تبنّى البنك المركزي الأوروبي أمس، سياسة التيسير الكمي، بعد أن باتت هذه السياسة المخرج الوحيد للسلطة النقدية الأوروبية من حالة الكساد التي تمرّ بها دول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً بعد أن باتت الظروف الموضوعية مهيأة لمثل هذا القرار.

Ad

وتأكد أن السياسات البديلة التي اتبعتها أوروبا منذ أزمة عام 2011 بما فيها خفض الفائدة إلى 0.5 في المئة فشلت في حفز النمو والتضخم. ونفتحت محكمة العدل الأوروبية الطريق في وقت سابق أمام التيسير الكمي عندما قررت أن برنامج شراء الديون السيادية، يتوافق مع أحكام وتشريعات الاتحاد الأوروبي طالما تم الالتزام بشروط محددة.

والتزمت السياسة المعلنة بثلاثة قيود أولها زمني حيث سيتم شراء السندات حتى موعد أقصاه نهاية سبتمبر 2016، أو حين يحدث تحوّل ملموس باتجاه معدل التضخم المستهدف وهو 2 في المئة، وثانيها كمّي فالشراء لن يتجاوز ما قيمته 60 مليار يورو شهرياً، وثالثها نوعي إذ لن يشمل الشراء سندات عالية المخاطر كالسندات اليونانية مثلاً.   

وتميز هذه القيود التيسير الكمي الأوروبي السريع، أو ما يوصف بـ "البازوكا" الأوروبية، عن التيسير الكمّي الأميركي الذي استمر طيلة 6 سنوات، ما سيحدّ من دفع اليورو إلى مستويات متدنية كثيراً عن مستوى سعر صرفه الحالي والذي بات بعد قرار سويسرا فك ارتباط عملتها بسعر صرف اليورو، الأدنى مقابل الدولار الأميركي خلال تسع سنوات.

ولعل الهدوء الذي ساد أسواق النقد بالأمس يعتبر مؤشراً على أن اليورو قد امتص بالفعل جزءاً لا بأس به من صدمة القرار.

وسوف يحقق الاقتصاد الأوروبي مزايا مؤكدة من هذه السياسة من خلال تشجيع الطلب الخارجي على منتجات وخدمات دول الاتحاد الأوروبي، وحفز النمو الاقتصادي الذي لابد أن يساعد دول الاتحاد على حفز معدل التضخم النقدي الذي تعاني أوروبا وصوله إلى مستويات شبه صفرية لاتساعد على التوسع الرأسمالي. وهذا التوقع يشكل بحدّ ذاته أداة دعم لسعر صرف اليورو في الفترة المقبلة.

ما هو غير محسوب في معادلة الصرف، كمية احتياطيات اليورو الهائلة التي كانت قد تجمعت على مدى السنوات الأربع الماضية لدى البنك المركزي السويسري الذي كان يشتري وبشكل متواصل كميات هائلة من العملة الأوروبية من أجل دعم أرضية قوية ومصطنعة لها.

وإذا ما قرَّر بنك سويسرا التخلي عن هذه الاحتياطيات، سواء بشكل تدريجي أو متسارع، وإذا لم يظهر أثر ملموس لسياسة التيسير في الربعين الثاني والثالث من السنة الجارية، فمن شأن ذلك أن يزيد من حجم الضغوط على سعر صرف اليورو بما يتجاوز حجم الأثر المتوقع من هذه السياسة.

وفي ظل وضع كهذا فإن سعر صرف اليورو مرشّح للوصول إلى حاجز التعادل مع الدولار الأميركي.

ولاشكّ أن مفاجأة الأسبوع الماضي السويسرية، ومفاجأة الأمس الكندية لن تكونا آخر مفاجآت السنة الحالية، وفي ظل التكتّم الشديد الذي تحيط به السلطات النقدية قراراتها، فإن درجة عالية من التوتّر والارتباك وعدم الاستقرار وصعوبة استقراء المتغيرات المقبلة لابد أن تسود أسواق الصرف والنّقد والتمويل العالمية في الفترة المقبلة.  

ولست أشارك، بعض المحللين الماليين وأساتذة الاقتصاد، الرأي بخصوص وجود شبهة تسرب لفحوى القرار السويسري، نتيجة لزيادة الطلب على الفرنك السويسري في ديسمبر الماضي، إذ أن مثل هذه الزيادة تبدو طبيعية خاصة، وأن انتهاج الاتحاد الأوروبي لسياسة شراء السندات السيادية كانت أمراً معلناً على مدار العام الماضي، ومن ثم فإن الفرنك السويسري والدولار الأميركي، وإلى حدّ ما الجنيه الإسترليني، قد شكلت كلها ملاذات شبه آمنة في فترة التقلبات النقدية الحادة في النصف الثاني من السنة الماضية.

* أستاذ الاقتصاد – جامعة الكويت