هل يمكن أن تكون روسيا جدية في تصريحاتها حول الدلافين؟ لا يستطيع أحد التـأكد من ذلك! لا يُعتبر استعمال الدلافين حدثاً جديداً بالنسبة إلى روسيا: خلال الحرب الباردة، استعمل البلد هذه النسخة الزلقة من الجنود لتنفيذ مهام عدة مثل رصد الغواصات وتحديد مواقع الألغام وحماية السفن والموانئ وفق مصادر العقيد المتقاعد فيكتور بارانيتس. بدأت البلدان تجنّد هذه الكائنات الذكية والمرنة لأداء مهام عسكرية تحت الماء منذ أكثر من 50 سنة.

لكن لم يكن حشد جيش من الدلافين فكرة روسية بل أميركية.

Ad

بدأت قصة الدلافين الحربية في ظروف بريئة. في عام 1960، أراد الباحثون العسكريون تحسين تصميم الصواريخ. بدت الدلافين الجميلة والحيوية في الماء الحيوان المثالي الذي يمكن تقليده. لكن عند فحص أنثى دلفين لديها بقعة بيضاء على جنبها واسمها {نوتي} في المحيط الهادئ، أدرك الباحثون سريعاً أن الدلافين لا تتمتع بتصميم فاعل فحسب. يقول إيد بودزينا، متحدث باسم سلاح البحرية الأميركي: {كانت الدلافين قابلة للتدريب ومرنة أيضاً. مهّدت هذه الصفات لاستعمالات أخرى}.

تحوّلت تلك {الاستعمالات الأخرى} إلى {برنامج تدريب الثدييات البحرية} في سلاح البحرية الأميركي في سان دييغو، كاليفورنيا، علماً أنه يشمل اليوم 85 دلفيناً (تراجع عددها بعد أن بلغ ذروته في محميات الثدييات البحرية في عام 1995، حين كانت الولايات المتحدة تملك أكثر من 150 دلفيناً مدرّباً وحوتاً أبيض ونحو 50 أسد بحر). قبل اختيار الدلافين، جرّب سلاح البحرية ثدييات بحرية أخرى. فاكتشفوا أن الحيتان القاتلة تستطيع أن تستعيد أغراضاً على عمق 1654 قدماً، بينما تستطيع الحيتان البيضاء الغوص على عمق 2100 قدم. لكن على مستوى الدقة، لم يتفوق أي نوع من الحيتانيات على الدلافين.

اختيار منطقي

يبدو اختيار الدلافين لأداء المهام العسكرية منطقياً بحسب رأي تيري ويليامز، اختصاصية في فيزيولوجيا الثدييات في جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز بدأت تدرس الدلافين منذ عام 1990: {إذا أردنا حيواناً لحراسة المياه، كنت لأختار الدلافين}. لا شك في أنها مطّلعة على ما تقوله، فقد عملت ويليامز كباحثة في {برنامج الثدييات البحرية} خلال التسعينيات ونشرت دراسات عن المعطيات الفيزيولوجية لدى الدلافين. لكن لماذا لا نختار أسماك القرش؟ تجيب ويليامز: {لأسباب بديهية} (يكون تدريب أسماك القرش أكثر صعوبة وخطورة)!

تتدرب الدلافين في سلاح البحرية على مهمّتين أساسيتين ولا تشمل أيّ منهما القتال. أولاً، تتعلم أن تجد الألغام تحت الماء (كتلك التي يصعب تحديد موقعها وتكون شبه مدفونة على عمق مئات الأمتار) كي يتمكّن سلاح البحرية من رسم خارطة وجودها ويتجنبها أثناء القتال. ثانياً، تتعلّم أن ترصد وجود السباحين الأعداء لإنذار سلاح البحرية بدل شن الهجوم. لتحقيق هذا الهدف، تتعاون الدلافين مع مدرّبين يجهّزونها بعوامات مخروطية توضع حول خرطومها. حين يجد الدلفين سباحاً، يطلق العوامة التي تطوف وتومض كي تجد القوات البحرية ذلك السبّاح.

في هذه المساحات، تتمتع الدلافين بصفتين تتفوق بهما على الجميع: القدرة على الغوص ونظام السونار. مثل معظم أنواع الحيتانيات (الثدييات البحرية التي تشمل الحيتان والدلافين وخنازير البحر)، يمكن أن تغوص الدلافين بعمق، لفترة تصل إلى 10 دقائق في كل مرة. حين تحدّد جسماً تحت الماء، يمكن أن تبلغه بسرعة وفاعلية. لكن يتفوق السونار لدى الدلفين على جميع الكائنات الأخرى بحسب قول ويليامز التي تُشبّه السونار لدى هذا الحيوان بالقدرة على تلقي كميات متلاحقة من الأشعة السينية في محيطنا قبل جمعها في صورة ثلاثية الأبعاد.

أضافت ويليامز: {بالكاد لدينا معايير لقياس قدرة تلك الحيوانات على التمييز بين الأجسام في الماء. لم تتمكن أي تكنولوجيا من مضاهاتها بعد}.

بعبارة أخرى، تُعتبر هذه الحيوانات أفضل أدوات بحث في العالم.

يوافقها بودزينا الرأي. مع تحسّن التكنولوجيا، قد يصبح {برنامج الثدييات البحرية} بالياً بحسب قوله. لكن في الوقت الراهن، لا يمكن التفوق على الدلافين لتحديد موقع الأجسام تحت البحر، لا سيما السباحون الأعداء الذين يطلقون حركات حيوية وغير متوقعة أكثر من الألغام الثابتة: {تكون الدلافين مصمّمة للتكيف مع بيئتها}.

رغم نشوء {برنامج الثدييات البحرية} منذ عام 1960، لم تشاهد الدلافين أي معارك قتالية بحسب قول بودزينا. لكنها اقتربت من هذه الأجواء خلال حرب فيتنام، حين استُعملت لحماية السفن والغواصات في القاعدة الأميركية في خليج كامران. تكررت العملية خلال الحرب الإيرانية العراقية حين استُعملت لمراقبة السفن ومنصة عائمة للمروحيات في الخليج العربي وفق صحيفة {نيويورك تايمز}. وخلال المؤتمر الوطني الجمهوري في عام 1996 في سان دييغو، بقيت الدلافين ومدربّوها متأهّبين في المياه بالقرب من مركز المؤتمرات، بحسب بودزينا. لكن لحسن الحظ، لم تبرز الحاجة إلى الاستعانة بخدماتها.

خلال الثمانينيات، فكّر سلاح البحرية باستعمال حرس الدلافين لمراقبة قاعدة الغواصات النووية {ترايدنت} في واشنطن. وفق صحيفة {تايمز}، تستطيع الدلافين أن {ترصد المخرّبين المحتملين}. لكن فشلت تلك الخطة بسبب النشطاء في مجال حقوق الحيوان لأنهم رفعوا دعوى في عام 1989 ونسبوا موت دلفين خلال التدريبات إلى ممارسات سلاح البحرية الوحشية كونه يجعل الحيوانات المعتادة على الماء الدافئة تنشط في ظروف جليدية في {بوجيه ساوند}. حرص سلاح البحرية على تسوية القضية ووافق على تعليق المشروع وتوقّف عن جلب الدلافين من البيئة البرية.

من الناحية العاطفية، ثمة جانب منحرف في فكرة استعمال دلفين كأداة حربية. اعتدنا على اعتبار الدلافين متميّزة في مملكة الحيوانات كونها كائنات اجتماعية وعاطفية ومنفتحة ومزاجية. ويمكن أن تنفجر من الضحك وتحمي أحباءها. حتى أنها تمارس الحب بحرية! حين نتخيّل الدلفين، نشاهد كائناً مرحاً يقفز فوق سطح الماء ونعتبر فمه المفتوح ابتسامة عريضة (ولا ننسى ذكاءه المعروف وذكرياته المدهشة)!

قتل الغواصين الأعداء

تزعم الولايات المتحدة دوماً أنها لم تدرّب الدلافين على القتل، وأكدت هذه المعلومة مع أن مدرّبي الدلافين السابقين في سلاح البحرية يقولون العكس، من بينهم ريتشارد ل. تراوت، مدرّب مدني للثدييات عمل في سلاح البحرية بين عامَي 1985 و1989، وقد صرّح لصحيفة {نيويورك تايمز} في عام 1990 بأن الدلافين في سلاح البحرية {كانت تتعلّم أن تقتل الغواصين من معسكر الأعداء}. لكن لن يكون استعمال الدلافين لأغراض قتالية منطقياً بحسب رأي بودزينا الذي يظن أن معظم هذه التكهنات يشتق من فيلم The Day of the Dolphin (يوم الدلفين) من عام 1973: {لا تتدرب الدلافين على اتخاذ القرارات. لذا من السخافة أن نتوقع منها القيام بخيارات تحت الماء كأن تحدد الأصدقاء والأعداء وتقرر كيفية التعامل معهم}.

لكنّ روسيا التي بدأت تستثمر في برامج الثدييات البحرية منذ عام 1965 بعد أن شاهدت نجاح الولايات المتحدة في هذا المجال لم تطلق أي وعود مماثلة. هل يمكن أن تدرّب روسيا دلافينها الحربية إذاً على قتل الغواصين الأعداء؟ سألتُ ويليامز عن طريقة استعمال الدلافين لأغراض مشبوهة، عدا تحديد مواقع الألغام. بعد إنكار القدرة على تزويد الدلافين بالسكاكين أو الرصاص على رؤوسها واعتباره مشروعاً {بعيد المنال}، اعترفت ويليامز بإمكان تدريب الدلافين على نطح سبّاح من معسكر الأعداء كما تفعل أسماك القرش في البيئة البرية، فتغرزه مراراً وتكراراً بخرطومها الصلب. أضافت: {تكون الدلافين قادرة على ذلك ويمكنها أن تهزم أسماك القرش بكل براعة}.

لكن في البيئة البرية، لا يكون نطح أسماك القرش شائعاً، بل إنه تدبير يائس للدفاع عن النفس. بما أن رؤوس الدلافين تشمل معدات السونار الدقيقة، تصبح هذه الحيوانات أكثر ميلاً إلى حمايتها بدل ضربها بكائنات أخرى بشكل متكرر. عدا النطح، لا يتمتع الدلفين بقدرات عدائية في فكّه وبالكاد تُستعمل أسنانه لالتقاط الأسماك وليس تمزيق الكائنات. توضح ويليامز: {يمكن أن تتعلّم هذه الحيوانات بعض السلوكيات، لكن يصعب أن تتدرب على كل شيء. لا علاقة للأمر بطبيعتها السلمية بل إنها ليست مصمَّمة لتنفيذ هذا النوع من المهام}.

 حيوانات غير موثوق بها

صرّح خبراء عسكريون سابقون آخرون لصحيفة {تايمز} بأن الدلافين حيوانات {لطيفة وغير موثوقة} لأداء هذا النوع من المهام. ربما صدر أظرف تصريح من تراوت: «حين يُفترض أن تصوّب المسدسات نحونا، قد تسبح وتبتعد أو تضع خرطومها على كتفنا بكل عاطفة. كانت أسوأ الكائنات في تلقي الأوامر».

تضيف ويليامز أن تلك الدلافين مفيدة جداً نظراً إلى سنوات التدريب التي تلقّتها في سلاح البحرية. إذا أردنا تقدير قيمتها بالدولار، ستساوي مئات آلاف الدولارات، أو حتى ملايين الدولارات، علماً أن الروس بدأوا مشروعهم بميزانية 25 ألف دولار وفق بعض المصادر. إنه سبب آخر لعدم إرسالها إلى ساحة قتال حقيقية: سنضيّع وقتنا حين نرسل هذا النوع القيّم من {المعدات العسكرية} في مهمّةٍ يمكن أن تعرّضها لمخاطر مميتة: {لم تكن تلك الحيوانات معدّة لأداء عمليات انتحارية في أي ظرف من الظروف}!

 (لما كانت غالبية الدلافين العسكرية الأميركية تبقى على قيد الحياة بعد التجارب التي تخوضها، يمكن أن نتساءل عن موعد تقاعد هذه الكائنات. في النهاية، يمكن أن تعيش الدلافين طوال 40 أو 45 سنة في البيئة البرية. يقول بودزينا إنها تبقى عموماً تحت إشراف الجيش لاستعمالها في المشاريع البحثية).

يستحيل أن نتوقّع الخطط التي يحضّرها الروس من خلال تجنيد دلافين جديدة. لكن إذا كانوا يريدون تدريب الدلافين كي تقتل، فلن يحققوا نتائج مهمة على الأرجح. على أمل بأن تنقذهم طبيعة هذه الثدييات الأليفة من أسوأ  مظاهر الحرب الممكنة!