لم يعد من السهل على أي طرف عراقي انتقاد قوات «الحشد الشعبي»، التي تضم نحو 60 ألف عنصر مسلح شيعي، معظمهم تطوعوا تلبية لنداء مرجعية النجف بعد سقوط الموصل، الصيف الماضي، حين أصدرت فتوى بالجهاد لحماية المدن.

Ad

وقد أدى هؤلاء دوراً مهماً في إسناد الجيش، الذي كان يعاني هزيمة منكرة، حين انسحب من قاطع عمليات يمتد من حدود تركيا شمالاً حتى بوابات بغداد وسط البلاد، تاركاً سلاح أربع فرق عسكرية غنيمة لتنظيم «داعش».

في ذلك الوقت، لم يكن أمام الجميع سوى تفهم دعوة المرجعية إلى بناء قوات مساندة للجيش، كما يحصل في البلدان التي تعيش انهياراً عسكرياً، لكن أطرافاً كثيرة حذرت من تبعات ذلك.

وبعد مرور نحو خمسة أشهر على ظهور هذه القوات، بات من الواضح الدور المهم الذي لعبته في كبح جماح «داعش» خاصة جنوب بغداد، وفي مصفى بيجي شمالاً، وعلى تخوم الأنبار.

لكن دور المتطوعين المهم، وارتباطهم بفتوى المرجع الشيعي الأعلى بالعراق، علي السيستاني، جعلا من العسير انتقاد سلوكهم وتورطهم أحياناً في جنايات وجرائم، سواء في مسرح العمليات الحربية أو داخل المدن.

السيستاني، الذي يدرك حساسية الأمر، يدعو بشكل متواصل إلى جعل هذه القوات تابعة لوزارة الدفاع، وضبطها بالأوامر العسكرية ذاتها، كي لا تتحول تصرفات بعض الميليشيات المنخرطة داخلها، إلى ظاهرة عامة يدفع ثمنها ما بات يعرف بـ»جيش السيستاني»، كما أصدر فتاوى تحرم القيام بعمليات اعتقال خارج القضاء، ومنع سلب الأموال والممتلكات.

إلا أن كل هذا حاصل اليوم. وعملياً لم يصبح تشكيل الحشد الوطني تحت إمرة وزارة الدفاع، بل على العكس فقد أصبح جيش الحكومة في كثير من المناطق خاضعاً لجيش المتطوعين الذي يقوده عشرات من الشيعة المقربين من المرجعية أحياناً، ومن حرس الثورة الإيراني في أحيان أخرى.

ووسط الحرج الشديد الذي يمنع انتقاد هذه القوات غير النظامية المنتشرة على شكل أطواق أمنية في أحياء بغداد المختلطة طائفياً، وقلق السنة من هذا، اضطر رئيس البرلمان إلى توجيه نداء إلى الزعامات الشيعية مطالباً بوضع حد للخطف المتزايد للمدنيين، ومعظمهم من السنة.

كما اعترف الشيعة بأن هناك عناصر تسيء استخدام النفوذ المتاح حالياً لقوات الحشد، وتحدثوا عن 200 حالة خطف في بغداد خلال شهر واحد، لكنهم وصفوها بالأعمال الجنائية التي تهدف إلى الابتزاز المالي، وأنها ليست ذات طابع طائفي.

إلا أن مصادر شيعية تدعو إلى التعامل بشكل جدي مع هذا المأزق، مؤكدة أن الحشد الشعبي ليس فصيلاً واحداً، فهناك تشكيلات عصائب أهل الحق المرتبطة رسمياً بإيران وغير المنضبطة وتتصرف بشكل طائفي، وتقاتل إلى جانب بشار الأسد في سورية، وهناك منظمة بدر الأكثر انضباطاً رغم ما يلاحقها من اتهامات بتصفية معارضين سنة، إضافة إلى سرايا السلام التابعة لمقتدى الصدر، وهي معروفة باعتدالها وعدم تورطها حتى الآن بأعمال خارج القانون، إلى جانب قوات ترتبط بعمار الحكيم، وأخرى يرعاها السيستاني نفسه عبر وكلاء، وهذه تحافظ على سمعة طيبة.

وتعتقد المصادر الشيعية أن أي تضخم إضافي للميليشيات، التي تورطت بالعنف والتصفيات، سيلحق الضرر بالشيعة أنفسهم، إذ يتعرض كثير من الشيعة المعارضين للميليشيات إلى تهديد وتصفية وملاحقة.

رئيس الوزراء حيدر العبادي قد يكون أكثر من يشعر بالحرج اليوم، إذ يطالبه «البنتاغون» بضبط إيقاع الحشد الشعبي وتنظيمه، كشرط لتواصل الدعم الأميركي، وكنوع من بناء الثقة مع السنة، لكنه يعارض توجيه ضربة قوية للميليشيات، قائلاً إن بغداد تريد أن تنفتح حتى على البعثيين والفصائل التي سبق أن حاربت الدولة وضربت الجيش الأميركي، وأن ذلك يدعو من باب أولى، إلى خوض حوار جدي مع قادة الميليشيات الشيعية الذين سيضطرون إلى الخضوع والانضباط بمجرد أن تستعيد الدولة هيبتها.