استهل الشاعر العراقي حميد العقابي مقدمة جديده «صيد العنقاء» برواية لأبي الفرج الأصفهاني، ومفادها «أنّ الشاعر الفرزدق مرّ يوماً بشاعر يقرأ قصيدته، فأعجبه منها بيت. التفت إلى راويته وقال له: سجّله لي، فأنا أحقّ به من صاحبه». إلاّ أنّ صائد العنقاء ليس صائداً قوافي إقبال ولا ملقياً شبكة لغته على معانيه بأمّها وبأبيها، غير أنّه إقباليّ القلب والعقل والخيال على مستوى صيد الفكرة: «الذي جذبني إليه هو منظار الشاعر في التقاط الفكرة».

Ad

ويصرّ العقابي على أنّ مئة كتابه هي بنات شرعيّات لمحبرته: «قد يسأل القارئ: ما علاقة القصائد المئة التي يضمّها هذا الكتاب بمحمّد إقبال؟ هل هي ترجمة، أو إعادة صياغة... فأجيب: ليس هذا ولا ذاك. هي قصائدي... ربّما تسلّلت جملة هنا أو شعاع ومضة هناك، إلاّ أنّني كنت حريصاً جداً على كتابة قصيدتي وفق إصغائي إلى عالمي الداخلي»... وأمام هذا الإقرار يتساءل القارئ: هل هذه القصائد المئة امتداد لشعر محمد إقبال أم تستطيع أن تكون فتحاً شعريّاً للعقابي. ممّا لا شكّ فيه، أنّ الجواب يتطلّب معرفة واسعة بشعر محمّد إقبال لمعرفة هويّة مرايا القصائد العقابية معرفة اليقين، وبالتالي يكون للنقد ميزان غير متّهم.

يبدأ العقابي رحلته الشعريّة من ميناء الوحي الذي خشي عليه من الضجيج، إذ إنّ الصّخب جعله يصل إلى الشفتين تلعثماً، وأخذ منه الرنين ما أخذ، فلا بدّ من وقت ليعلو زبد المعنى ويصفو مزاج الكلمة تحت سحابة هادئة:

«هبط الوحي صلصلة

 محض صلصلة

 غير أنّ الكلام تلعثم في الشفتين...

إنّ الذي ينبغي أن يقال

ضاع في الاحتمال

 والرنين».

وبلغة رمزيّة شفّافة، يراقب الشاعر عصفوراً أو نسراً، وينحاز إلى الضعيف، ذلك الضعيف العارف كيف يكون صيّاد نسور، رغم أنّها يكبره منقاراً أو جناحاً. فالعصفور يمدّ عينيه إلى عيني النسر سارقاً له ما فيهما من سماء فيثقب الغيم بمنقاره الصغير لتفيض كأسه نوراً، إلاّ أنّ هذا البطل، ذا الجناحين المتواضعين، يغطّي الدنيا بظلّه رغم أنّ الصمت يخذله فلا يحمل له صوتاً على بساطه:

«عصفور يخطف من عين النسر سماءه يعبر في السرّ فضاءه

يثقب غيماً

 يملأ كأسه بالنور...

ظلّ العصفور فسيح

لكن

ما من أحد يسمع في الصمت غناءه».

وأمام الوصول المُحال يجد العقابي أنّ السّير سعادة، السّير المجاني الذي يتحدّى الوقوف ويجعل من الخطو هدفا بحدّ ذاته:

«وتعلم أنّ الوصول محال

فقِفْ

إيه يا سيّدي

غبطة السّير أسمى هدف».

ولِمَ لا، فقد تكون الحقيقة في الطريق إليها، مثلما قد تكون السعادة في رحلة البحث عنها، ولا يتغاضى الشاعر عن أنّ النّور فاتح ذراعيه للجميع، إلاّ أنّ المسافرين يعطون عيونهم الأرض أحياناً. ولا يستطيع النّور رفعها قسراً إليه:

«السماء مرصّعة بالنجوم

 والمدى رحب

غير أنّ المسافر ضلّ الطريق».

أسئلة ممطرة

ويطلب العقابي من الإنسان ألاّ يسأم جواب ترابه، فهو المحتاج إلى أسئلة ممطرة تروي عطش علامات الاستفهام، والجنون ضرورة لمواجهة الوجود، ذلك الجنون الذي يلتف أبداً بصمته، ومن الحكمة أن يغفر الإنسان لترابه جذوراً ميتة لم يستطع أن يبقيها حيّة في أعماق الحياة:

«هذا ترابك

إن سئمت جوابه

علّمه أمطار السؤال

علمه كيف الدرب يبدأ بالجنون

وبالحروف الصامتة

واغفر له

هذي الجذور الميتة».

وكثيراً ما يجنح العقابي نحو ضبابيّة تعطِّل وضوح العلاقة بين كلمة وأخرى، فيتولى المتلقّي هندسة المعاني في النصّ وفق مزاج خاصّ. فعلى سبيل المثال، يقول الشاعر: «لو... / لو... / لو... / لو أرى الفطنة نسراً / ناشر الزّهو على حقل الغموض». فهل يا ترى يرتاح العقابي للتحليق العالي فوق حدائق المعاني ويبارك الغموض مستوطناً صدور المفردات؟! وفي الانتقال من نصّ إلى آخر، تنسحب لغة الشاعر شيئاً فشيئاً من ضبابيّتها، ونواجه نصّاً كأنّه من طينة شعريّة أخرى:

«يذهب كلّ شيء

 يرحل كلّ كائن

 القمر

والنجوم،

والأسماك.

والطيور

وأنت في الميدان تبقى واقفاً

يا له من قُصر نظر

إلى متى تبقى هنا

عبداً لهذي الأرض؟»

يثير العقابي في جديده مواضيع كثيرة منها ما هو محرج دينياً، ومنها ما هو جواب عن سؤال، وقد أتى كصيغة جديدة للسؤال. وعلى مذبح الحرّية يقف الشاعر متهيّباً، مرافعاً عن الأحرار في دنيا وآخرة، هؤلاء الذين وجدوا الموت عدوّاً، ومضوا إلى حياة ثانية بلا خيار:

«لم تترك للأحرار خياراً

إلاّ نكران وجودك

فهنا موت لا مهرب منه

 وهناك حياة لا مهرب منها».

سرّ الموانئ

ويؤلم العقابي تمزّق الإنسان حين يريد وصولاً، ولا يتنازل له شراع عن سرّ الموانئ، فيشعر أن يقينه متدثّر بأطلاله: «كلّ ما عندي أطلال يقين»، وإذ يحدّق إلى فوق قد يرى إصبع الله: إلّا أنّه لا يرى فيها الإشارة التي تقول ما يرضي السائر: «لم أجد في إصبع الله الإشارة»، وعندئذٍ يقف أمام زمن يصادره الفراغ فلا حديقة فيه تتّسع لماضٍ، ولا شرفة فيه تتّسع لحاضر:

«يا زماني

لم يعد لي حاضر فيك

 وماضٍ».

وعند بوّابة الروح القصيّة يتسمّر الشاعر في حيرته، مستقبلاً الزهرة مسماراً في صدره ليسقط ضحيّة بياضه:

«أذهب الآن إلى روحي

أرى الزهرة مسماراً

 فيدميني بياضي».

وإذا كان لا بدّ من وصول فالعقابي يريد رحلة تخصّه وحده، ولا يرغب في الانتماء إلى غريزة القطيع. يريد متاهة لا تستقبل في ضياعها أحداً غيره، وهكذا يحاول أن يكون كثيراً وكثيفاً في وحدته، ربّما لأنّ الجماعة تعطّل فرح المسير، أو لأنّها لا تنسجم بما فيه الكفاية مع الحريّة والتمايز:

«الدليل ظريف

 وذو خبرة في اجتياز المتاهات

 لكنّني

لا أودّ الرحيل مع القافلة».

 وليست الجماعة وحدها حملاً ثقيلاً على روح الشاعر، فأسماء التفضيل هي أيضاً غير مستحبّة، لأنّ من يعيش بذاته، بانياً من خياله وقلبه صومعة لروحه لا يعود قادراً على رؤية دنيا أكثر اتساعاً من دنياه، كما أنّه يصير حاملاً على خصره مفاتيح الأسرار، وفي هذه الحال لغيمة واحدة أن تقول سرّ الشتاء، ولقطرة واحدة أن تكسر سرّ البحر: «أسماء التفضيل...

ما عادت تعني شيئاً

لمن اختار العزلة

فالذات كقطرة ماء تحمل سرّ البحر».

في «صيد العنقاء» قام حميد العقابي بزيارة شعريّة طويلة لحدائق الشاعر محمد إقبال الشعرية المعلّقة، وقد أخذ منه التحريض على القصيدة لا القصيدة. والشعراء الذين استعانوا بحجارة كريمة لغيرهم من الشعراء في بناء ممالكهم كثيرون. ويبقى أن يكون الأسلوب، بمعنى الصياغة، مختلفاً، لأنّ الإبداع ليس في: ماذا تقول؟ إنّما هو في: «كيف تقول؟»، وعليه فإنّ مقارنة العقابي بإقبال ضروريّ لمن يستطيع، وما من أحد يقدر أن ينال من جماليّة نصّ العقابي إلاّ إذا تمكّن من إثبات تشابه يرقى إلى التطابق بين قصائد «جناح جبريل» لإقبال الهندي، و»صيد العنقاء» للعقابي العراقي. أمّا عن التأثير والتأثر فهما سنّة الحياة، ولا سيّما شعريّاً.