه كان يدخن كثيراً. لا أعرف كيف يصمد بين المجاهدين}. يتعرض كل من يُضبَط وهو يدخن في المناطق التي تسيطر عليها {الدولة الإسلامية} لضرب مبرح. تواصل شخص آخر مع زوجته من الرقة (الفيسبوك موجود في {دولة الخلافة} أيضاً!) وطلب منها الانضمام إليه مع أولادهما. لكنه أعلن في الوقت نفسه أنه تطوع لتنفيذ عملية انتحارية. يقول هجيني وهو يهز رأسه إن أحداً لا يفهم حقيقة ما يحصل.

دوامة خطيرة

تقتصر رؤية الغرب للحرب السورية على نظام الأسد و{الدولة الإسلامية} الوحشية والبارعة في نشر حملاتها الترويجية. استولت الجماعة على مساحات واسعة من الأراضي في سهوب صحراوية ذات كثافة سكانية منخفضة في شرق سورية، لكنها لم تحرز تقدماً كبيراً في معاقل حركة التمرد الأكثر اكتظاظاً في إدلب وحلب شمالاً، وفي حماة في وسط سورية، وفي درعا جنوباً. لكن بالنسبة إلى المقيمين هناك، تبدو {الدولة الإسلامية} مخيفة بقدر ما هي عليه بالنسبة إلى الغربيين. غالباً ما تُعتبر هذه الجماعة المتطرفة أكثر خطورة من غيرها لأنها تتمركز على بُعد عشرات الكيلومترات.

بعيداً عن {الدولة الإسلامية}، تتلقى الجماعات المتديّنة دعماً من الناس في قرى كثيرة من محافظة إدلب. تتعدد أسباب هذا الدعم وغالباً ما تكون بسيطة وترتبط بالرغبة في تقوية المعايير الأخلاقية في ظل غياب المؤسسات الفاعلة أو قد تعكس طريقة لمواساة الذات في وجه العنف المتواصل. لكن يتعلق هذا الدعم أيضاً بالنفوذ والمال. في عام 2012، حين بدأ الثوار المعتدلون الذين ينتمون إلى {لواء شهداء إدلب} بخطف عملاء النظام كي يقايضوهم لاحقاً بالسجناء أو المال، نشأت دوامة خطيرة. أقدم عضوان من {لواء شهداء إدلب} في كورين على خطف مزارعين ورجال أعمال أثرياء. كان أحد الأشخاص المخطوفين رجل أعمال من مدينة أريحا المجاورة وانضم لاحقاً إلى {جبهة النصرة} للوصول إلى الخاطفين. ثم سافر وفد من {جبهة النصرة} إلى كورين لاعتقال المعتدين. بعد مفاوضات طويلة، سلّمت كورين واحداً من الخاطفَين بعد تلقي وعد بمحاكمته بدل قتله، وهرب الخاطف الثاني. رغم تحذير الجميع من توسع نزعة التطرف من واشنطن إلى موسكو، يتم تجاهل معضلة أساسية تواجه المعارضة. تعكس الجمهوريات الناشئة داخل قرى مثل كورين وعود الثورة وحدودها. من جهة، يبدو ابتكار هذه الدول المصغرة وصلابتها مدهشَين. ورغم العدائية التي تواجهها، هي تعمل على مستوى محلي لكن ينحصر عملها في هذا النطاق. ما يحصل في سورية يشير إلى ثورة السكان المحليين الذين يتذمرون صراحةً من قلة كفاءة المعارضة في المنفى وهم محقون في ذلك. لكنهم لا يستطيعون استبدالها. يدركون المصالح المتضاربة حتى بين مناصريهم (مثل المملكة العربية السعودية في مواجهة قطر، وهذين البلدين في مواجهة الولايات المتحدة)، لكنهم لا يجتمعون مطلقاً. يريدون أن يسقط الأسد وأن تنشأ دولة منصفة وفاعلة نسبياً. لكن لا أحد يعلم الجهة التي يجب أن تحقق هذه الأهداف.

لا تزال جمهورية كورين المصغرة والمستقلة التي تستفيد من شبكة لاسلكية في ساحتها ويسود فيها خوف مكتوم من كل ما يقع وراء التلال المجاورة معرّضة لتقلبات هذه الحرب.