حين جئتُ لندن في مطلع 1979، أقمت في شقة صغيرة، لا تخلو من رطوبة. لا أُحسن الإنكليزية، والتلفزيون الذي أملكه مازال بالأسود والأبيض. ومع هذين العاملين المحبطين كنت لا أكاد أفارق شاشة التلفزيون. برنامج العروض السينمائية يقدم مخرجاً كبيراً كل أسبوع، إنطونيوني، فيسكونتي، فِلليني، بازوليني، بيرغمان، كازان، جون هوستون، كوروساوا، رينوار. وللندوات الثقافية حصةٌ أسبوعية كنت أتطلع فيها إلى وجوه الأعلام الثقافية والشعرية آنذاك، التي كنت أعرفها عبر الصورةِ والكِتاب وحدهما. للعرض المسرحي حصة، وللأوبرا حصةٌ، ولك أن تتخيل ما يجاري ذلك في حقل الفن والموسيقى عامة.

Ad

    اليوم تلاشى معظم ذلك، أو يكاد. استعدت ذلك الحضور العظيم لثقافة الاعلام، وأنا أجلس أمام شاشة التلفزيون الذي هجرتُه منذ سنوات، مضطراً بفعل متاعب صحية طارئة لا أصلح معها للقراءة والكتابة. كانت لديّ محطتا تلفزيون فقط، وبالأسود والأبيض. واليوم لدينا محطات ملوّنة لا تُحصى. عبرها لا تستطيع أن تقع على مكان استراحة يُغذي العقل والقلب إلا نادراً. أكثر البرامج شيوعاً وشعبية في المحطات جميعاً، ومحطات البي بي سي ضمناً، تنصرف بمهرجانية إلى شؤون المطبخ، وإعداد الأطباق الشهية، أو شؤون إثارة الشهوة التي لا تُطفأ باتجاه الجنس، والشهرة، والنجومية الرخيصة، في الغناء خاصة، أو باتجاه سوق العقار والتفنن في إثارة شهوة الربح المالي، أو الفوز المالي عبر مباريات لا تُحصى في تنوعها، أو باتجاه مزيد من الكوميديا التهريجية، وإثارة سحر المغامرة الخطيرة في قيادة السيارات، وكل ما يعكر المزاج... الخ.

    هناك من يرى في هذا المنحدر مدى التأثير الأميركي على إنكلترا وأوربا عموماً. وهو عامل مقنع ولكن بحدود. هذا إذا ما قبلنا فكرة أن أميركا اليوم هي العالم الحديث في قارة كبرى. وأن العالم ربما، لم يعد يملك الخيار إلا أن يلتحق ويكون حديثاً. وإن هذا المصير غرفةٌ بنافذتين: مُشرعةٌ على الشمس، ومحجوبةٌ عنها. بحقلين: مُترعٌ بالزروع تحت قوس قزح، وآخر أجدب غائم الأفق.

    الحضارة الحديثة غريبة الطبيعة، فهي تتسارع في تطورها، في نصف من الأرض، بزمن لا عهد للإنسان به، في حين يتخلف النصف الثاني بفعل كوابح لا تقل غرابة في طبيعتها عن النصف الأول. هذا التعارض مخيف بالتأكيد. ولكن داخل كل نصف ثمة تعارض أكثر خطورة. فعالم الحداثة الغربي بقدر ما يُسرع باتجاه ضمان حياة الإنسان، في الصحة، وكرامة العيش، واتساع أفق المعرفة، بقدر ما يُسرع بدم بارد باتجاه تحطيم روحه وجسده، أو حتى تهديده بالفناء. وفي العالم الثالث يبرز التعارض في الفعل السياسي الذي تعتمده الحياة. ولكنه تعارض غير متكافئ بين الفعل السياسي الفاسد الذي يغطي أكثر من تسعين في المئة من الواقع، وبين الفعل السياسي المتعافي الذي يبدو استثناءً نادراً. وهذا الفعل الأخير هو الذي يعزز أمل الإنسان في الاحتجاج بوجه اليأس الذي يغذيه الفعل الأول.

    أتابع في الأخبار، وأنا أكتب، هذا الوداع المهيب في سنغافورا لمؤسسها الراحل "لي كيوان يو"، الذي نقل بلده بحكمة من موقع مجهول في العالم الثالث إلى بلد معلوم في العالم المتقدم، كما ورد في الأخبار. وداع جنوب إفريقيا لمؤسسها مانديللا ليس ببعيد. وقبله مع الهند وغاندي. هؤلاء القلة النادرة تعزز لدى الكائن، كما قلت، أمله باحتجاجه ونضاله من أجل قائد طيب الرائحة. ولكن الهيمنة الضاربة للفعل السياسي الفاسد في العالم الثالث، وفي عالمنا العربي بشكل خاص، تُغذي كريات اليأس في دم الكائن، وتُعطّل قدراته، وتحرف الاستجابة لديه، إذا ما توفرت، إلى الخطوات الضالة.

  البرامج الرديئة في التلفزيون، التي تنتقل إلى عالمنا الثالث، بفعل تقليد أعمى، انتقال النار في الهشيم، إنما تتحدث بلسان طرف واحد من طرفي التعارض، في العالمين المتقدم والمتخلف معاً. اللسان الذي يتحدث عن سحر الطموح الشيطاني إلى التسلّط، والثروة، والشهرة، والأنا المتضخمة التي يتحول الآخر إزاءها إلى جحيم.