من يحب الموسيقى يستطيع أن يشمَّ رائحة «البرومز» في لندن. المهرجان الموسيقي الذي يمتد من 18 يوليو حتى 13 سبتمبر من كل عام، في قاعة «ألبيرت الملكية». حضرتُ عدداً من عروضه، أحتملُ الطابور الذي يبدأ بالتشكّل ساعاتٍ عديدة قبل العرض، طمعاً بالحصول على تذكرة. حضرت، من بين ما حضرت، عملين لـلألماني «ريتشارت شتراوس» (1864 ــــ 1946)، قُدّما في يوميْ سبت وأحد، بمناسبة مرور مئة وخمسين سنة على ميلاده. وهو أحد المفضلين لديّ، ممن أسهموا في شق مجرى الحداثة دون إفساد لرومانسيتهم. وقد اجتهد البرنامج أن يقدم عمليْ أوبرا غاية في «التعبيرية»، هما «سالومي» و»الَكترا». أخذت مكاني لصق الحاجز، في «الغاليري» الأعلى، الذي يشكل شرفة مدورة، تتسع لثلاثمئة مشاهد، تُطل على القاعة برمّتها من فوق.

Ad

عاش شتراوس، خاصة في سنواته الأخيرة، في مرحلة بالغة القتامة، احتلّتْ فيها النازية سدّةَ الحكم، وأدخلتْ ألمانيا والعالمَ برمته في نفق الحرب المعتم. وضع مرثية ما حدث في «الأغنيات الأربع الأخيرة»، آخر أعماله قبل وفاته. يسمعها العالم دون توقف، ولا يُخفي الدموع التي تشفّ من وراء أجفانه. لأن حماقة هتلر وقواه الشريرة تكاد تكون مرئية تحت ثياب الساسة الطموحين حيث كانوا، الذين يُحسنون الابتسامة الوديعة أمام عدسة الكاميرا.

ولكن شتراوس كان، خارج هذه القتامة، وافرَ الانتاج، خاصة في حقل الأوبرا: «فارس الوردة، آرابيللا، إنتَرْميتسو، المرأة الصامتة، أريادنة في ناكسوس، المرأة التي بلا ظل، دَفني...»، وحقل «القصيدة السيمفونية»، السيمفونية التي تعتمد حكاية: «دون جوان، الموت والانبعاث، هكذا تكلم زرادشت، دون كيشوت، حياة بطل، سيمفونية جبل الألب».

وغزارته كانت دائمة الحيوية والجدة. إنه امتداد لـفاﮔنر ومالر، مُعبّدا الطريق باتجاه حداثة «التعبيريين»، ولعله أهم موسيقي غطى مرحلة النصف الأول من القرن العشرين، والأكثر تواضعاً بين الجميع، فحين سئل عن رأيه بنفسه أجاب: «لعلي لم أكن مؤلفاً موسيقياً من الدرجة الأولى، ولكني في الطبقة الأولى من الدرجة الثانية». وهو تواضع لا يخلو من مبالغة.

والعملان اللذان أعرض لهما الآن هما مطلعُ نضجه، ومطلعُ شهرته في آن. ألّف «سالومي» عام 1905، وهو في الأربعين من عمره. اعتمد مسرحيةَ الايرلندي أوسكار وايلد الشهيرة آنذاك، وحقق فيها ردودَ أفعال متحمسةً من الجمهور والنقاد والموسيقيين، فاعتبرها مالر «بركاناً حيّاً». وهي بركان حيٌّ حقاً، وأنا استقبلها من علٍ. باستثناء الهدأة الغنائية التي تستغرقها «رقصة الأوشِحة السبعة» التي تعهدت سالومي أن تؤديها، إذا ما وعدها زوج أمها الملك «هيروديا» بقطع رأس «يوحنا المعمدان»، لأنه تمنّعَ عن تقبيلها. رقصة تنزع فيها سالومي أوشحتها السبعة، وشاحاً إثرَ آخر حتى تتعرى. إلا أن المشهد الأخير يمثل الذروة الدرامية، حين تعلن سالومي «صوت سوبرانو» حبها الأبدي لـ«يوحنا المعمدان»، ثم تنحني على الرأس المقطوع فتقبّل الشفتين.

الأوبرا «سالومي» كتلة موسيقية واحدة، من فصل واحد يمتد ساعتين. وكذلك الأمر مع «أليكترا» التي ألفها عام 1909، عن نص عمله الشاعر هوفمانسثال له، وكان كثيرَ التعاون معه، عن دراما سوفوكلس اليونانية. ولكن ما أبعد الدراما اليونانية عن هذه. فقد شاء الشاعر والموسيقي أن يجعلاها بالغة التعبيرية في حداثتها. صار التركيز على رغبة أليكترا التي لا مرد لها للانتقام من أمها، التي اغتالت أباها «اكاممنون» عند عودته منتصراً من حرب طروادة.

هذه الرغبة المثيرة للذعر بسبب وحشيتها، وضراوتها وظمئها للدم، جاءت مُعززةً بموسيقى تخرج من اوركسترا وحنجرة سوبرانو منفردة لا تنقطع أنفاسهما لحظة واحدة. كنت استقبلُ الموسيقى ولا أتطلع إلى المشهد شبه التمثيلي، الذي يتم على المسرح مقابل الأوركسترا. لأني كنت أشعر أن موسيقى شتراوس مكتفيةٌ بذاتها، لا لتقديم حدث حكائي خارجي، بل للتعبير عن معترك داخلي، لكائن ممزق بفعل مواجهة خاسرة مع وجود لا منطق فيه، وغير عادل.

 أمسكتْ موسيقى ريتشارد شتراوس بي في قبضتيها، يوميها، وشحذتني كحافة سكّين. فأي تماس مع الوجود سيترك أثراً دامياً. ولكنه أثرٌ يُشبه مذاقَ النبيذِ على اللسان.