لنتخلّص أولاً من الأفكار المسبقة كافة: لا شك في أن التمهّل والتروي صفتان بالغتا الأهمية لنكون ذاتنا ونعيش حياتنا بالكامل. في المقابل، تشكّل العجلة والتسرع الوصفة المثلى لعدم اكتشاف الذات، وأفضل ما قد تقدمه لنا الحياة. لذلك، تحفل الأعمال التي تتناول النمو الشخصي بنصائح تدعونا إلى التخلّص من صفات مماثلة.

يؤكد علماء النفس أن قلة الصبر لا تشكّل حليفاً جيداً، وأن تأثيراتها السلبية كثيرة. فهي تقضي على إصرارنا، تجعلنا سريعي الغضب، وتشكّل مصدر إجهاد وانزعاج عاطفي. لكن قلة الصبر لا تقتصر على السلبيات. فهي تشكّل دفقاً من الطاقة والزخم ومحركاً يدفعنا إلى الخروج من المنطقة التي نشعر فيها بالراحة لنتخلى عن عاداتنا واستسلامنا. ولكن علينا أن نميّز بين قلة الصبر التي تجعلنا في حالة من العجلة الدائمة، وتلك التي تمدّنا بالأفكار والطاقة.

Ad

تجعلنا متهورين...

قد يعود التهوّر الذي يولد من قلة الصبر إلى ما نواجهه من صعوبة في المعارضة بطريقة بناءة، الجرأة على خوض الصراعات، تأكيد حاجاتنا، ضبط مشاعرنا، إنهاء مشروع ضمن المهلة المحددة، أو حتى التحكّم في مشاعر الاستياء. إذًا، تتغذى قلة الصبر هذه بالغضب أو مشاعر العجز.

إلا أنها تشكّل أيضاً محركاً

تُعتبر قلة الصبر الإيجابية رداً على مشاعر مكبوتة بسبب العجز عن التقدم. تعكس هذه الصفة الحاجة إلى المضي قدماً ووضع حد لحالة تسبب لنا الألم. كذلك، تشكّل تعبيراً عن رغبة تمثّل نقطة انطلاق في دورة جديدة. فوراء الغضب أو الاستياء تكمن طاقة يمكن استغلالها لإحداث تغيير إيجابي. إذاً، ترتبط قلة الصبر الإيجابية هذه بما تشعر به: فيعود هذا الغليان الداخلي إلى رغبتك في تبدّل الأوضاع واتخاذها منحى إيجابياً. تتوق إلى أن تعود اللاعب المرح والسعيد في الحياة.

أهم سؤال: هل أود بكل بساطة الانتقال بسرعة إلى العمل لأخفف انزعاجي ومعاناتي، أم أنني أود استثمار طاقتي في مجالات أخرى وأعمال مختلفة؟

تدفعنا إلى العجلة...

في ثقافة «الخيار الأفضل» والتحفيز المستمر في شتى المجالات التي نعيشها اليوم، صارت قلة الصبر واسعة الانتشار في عالم الاستهلاك (من التسلية والترفيه إلى المعلوماتية) والعلاقات. من هنا ينشأ الميل إلى التبذير، السطحية، وصعوبة الحفاظ على الثبات والاستقرار في خياراتك، مشاعرك، وعلاقاتك مع الآخرين.

إلا أنها تبقي فضولنا متيقظاً

لا شك في أن سأم الروتين والمعتاد، امتلاك الرغبة في استكشاف مجالات جديدة، والتمتع بالفضول لمعرفة كل جديد ومبتكر في دروب الحياة المختلفة تسمح لك بالتشكيك في ما تعتبره أكيداً، ثابتاً، وراسخاً، فضلاً عن أحكامك المسبقة، ما يجعلك أكثر انفتاحاً وتسامحاً. علاوة على ذلك، يساهم «الفضول القليل الصبر» في إغناء الفكر وتوسيع المعارف، مع أن هذه العملية تمرّ في تقلبات ظاهرية. وإن كان الذكاء والفضول يترافقان عموماً، فيعود ذلك إلى أن الرغبة في المعرفة ترتكز على حاجتنا إلى الشعور بالأمان والعيش في محيط مألوف.

أهم سؤال: هل أشعر بالتعب لأنني أفتقر إلى الثبات والرسوخ في مجالات حياتي كافة، أم أن مسائل عدة تثير اهتمامي فأغذيها بانتظام وعمق اعتماداً على عجلتي هذه؟

تشتّت تركيزنا...

لا يحذر معلمو التأمل طلابهم عبثاً من أن «قلة الانتباه تؤدي إلى الإخفاق». هي تتعارض مع القدرة على عيش الحاضر بالكامل. لكن هذه السرعة التي تجعلنا نغفل عن نفسنا وعن العالم لا تمرّ من دون أي عواقب. فتنعكس سلباً على إتقاننا المهام، علاقاتنا بالآخرين، واستيعابنا المعلومات، فضلاً عن قدرتنا على الإصغاء إلى حاجاتنا ورغباتنا.

إلا أنها تجعلنا أكثر إبداعاً

إن استمررنا في التركيز على الموضوع ذاته، العمل عينه، والمعترك نفسه، وإذا حاولنا بإفراط إتقان مهمة ما، نواجه خطر الحد من أفق تفكيرنا وتحجرنا، سأم مهاراتنا المتكررة، وفقدان اهتمامنا بما نقوم به. لذلك، تدفعنا قلة الصبر، التي لا ترضى طويلاً بالتكرار والمألوف، إلى محاربة الشعور بالسأم وتجعلنا نبحث في شتى المجالات عن طرق جديدة للتفكير، العمل، والعيش. وهكذا، تصبح قلة الصبر جزءاً لا يتجزأ من الإبداع.

أهم سؤال: هل أهيم بتفكيري لأنني أعجز عن التركيز وأفقد الاهتمام بسرعة، أم لأن تفكيري منشغل بإنتاج أفكار وحلول جديدة؟

تسبّب المرض...

يتعرّض قليل الصبر لحالة من الضغط الدائم، فيشعر أنه يغلي من الداخل، ما يجعله سريع الغضب وكثير الاضطراب، علماً أن هاتين الصفتين ترتبطان بكثير من الأمراض، مثل ارتفاع ضغط الدم. ويوضح هذا الأمر سبب نجاح أساليب الاستراخاء والتأمل في مجتمعنا الذي يشجع على قلة الصبر والسرعة.

إلا أنها تشكّل حافزاً لروحنا

صحيح أن قلة الصبر السيئة تضرّ الجسم، إلا أن الجيدة منها تنعش الروح. فالاهتمام بمسائل كثيرة، الميل إلى التغيير والمجهول، وعدم الاستسلام للعادات والمألوف تشكّل مضادات أكسدة فاعلة تشفي الروح. ويتلاءم هذا النوع من قلة الصبر مع التشكي والتذمر لأنه يقوم على الاعتقاد غير الواعي بأننا نستطيع دوماً التوصّل إلى ما يُعتبر أكثر إثارة للاهتمام، أكثر مفاجأة، أكثر روعاً، وأكثر متعة في المستقبل.

أهم سؤال: هل أشعر بأنني مستاء وعاجز، أم أنني متحمس لاحتمال التوصل إلى اكتشافات جديدة؟

تجعلنا فظين...

يشكّل عدم الإصغاء جيداً أو مطلقاً، التعبير عن مزاج سيئ (لهجة جافة، ملاحظات قاسية...)، الرسائل الجسدية التي تعكس السأم أو الاستياء (تحريك الساق باستمرار، النظرات الحالمة، أو التربيت بالأصابع) وسائل لإخبار الآخر بأنه «يسرق وقتك ولا يهمك ما يقوله».

إلا أنها تساعدنا في فرض الحدود:

تساعدنا قلة الصبر على إنهاء وضع مسيء أو علاقة مؤلمة. كذلك تدفعنا إلى رسم حدود وتحديد مدى قدرتنا على التحمّل قبل أن نبلغ مرحلة من الانضغاط الخطر. إذاً، تشكل قلة الصبر الإيجابية أداة لإثبات ذاتنا (الرفض أو وضع حد)، فرض احترامنا، وعدم السماح للآخرين باستغلالنا. وهكذا، نتمكّن أيضاً من التنبه لهوسنا بالوقت والتخلص منه.

أهم سؤال: هل أشعر في العمل خصوصاً بأن مزاجي عكر، أو أنني منزعج من الآخرين، أم أنني أحرص على ألا يستغلني أحد أو يضللني أو يسلبني وقتي؟