قالت الجمعية الاقتصادية الكويتية، إن تباشير العام الجديد تمثلت في تطبيق رفع أسعار الكيروسين والديزل بشكل أثار جدلاً واسعاً بين المصنعين والمستهلكين من جهة، وبين الدولة من جهة أخرى في وقت يلاحظ فيه غياب الدراسات التي تضع القواعد لهذا التطبيق.وأضافت الجمعية في تقرير صادر عنها أمس، أنه مع تصاعد التعقيدات التي تكتنف المشهد الاقتصادي، والتغيرات الحاصلة في الأسواق، وعدم الاستقرار السياسي في كثير من مناطق العالم، لم يعد مستغرباً القول إن المدى القريب قد يشهد مزيداً من الصدمات النفطية.
وفي التفاصيل، يعد الوقت الحالي مؤاتياً أمام صناع السياسات في الكويت لتقييم الخيارات الاقتصادية الصعبة من أجل صون المستقبل الاقتصادي للدولة، بما يصبّ في صالح حقوق الأجيال المقبلة، إذ تتمتع دولة الكويت اليوم بوضع مالي متين، وتحتفظ بفوائض وفيرة من الأعوام المالية الخمسة عشر الماضية، وصل معدلها الوسطي إلى 21 في المئة، من الناتج المحلي الإجمالي.ومع ذلك، ثمة شبه إجماع عند المراجع الاقتصادية في الدولة بأن على الحكومة كبح جماح الإنفاق بهدف الحفاظ على الاستدامة المالية في الأجل البعيد، وعلى سبيل المثال، يتوقع أن تتكلف الدولة 8.3 مليارات دينار كويتي من الدعم في السنة المالية 2014 /2015 وفقاً لموازنة المواطن التي أصدرتها الحكومة، في حين يشكل دعم الطاقة وحده 6 في المئة من إجمالي الناتج المحلي للبلاد، ويرجح أن يخضع هذا الإنفاق إلى مزيد من التدقيق.وعلى الرغم من أن التراجع الحالي لأسعار النفط لم يعرّض الميزانية الحكومية لعجز - رغم تصريح أعضاء لجنة الميزانيات في مجلس الأمة وبعض الوزراء في أكثر من مناسبة عن احتمال وجود عجز- يلاحظ هو أن مجلس الوزراء يدرس طرقاً للحد من زيادة الإنفاق في السنة المالية 2015 /2016.وتشير التقارير إلى أن مقترح الإنفاق الأولي للسنة المالية 2015 /2016 يقل بحوالي 5.6 في المئة مقارنة بميزانية السنة السابقة حيث بلغ 21.9 مليار دينار.وقد تم تفعيل رفع الدعم عن الديزل والكيروسين في الكويت ابتداءً من الأول من يناير الجاري، وشهد السعر الجديد للسلعتين زيادة بمعدل 3 أضعاف، من 55 فلساً للتر الواحد وصولاً إلى 170 فلساً للتر.ويصل مجموع الدعم الحكومي إلى حوالي 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للكويت، و هناك إجماع متنام بين الخبراء الاقتصاديين على أن مراجعة مثل هذا النوع من الدعم خطوة في الاتجاه الصحيح.إصلاحات الدعم في الكويتأصبحت بعض الانتقادات الموجهة للدعم الحكومي السخي واضحة ومقنعة، فالدعم يعزز من التداعيات العرضية مثل تشوهات السوق، والهدر الناجم عن الاستخدام المسرف للموارد.وعلى سبيل المثال، تتكلف دولة الكويت من توليد كيلو واط كهرباء ما بين 30 إلى 40 فلساً، بينما يباع للمستهلك بسعر فلسين اثنين فقط، والواقع أن رسوم الكهرباء في الكويت بقيت ثابتة منذ عام 1966، بينما تضاعفت تكلفة الإنتاج تقريباً مقارنة بمستويات 2004.أما رسوم الماء في الكويت فظلت تساوي 800 فلس لكل 3800 لتر فقط، وأدى هذا الدعم الحكومي الكبير إلى جعل رسوم الكهرباء والماء في الكويت ضمن الأدنى في العالم، ما يؤدي إلى تشجيع الإسراف في استخدام الموارد، إذ يبلغ متوسط استهلاك الكهرباء في الكويت سنوياً لكل فرد 16.122 كيلوواط بالساعة، أي ما يساوي تقريباً ضعفي ما يستهلكه الفرد في السعودية، والبالغ 8.161 كيلوواط بالساعة كما تظهر بيانات البنك الدولي لعام 2011.دروس مستفادة من تجارب عالميةعلى مدار سنوات عديدة وحتى اليوم، كشفت أبحاث دولية عن مشكلة أخرى تتعلق بوجود فئات قد لا تستحق تلقي الدعم في ظل نظام الدعم الشامل، إذ خلصت دراسة صادرة عن البنك الدولي لعام 2000 أن سياسة إندونيسيا في دعم الكيروسين لمساعدة ذوي الدخل المنخفض أدت إلى استفادة بعض الأفراد ضمن شرائح ذوي الدخل المرتفع، والذين لا يحتاجون فعلياً إلى الدعم. ومما زاد من اهتمام الخبراء هو أن مساعي حكومات عدة لاستخدام الدعم بهدف تخفيف مستويات الفقر وتحفيز التنمية الاقتصادية غالبا ما تصب وبشكل كبير في مصلحة فئات الدخل المتوسط والمرتفع، بدلاً من الفقراء.وهناك مثال آخر في إندونيسيا أيضاً، إذ كشفت الدراسات أن 70 في المئة من الدعم يستفيد منه 40 في المئة من العائلات ذات الدخل المرتفع، بينما تذهب ما نسبته 15 في المئة من مزايا الدعم إلى 40 في المئة من العائلات ذات الدخل المنخفض. وترجع أسباب هذا الدعم غير الرشيد إلى أن العائلات ذات الدخل الأعلى تمتلك سيارات وأدوات كهربائية أكثر.وبصرف النظر عن تلك الفئات المستفيدة التي لا تحتاج إلى الدعم، وما تخلقه هذه المساعدات من تكاليف اجتماعية واسعة النطاق، يمكن أن يسبب الدعم الشامل أيضاً قصوراً في التوزيع القائم على القطاعات. أي أن قطاعات الاقتصاد التي لا تحتاج الى الدعم يمكن أن تحصل عليه، بينما تلك التي تحتاجه للنمو أو التطوير لا يتسنى لها الاستفادة الكاملة منه بسبب توزيعه على قاعدة عريضة من المستفيدين.وعلى سبيل المثال، أتاح دعم الحكومة الألمانية لمصادر الطاقة المتجددة التي تصاعدت لتبلغ 20 مليار يورو سنوياً، إلى جعل البلاد تولد 27 في المئة من طاقتها الكهربائية عن طريق مصادر متجددة، ويؤكد الخبراء صعوبة إنجاز هذه المهمة من دون توجيه الدعم إلى صناعة تقنيات الاستفادة من الموارد المتجددة الألمانية.خطة لإصلاح الدعم في الكويتلابد أن يصب ترشيد الدعم في الكويت في محورين رئيسيين، هما:أ. استهداف الدعم للشرائح السكانية التي تحتاج الى هذا النوع من المساعدات أكثر من غيرها.ب. تعزيز كفاءة القطاعات الاقتصادية عند توزيع الدعم.وهناك مجموعة واسعة من الأدوات التي يمكن الاستعانة بها في سبيل ترشيد الدعم بفعالية، وفيما يلي بعض هذه الأدوات الهامة:1 - الدعم المستهدفبدلاً من الدعم الشامل الذي يتوجه غرضه الرئيسي إلى تحسين وضع ذوي الدخل المنخفض، قد يكون من الأجدى تطبيق التحويلات النقدية أو القسائم (كوبونات) على شرائح السكان الذين يقل دخلهم عن مستوى معين. وعلى سبيل المثال، تعتزم اليابان توزيع كوبونات دعم الوقود على العائلات المحدودة الدخل والشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم التي تعاني ارتفاع تكاليف الوقود.ومن شأن هذه الميزة في التحويلات النقدية أن توجه العائلات والأفراد نحو اتخاذ إجراءات ترشيد تساعدهم على الادخار، وبالتالي تخفف عبء الحكومة في اتخاذ القرارات لصالح جميع العائلات التي تتلقى الدعم الشامل.2 - برنامج دعم ذكييتحتم على الدولة الأخذ بالبرامج المرتبطة باستراتيجيات «دعم ذكية» والبدء بتطبيقها. ونظراً إلى توجه الكويت نحو تخفيض مستوى البطالة بشكل عام وزيادة أعداد الموظفين في القطاع الخاص، يمكن على سبيل المثال توفير الدعم الحكومي للشركات الخاصة التي تسعى إلى توظيف العاطلين عن العمل على المدى البعيد، أو توفر فرص تدريب للخريجين الجدد بهدف تعزيز حاصل التوظيف بشكل عام.كما يمكن أن تسير الكويت على نهج مصر وتتبنى مفهوم «البطاقات الذكية» لتوزيع الدعم، بحيث توزع البطاقات الذكية على الشرائح التي يقل دخل اصحابها وممتلكاتهم من نقد وأصول عن مستويات معينة، وبالتالي يتمكّن هؤلاء من دفع سعر أقل على بعض السلع المحددة. ويتم تطبيق البطاقات الذكية عند الشراء من المتاجر، وذلك بخصم نسبة مئوية معينة من الأسعار عند نقطة البيع، والذي تحصلّه بعد ذلك الحكومة. ومن شأن مثل هذه الخطط تحسين قدرة الدولة على استهداف الدعم بدقة أكبر، خاصة عندما تكون مصاحبة للبطاقات المدنية.3 - الدعم المحدد بمستوياتمن المزايا الرئيسية لاستراتيجية الدعم المتدرج وفق مستوى الاستهلاك تشجيع أنماط الإنفاق المبنية على الترشيد، لاسيما أن الاستخدام المسرف للموارد يولد نفقات وأعباء مالية على المستهلك. كما تتيح هذه الاستراتيجية تعديل السعر المفروض على المستهلكين ليكون أكثر تناسبا مع تكاليف الإنتاج الفعلية، وهو ما قد يساعد في تخفيف آثار تشوهات السوق، وزيادة قاعدة إيرادات مؤسسات القطاع الحكومي التي توفر الخدمات، وبالتالي يقل رأس المال الذي تضخه لها الحكومة لدعم نفقاتها.وقد تتبنى الكويت برنامج دعم متدرج وفق فئات يحددها مستوى الاستهلاك من حيث توزيع الخدمات على مواطنيها، حيث تشير تقارير إعلامية محلية إلى أن الحكومة الكويتية تدرس حاليا خططا جديدة لفرض رسوم على المياه، والتي يتم توزيعها بالأصل حالياً بسعر 800 فلس لكل 3800 لتر. وتقترح الخطط الجديدة أن يطبق السعر ذاته حتى عند استخدام 38 ألف لتر كحد أقصى، لكنه قد يزيد بحدة إلى 2.5 دينار لكل 3800 لتر، للذين يستهلكون أكثر من 38 الف غالون.وفي حال دخلت هذه الخطط حيز التنفيذ، قد تكون مشابهة لقرار أبوظبي في رفع رسوم الكهرباء والماء بدءاً من 1 يناير 2015، على أساس فئة الاستهلاك، حيث تتعدد فئات الاستهلاك وفقاً للمواطنين مقابل الوافدين، ومن حيث نوع الإقامة، ومعدل الاستهلاك. وسيتعين على المواطنين في دولة الإمارات العربية المتحدة الذين لم يفرض عليهم حتى الآن أي رسوم على المياه، أن يدفعوا مقابل استهلاكهم، وستتراوح الرسوم على المواطنين ما بين 1.70 درهم إلى 1.89 درهم على كل ألف لتر من المياه المستهلكة، بالاعتماد على ما إذا كان يسكن المواطن فيلا أو شقة.أما بالنسبة للوافدين، فتتراوح الرسوم ما بين 5.95 دراهم و9.90 دراهم لكل ألف لتر من المياه التي يستهلكها. وقبل اعتماد هذه الخطة كانت قيمة فاتورة الاستهلاك تصل إلى 2.20 درهم لكل ألف لتر من المياه.4 - أدوات أخرىأ)- تظل التعرفة الحالية للكهرباء كما هي ٢ فلس مع استحداث نظام مسبق الدفع للكهرباء، مما سيساهم مبدئيا وقبل الانتقال الى النظام الذي تحدث عنه التقرير في تشجيع المواطن على ترشيد الاستهلاك على غرار بطاقة الهواتف مسبقة الدفع.ب)- رفع الرسوم بالتناسب مع حجم الممتلكات، ومن يملك من المواطنين عقارات غير منزله الأول سواء كان سكنيا أو استثماريا فإنه يقوم بدفع ٢ فلس اضافية على كل منزل (مثال: المنزل الاول ٢ فلس، المنزل الثاني ٤ فلوس، المنزل الثالث ٦ فلوس...إلخ).ج)- ينطبق ذلك ايضاً على استهلاك المياه.د)- تحصل التعريفة كاملة من أي مواطن أو مقيم يكون صافي دخله السنوي مليون دينار أو أكثر، وينطبق ذلك أيضاً على الشركات ما لم تساهم فعلياً في تطبيق بعض الاشتراطات التي تؤدي بشكل تلقائي إلى انخفاض قيمة التعرفة.موازنة المواطندأبت وزارة المالية للسنة الثالثة على التوالي على نشر وثيقة في موقعها الرسمي بعنوان دليل المواطن الكويتي لمشروع الميزانية السنوية، فيما وصفته بتوعية المواطن بأوجه الإيرادات والمصروفات العامة للدولة، وتعميق المشاركة الفاعلة للمواطن.إن ما جاء بالتقرير يعد خطوة واعدة يمكن أن نعتمد عليه في ترويج فكرة مساهمة المواطن بشكل فعلي في ترشيد الإنفاق، وريادة للدولة في هذا المجال على مستوى دول مجلس التعاون على الأقل.نحو ترشيد منظملقد أدت الزيادة المفاجئة لأسعر الديزل والكيروسين إلى بعض الاختلالات، مما دعا الحكومة إلى تشكيل لجنة لاستثناء بعض أصحاب العلاقة بعد صدور القرار وتطبيقه، ونخشى المزيد من الفوضى بالتطبيق الفوري بدون التدرج المدروس.ومرة أخرى، فإن رفع الدعم له من العواقب الاجتماعية ماله ما لم يتوافر دعم قدرات الجهات المنوطة اليها التطبيق عبر بناء القدرات في مجالات عدة، وأهمها قدرات موظفي وزارات الدولة المعنية وتطوير نظم المعلومات فيها.دعم موجّه للقطاعاتبيّن التقرير أنه بهدف تعزيز التنويع الاقتصادي وتنمية القدرات الاجتماعية، يتعين على الكويت أن توفر الدعم للقطاعات بأسلوب مستهدف، بحيث تمنحه للقطاعات التي تتطلب المزيد من الدعم من أجل بناء طاقة استيعابية أوّلية. ويندرج الدعم الموجه للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم ضمن شريحة «الدعم المخصص للقطاعات».كما أنه من المجدي أن تكون المدارس الخاصة التي تعاني تنامي عدد الموظفين وتكاليف العقارات الأراضي مؤهلة للاستفادة من هذا البرنامج، إذ يضمن تكافؤ الفرص بين المدارس الحكومية التي تتمتع بدعم حكومي كبير، والمدارس الخاصة.إضافة إلى ذلك، يمكن أن يشمل البرنامج المشاريع التي قد تعزز القدرة الاجتماعية مثل المساكن الميسرة. يذكر أن محاولات القطاع الخاص للحصول على تمويل لمشاريع من شأنها أن تساعد في بناء «اقتصاد قائم على الابتكار» من خلال تبني العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.تأخر المشاريعقال التقرير إنه من الواضح أن هناك تأخرا كبيرا في التنمية البشرية والبنيوية، بالمقارنة مع سياسة الدولة الداعمة للتنمية في الدول العربية عبر المنح والمساعدات، فما سبب التأخر في تنفيذ المشاريع؟المنطق من الزياداتأوضح التقرير أن منطق الزيادات وإن كانت له مبرراته في ضوء تدني أسعار النفط، إلا أن الأسباب والمقومات لن تكتمل ما لم:1 - تكن هناك تحركات جادة لوقف الهدر في الإنفاق المتمثل في تراجع الأداء، وضعف المحاسبة، وتدني الكفاءة في الخدمات.2 - وأن تطلق حملة توعية لصياغة شراكة بناءة بين المواطن والدولة، تقوم على رفع الإنتاجية من «الأول» وتوفير الخدمات الأساسية بكفاءة من الطرف الثاني.الإنفاق والأداءتساءل التقرير: لماذا لا ينعكس الإنفاق السخي الذي يصرف على قطاعات مثل التعليم والصحة على أي مؤشرات أداء أو تنافسية تبرر للمواطن الكفاءة في الصرف؟ وعلى سبيل المثال تبلغ تكلفة الطالب في التعليم الحكومي ما يقارب تكلفة رسوم الدراسة في مدارس الصف الأول في التعليم الخاص.
اقتصاد
الجمعية الاقتصادية: إعادة استهداف الدعم للشرائح الأقل دخلاً
11-01-2015
• مشروطة بخطة سياسات تشمل الدراسات والتوعية والتدرج ووقف الهدر ورفع الإنتاجية وتوفير الفرص
• على الدولة الأخذ بالبرامج المرتبطة باستراتيجيات «دعم ذكية» والبدء بتطبيقها
يعد الوقت الحالي مناسباً أمام صناع السياسات في الكويت لتقييم الخيارات الاقتصادية الصعبة من أجل صون المستقبل الاقتصادي للدولة.
• على الدولة الأخذ بالبرامج المرتبطة باستراتيجيات «دعم ذكية» والبدء بتطبيقها
يعد الوقت الحالي مناسباً أمام صناع السياسات في الكويت لتقييم الخيارات الاقتصادية الصعبة من أجل صون المستقبل الاقتصادي للدولة.