وبدا ذلك صحيحاً في تلك اللحظة بالذات. فكنا خمسة زوار آخرين من البر الرئيس وأنا، قد توغلنا في وادي هالاوا الغض، لنتأمل الصخور الضخمة المنحدرة التي تشبه أريكة مريحة. أخبرنا رايدر أن الأسطورة تقول إن النساء من سكان الجزيرة الأصليين كن يستخدمنها للإنجاب قبل ألف سنة. وأضاف أننا إذا عدنا إلى الوراء في تاريخ عائلته، فقد نكتشف أن أسلافه أتوا إلى الدنيا هناك.

اختفى هدير الطائرة تدريجاً، وتابعنا السير على درب ترابي. كنا نتجه إلى شلال نتناول عنده الغداء ونسترخي وسط جمال مولوكاي الهادئ.

Ad

يقول رايدر: {أحاول أن أمشي الدرب قدر المستطاع}. ولا شك في أن مولوكاي المكان المناسب لذلك.

مولوكاي المتحررة

إذا أردت زيارة منتجعات كبيرة وتناول مشروبات ملونة باردة مزينة بمظلات، فثمة خمس جزر أخرى في هاواي تلبي رغباتك هذه. أما إذا وددت التمتع بوجه هاواي السياحي الخام، فاقصد مولوكاي. صحيح أنها لا تختلف عن سائر الجزر بنسيمها العليل وأشجار النخيل التي تتأرجح برفق، بيد أنها متحررة من أوجه جزر هاواي الأخرى التي صارت مبتذلة: فلا تجد فيها ملاعب غولف تتألف من 18 حفرة، ولا منتجعات على البحر. كذلك تندر فيها مراكز تعليم ركوب الامواج، هذا إن وُجدت أساساً. ولا تضم هذه الجزيرة حتى إشارة مرور.

بما أن مولوكاي تستقبل عدداً أقل من الزوار بين جزر هاواي، نرى فيها فندقاً واحداً وعدداً قليلاً من المطاعم. كذلك تخلو تماماً من الحياة الليلية ومن معالم الترف والرفاهية. لكن غياب التنمية هذا يؤدي إلى بعض التضحيات، مثل الأسعار المرتفعة (9 دولارات لغالون من الحليب) ومطاعم أقل فخامة وإبهاراً.

رغم ذلك، تبقى هذه الجزيرة مقصداً سياحياً يستحق العناء لكل مَن يحب الطرق السريعة الطويلة والهادئة والجمال الطبيعي الخام. تدفع بساطة مولوكاي البعض إلى اعتبار زيارتها مجرد رحلة ليوم واحد. إلا أن هذا سوء فهم محزن. فمناظر مولوكاي الخلابة تستحق وقتاً أطول للتمتع بها على الأقل.

يوم وصلتُ إلى الجزيرة، التقيت دايف بلير، رجل متقاعد كان يعمل في مجال التلحيم، وشارف أسبوعه على هذه الجزيرة برفقة زوجته على نهايته. بذل هذان الزوجان مجهوداً للوصول إلى هنا، مستقلين الطائرة من إيري إلى فيلادلفيا ففينكس ثم موي ليصلا إلى مولوكاي. لم يتوقفا في أي جزيرة أخرى.

يذكر بلير: {سبق أن زرناها كلها. هذا المكان أكثر بساطة وأنا أحب ذلك. ذهب رجل أعمل معه إلى أواهو وأخبرني: ‘زرت هاواي’. فأجبته: ‘كلا، زرت أواهو’}.

ولا شك في أنه محق. صحيح أن أواهو ومولوكاي تتشاركان في العلم والتاريخ نفسيهما، لكن أوجه الشبه بينهما تقف عند هذا الحد. تشير السلطات السياحية في هاواي إلى أن أواهو تستقبل 3.2 ملايين سائح سنوياً. أما مالوكاي، التي تبلغ مساحتها أقل من نصف مساحة أواهو، فتجذب نحو 17500 زائر. وهذا الاختلاف بالتحديد ما يستهوي أناساً أمثال ليز بيبر وبيث بوي، صديقتين من هومر بألاسكا، التقيت بهما على شاطئ في طرف مولوكاي الغربي. كنا نحن الثلاثة فقط نقضي فترة بعد الظهر هناك في أحد أيام الأسبوع.

تشير بيبر: {الحياة في مولوكاي بطيئة، ولهذا أحبها}. وتوضح بوي: {قد لا تستهوي الجميع، إلا أننا نعشقها}.

على غرار مناطق كثيرة في هاواي، تقدّم مولوكاي مناظر خلابة تتوزع فيها بطريقة منظمة. ففي الطرف الشرقي تكثر الجبال والأودية الكثيفة الغضة. أما الساحل الغربي، فهو عبارة عن شواطئ هادئة وواسعة تتخللها نتوءات صخرية. في الشمال، تقع شبه جزيرة كالوبابا، وهي مستعمرة قديمة تاريخية مذهلة كانت مخصصة لمرضى الجذام. وأينما نظرت في هذه الجزيرة، يطالعك المحيط الهادئ بأمواجه المتلالئة.

كوناكاكاي الناعسة

يمكن الاستمتاع ببعض الحركة والنشاط في بلدة كوناكاكاي الناعسة في الساحل الجنوبي. ففي حرّ بعد الظهر (وهذه حال كل فترات بعد الظهر تقريباً في مولوكاي)، يملأ السكان المحليون وسط المدينة، داخلين وخارجين من متاجر متواضعة ومطاعم وسوبرماركات. على الرصيف كان بوتش ماهياي، الذي يعرفه الجميع باسم العم بوتش، يجلس في الظل وهو يعزف على غيتاره. قد تتوقع رؤية قبعة مقلوبة تملأها النقود عند قدمه (هذا ما ظننته أنا أيضاً)، لكنني لم أرَ شيئاً من هذا القبيل، بل كان يعزف للمتعة فحسب.

أخبرني ماهياي: {أعزف في المنزل. وعندما أسأم من ذلك، آتي إلى هنا لأن هذا يجعل اليوم يمضي بسرعة أكبر}.

ضحك  وتابع العزف، فيما جلس قربه رجل من السكان المحليين ابيضّ شعره للإصغاء إلى موسيقاه. وعندما تابع الرجل طريقه، حلت محله كيالوا لايموا، شابة من السكان المحليين. أصغينا إلى الموسيقى لبضع دقائق، ثم سألتني لايموا إن كانت هذه زيارتي الأولى إلى مولوكاي. فأجبتها: {نعم}. فتابعت: {المميز في هذه الجزيرة أنك تحظى بكثير من روح ‘ألوها’}. وعندما سألتها عما يعني ذلك، قالت: {يهتم الجميع أحدهم بالآخر. ألوها للجميع}.

تكثر في جزيرة مولوكاي لافتات مدوّنة يدوياً وملصقات السيارات التي تعبر عن نوع من الاستياء، سواء كانت تعارض مزرعة من عنفات الهواء (وترافق سلكاً تحت البحر) أو شركة مونسانتو، التي تملك مساحات كبيرة من الأراضي في الجزيرة (كُتبت على لافتة رُفعت في الباحة الأمامية لأحد المنازل: {مونسانتو، أبقي مبيدات الآفات بعيداً عن منزلي وعائلتي}).

كالوبابا

رغم ذلك، لا تزال البساطة والجمال الخام مسيطرين في مولوكاي. وينطبق هذا خصوصاً في موقعها الأكثر شهرة: كالوبابا، شبه جزيرة مسطحة تمتد تحت جروف مولوكاي الشاهقة، ولا يمكنك بلوغها إلا بثلاث طرق: الطائرة (رحلة تستغرق خمس دقائق من مطار الجزيرة الرئيس)، على ظهر البغال (الخيار الأكثر شعبية)، وسيراً على الأقدام (خياري أنا). كانت هذه مستعمرة لمرضى الجذام منذ أواسط القرن التاسع عشر، وزرتها خلال يومي الأخير في الجزيرة.

التقيت عند نقطة الانطلاق تقريباً زوجين من موي كانا يزوران مولوكاي للمرة الأولى، ومعاً رحنا ننزل الدرب الطويل الذي ينحدر نحو 507 أمتار ليصل إلى شبه الجزيرة، مجتازين 5 كيلومترات. كانت هذه المستعمرة ممتدة فوق المحيط كما لو أنها غطاء أخضر ضخم.

في القعر، استقللنا نحن ومَن اختاروا البغال حافلة مدرسة صفراء قديمة، وأمضينا فترة بعد الظهر، بشمسها الحارقة ونسيمها العليل، في التنقل في أرجاء القرية التي كانت ذات مرة موطن ألف شخص، إلا أنها لا تضم اليوم أكثر من مئة، بينهم 15 مريضاً سابقاً (يتوافر اليوم علاج للجذام، لذلك يُعتبرون مرضى سابقين). لكننا لم نقابل أياً منهم في ذلك اليوم. فهم يفضلون التواري عن الأنظار، عندما تأتي أفواج السياح إلى المنطقة.

مع تراجع عدد سكانها، زال كثير من مباني كالوبابا الأصلية. ولم يتبقَّ منها سوى قرية هادئة مرتبة، تضم منازل متواضعة، أمامها باحات من العشب المجزوز، فضلاً عن مبانٍ ضرورية في كل بلدة (مكتبة، متجر بقالة، كنيسة صغيرة، ومبانٍ حكومية). أما حركة التنقل، سواء بالسيارة أو الدراجة الهوائية أو سيراً على الأقدام، فنادرة.

أمضينا نحو ثلاث ساعات في شبه الجزيرة، وختمنا رحلتنا بتناول الغداء أمام سلسلة من الجروف الخضراء المتعرجة التي تنحدر بجمال نحو البحر الأزرق الخلاب. ولم نرَ مروحية واحدة.

إذا زرت هذا المكان:

لم تتعرض مولوكاي لأي أضرار خلال العواصف الأخيرة، لذلك لا تقلق حيال البنية التحتية.

• الوصول إلى هناك: تنطلق الرحلات الوحيدة إلى مولوكاي من أواهو وموي على متن خطوط جوية مثل خطوط موكوليلي (mokuleleairlines.com) وخطوط ماكاني كاي (makanikaiair.com).

• الإقامة: لا يُعتبر فندق مولوكاي 877-553-5347, hotelmolokai.com، وهو الوحيد في الجزيرة، فاخراً، إلا أنه نظيف، ساحر، ويضم المطعم الوحيد في الجزيرة الذي يواجه البحر. تبدأ الأسعار بـ159 دولاراً. تستطيع، أيضاً، الاستعانة بمواقع الاستئجار على الإنترنت مثل {عقارات مولوكاي للعطل}molokai-vacation-rental.com و{مولوكاي للأراضي والمنازل} molokailandandhomes.com، و Friendly Isle Realty friendlyislerealty.com, حيث يمكنك العثور على مجموعة واسعة في مختلف أنحاء الجزيرة (الجهة الغربية أقرب إلى الشواطئ، في حين يمتاز الشرق غض بطابعه الاستوائي).

• الطعام: تُعتبر المطاعم الحلقة الأضعف في الجزيرة. ولكن تتوافر بعض الخيارات الجيدة، مثل حانة بادلر (molokaipaddlersinn.com) التي تقدم أطباقاً محلية وبحرية ممتازة. ويشتهر Kualapuu Cookhouse (102 Farrington Ave., 808-567-9655) في مدينة كوالابوو بوجبات غداء وعشاء طازجة تُعتبر الأفضل في الجزيرة. وتضم كوالابوو أيضاً Coffees of Hawaii (coffeesofhawaii.com) الذي يقدّم القهوة المحمصة ولائحة صغيرة من الطعام المناسب للفطور، وأنت في طريقك إلى شبه جزيرة كالوبابا.

• النشاطات السياحية: تقدّم مولوكاي مجموعة كبيرة من المناظر الطبيعية والمعالم المميزة. في الساحل الشمالي، يضم شبه جزيرة كالوبابا منتزهاً وطنياً تاريخياً يمتاز بمناظر طبيعية خلابة وتاريخ مذهل في ما كان يُعرف بمستعمرة مرضى الجذام منذ أجيال. يستقبل هذا المنتزه 100 سائح في اليوم طوال ستة أيام في الأسبوع. كذلك يقدّم موقعا Molokai Fish and Dive  molokaifishanddive.com

وMolokai Outdoors (molokai-outdoors.com) نشاطات كثيرة مثل الجولات، الغطس، مراقبة الحيتان، والسير في الطبيعة. أما في ساحل مولوكاي الغربي، فتحظى ببعض أفضل شواطئ هاواي التي تستحق عناء الاستكشاف.