الفصل الأول

Ad

ربما تكون هذه هي الورقة العاشرة التي أمزقها قبل أن أقرر متى وكيف وماذا أكتب، تصورته أمراً في غاية اليسر... مجرد كلمات وأحرف تخطها وترتبها هنا وهناك كي تشكل جملاً مفيدة حتى اصطدمت بخيبتي الصلدة... إنني ببساطة لست {هي}، إنني لا أشبهها ولا حتى شكلاً، ربما لو كنت {هي} لأكملت هذا الكتاب منذ أيام عوضاً عن هذه الحيرة التي تلفني وتحيطني سالبة مني راحتي ومؤرقة لنومي.

لم أكتب في حياتي شيئاً، ربما مجرد أجوبة امتحانات أوصلتني إلى إلى التميز العلمي الذي أتمناه وحسبـي أن هذا يكفي، فلست من هواة الأدب والفلسفة ولا أجد أي معنى في النصوص التي تكتب للتسلية، فالكتابة بالنسبة إليّ وضعت لأجل هدف أو توصيل رسالة ما ولطالما استغربت من {انكفائها} على كتبها وأوراقها ساعات وساعات بينما كنت أنا أجدد معلوماتي

باللغة الانكليزية أو بعلوم الحاسوب، ولكن كما قلت سابقاً أنا لست {هي».

لم أدخل هذه الغرفة منذ سنوات {عشر سنوات} تحديداً، ولم أكن أنوي دخولها لولا اضطراري لهذا... أعتقد أنني سأتناول صلب الموضوع فليس التسويف من صفاتي.

امتلكت منذ طفولتي أحلاماً أكبر من قابليتي وأكثر رفاهية من ظروف محيطي، كنت أسخر من والدتي كلما قالت لي باللهجة العراقية التقليدية... {كلمن يمد رجليه على كد غطاه}... فأنظر إلى قدمي وأتخيل نفسي أمدهما ما أستطعت كي تغادرا فراشي حتى وليس غطائي فحسب.

ولدت في عائلة متوسطة الحال.. رغم أن منـزلنا يقع في إحدى مناطق بغداد الراقية. ولكن كل ما كنا نمتلكه هو ذلك المنـزل الذي ورثه أبـي عن والده، بعد أن خاض الحظ صفقته الرابحة... فتوفي عمي في الحرب العراقية الايرانية وهاجرت عمتي بعده إلى غير رجعة.

برجوازية المظهر أنا ولكني متواضعة الحال... لم يكن أي من زملائي يتوقع أن أستقل المواصلات العامة لأصل إلى كليتي صباحاً، فقد كنت أتوقف كل يوم في أحد الأزقة الضيقة كي أستبدل حذائي القديم بحذاء ذي كعب عالٍ يلفت الأنظار وكان لإصراري على ارتداء الزي الموحد الرصاصي والأبيض الفضل في اخفاء جذوري المتواضعة كما أضفى عليّ سحراً مختلفاً عن باقي زميلاتي.

لا أدري لم؟ كلما فكرت في طفولتي تراءت لي تلك الظروف المادية الصعبة التي عشتها ولكأن ماضيي، ضحكاتي وحب عائلتي لم يكن سوى سراب أمام الحقيقة الوحيدة في حياتي... وهي فقري.

لقد تمزقت عجلة دراجتي، ولن يتمكن والدي من إصلاحها حتى نهاية الشهر، أشتهي تناول جبنة {الكيري} ولكن والدتي تقول إنها دسمة جداً، وبإمكاننا الاستعاضة عنها بجبنة {الولد} الزرقاء... رغم أني متأكدة الآن أن الفرق كان في السعر وليس في نسبة الدهون.

لماذا تحظى {شيماء} صديقتي الوحيدة بكل شرائح {كيري} اللذيذة التي ترغب فيها؟ كما أنها تمتلك دراجة جديدة في كل سنة، لامعة ومزينة بأشرطة ملونة، لماذا تحتوي أقلامها وممحاتها وكل أدواتها المدرسية على صورة ذلك الرأس الغريب الذي علمت في ما بعد أنه أيقونة {ستيدلر} الإلمانية.

رفاهية حقيقية هي حياة صديقتي، سألت والدتي يوماً... لماذا لست كشيماء؟ فأجابتني بأن والد شيماء جراح معروف ولا يمكنني مقارنة نفسي بها أبداً.

طافت تلك الكلمة في ذهني... جراح معروف... كيف سيكون شكله يا ترى؟ راحت مخيلتي الطفولية ترسم له صوراً مختلفة صورا خضراء اللون أحياناً أو صفراء، بثلاث عيون أو بمجسات أو ربما بهالة قدسية بيضاء حول رأسه.

وانتظرته... انتظرته لعدة أيام لأن الجراح المشهور كان يتأخر في العودة إلى المنـزل كل ليلة حتى لمحته ذات مساء بكرشه الكبير وصلعته السمراء المميزة هل هكذا يكون الجراح؟؟

سأكون جراحة معروفة إذاً... كي أتناول الكيري متى شئت، وكي يرتسم ذلك الوجه الألماني البارد على كل أغراضي كنقوش سومرية، نعم... سأكون طبيبة.

في الخامسة والعشرين وقد أنهيت قبل أسبوع الامتحانات النهائية في كلية الطب وانتظر نتيجتي، لكني لست قلقة فستكون جيدة جداً كما اعتدت.

أسكن مع والدتي فقط بعد أن رحلت شقيقتي منذ سنوات وتلاها والدي كل إلى طريق مختلف، لم يعد منـزلنا بطوابقه الثلاث وغرفه الواسعة وشبابيكه المتعددة يلائم فتاة وحيدة ووالدة تعجز عن الصعود إلى الطابق الثاني، لم نعد نشعر بالأمان، وعندما تصر الريح كل ليلة وتعوي كلاب الشارع نتخيل عشرات الاختراقات الوهمية لدارنا من عشرات المنافذ المحتملة.

أخيراً، اتخذنا ذلك القرار الذي كنا نؤجله منذ زمن {بيع منـزل العائلة} إذ أيقنا أننا كنا نتمسك بأشباح سكنت هذا المنـزل لأشخاص رحلوا بعيداً.

أصبح لزاماً عليّ أن أبحث عن كل المفاتيح الصدئة لأفتح تلك الأبواب المغلقة على التراب وعلى ذكريات ولت إلى غير رجعة.

كنت قد عقدت العزم على رمي كل شيء وعدم التمعن فيه حتى، فالشيء الذي مكث طوال عشر سنوات في أروقة ودهاليز منسية لا أعتقد أننا بحاجة إليه الآن، فكيف تمكنا من الاستغناء عنه كل تلك الفترة؟ ولكن ما وجدته لم يكن في الحسبان.

في البداية ظننت أن تلك اللفائف المصفرة تحتوي على مجلات أو جرائد قديمة كانت أختي الكبرى مولعة بجمعها منذ الصغر، لكني وجدت حروفاً وكلمات خطت بقلم أسود بهت حبره وخف بريقه مع السنوات، ولشدة دهشتي حافظت تلك الأوراق على مكنونها واحتضنت أسرارها بحب حتى هذه اللحظة.

كانت تلك الأوراق تحمل عنوان {أرشيف طبيبة} ومن خلال تفحصي السريع لها تبين أنها مذكرات شقيقتي الكبرى وتفاصيل سنوات عملها كطبيبة مقيمة في بغداد نهاية الألفية الأولى، كنت أمتلك الكثير من الفراغ ولم أعتد على الجلوس في المنـزل كما لم أتمكن من ممارسة أي من هواياتي أو الدردشة مع صديقاتي بسبب انقطاع التيار الكهربائي إلى قبيل الظهيرة كل يوم، الملل، الفراغ، الفضول، اللاشيء أو ربما الاشتياق اليها، خمسة أصابع سلمتني صاغرة إلى القراءة وما أغرب ما قرأت.

«أنا... والرداء الأبيض»

عندما كنا صغاراً جذبنا إلى اختيار تخصص علمي صعب وساعد على هذا، المجموع الذي حصلنا عليه في الثانوية، كانت الحياة بالنسبة لنا كتاباً كبيراً عليه صورة هيكل عظمي و... ذلك الرداء الأبيض.

دخلنا كلية الطب، ونحن نجهل المسؤولية الملقاة على كاهلنا، لا الاكاديمية فحسب، بل الالتزام الخلقي الذي يترتب عليها... لم تغادرنا طفولتنا وفرحة الحرف {دال} الذي يسبق أسماءنا حتى حضر بين أيدينا ذلك اليوم الذي مكثنا فيه لوحدنا في ردهة مليئة بالمرضى الذين يعتقدون بأنك قادر على كل شيء، وكيف لا.. أولست طبيبا؟ علمت يومها أن المطلوب مني أكثر من مجرد معرفة عمياء بأسماء الأدوية وجرعها وإنما دور مؤثر في حياة الكثيرين دور يشع كخيط الصباح في الهزيع الأخير من الليل.

ليس من الغريب أن يخبرك المرضى بكل بساطة عن أسرار حياتهم، عواطفهم، عشقهم الخفي وسواه، وكل ما يتطلبه الأمر ابتسامة تشجيع وسلام ودود منك.

أهم صفة يتميز بها الطبيب وتجذب انتباه مرضاه هي {الثقة} حيث إن النجاح في التشخيص والبراعة في إجراء الجراحات الدقيقة لا تساوي شيئاً أمام شعور المريض بالأمان فقط، فلو فشل الطبيب بأن ينقل لمريضه احساس الثقة والاطمئنان.. ستصبح كل مزاياه الأخرى غير ذات قيمة، فكيف يستلقي شخص مغمض العينين ومستسلم تماماً بين يدي طبيبه وهو لا يثق به في المقام الأول؟

كانت الحضارات السابقة تطلق على الطبيب لقب الحكيم ولا أظن الأمر محض معلومات يختزنها دماغه وإنما قابلية التصرف بدهاء مع الآخرين وفي حضارات أخرى كان الطبيب هو ساحر القبيلة الذي يجبر الآخرين على الانصياع لأوامره، وأكاد أراه أمراً قريباً. للحقيقة.. نعم... ففي أحيان كثيرة تضطر إلى التعامل بأسلوب الساحر مع المريض الذي يتسم بالعناد فتقنعه بكلمات مؤثرة بإتباع نصائحك في ترك التدخين مثلا أو الالتزام بحمية غذائية ما.

الطب ليس رداء أبيض وحسب وإنما علاقات إنسانية متوترة تكون فيها أنت اللولب المحرك، وعليك تحويل مسار الأحداث بما يضمن صحة وسلامة مريضك، لأنك بكل بساطة تتعامل مع الجنس البشري وهو في أضعف حالاته، حالة الألم المبرح، اليأس أو الخوف ونموذج كهذا يكون هشاً جداً وقابلاً للعطب وبإمكان نظرة منك أن تتلاعب بمشاعره وحتى صحته الجسمانية... فترفق بنظرتك، بنبرة صوتك وبما تجني يداك فإنك مسؤول عنه يوماً.

بهذه الكلمات الجميلة افتتحت شقيقتي أرشيفها، لطالما علمت بأنها مختلفة وتمتلك مهارات جانبية تضاف إلى كونها طبيبة ممتازة، ولكن روعة أسلوبها وصدق أحساسها جعل كلماتي تبدو خرقاء إلى جوارها.

عقدت العزم على نشر مذكراتها بغرض كشف الكثير من الأسرار التي ظلت حبيسة الأدراج طوال عقد من الزمان، وربما حسبت أن نشر كتاباتها تلك قد يفيها بعضا من حقوقها المهدورة في بلد أبى إلا أن يتنكر لها ويطردها من جحيمه إلى فردوس الغربة، أو لعلني أبتغي أن أريح ضميري حيث كرهتها فترة من الزمن... وأعلم أن كلامي هذا يبدو منفراً وحقيراً ولكني قررت قول الحقيقة.

طوال ستة عشر عاماً ظلت أختي وحيدة والديها حتى أتيت أنا كخطأ غير متوقع، زيارة غير مرغوب بها أو نسخة أخرى مصغرة منها... امتلك بعض جمالها وبعض ذكائها وحتى بعض حب والدينا لها، يخيل إلي أحياناً أن والدي لم ينتبها إلى وجودي ألا بعد أن فارقتهم هي فقد كانت كالشمس التي تبهت إلى جوارها أسطع النجوم وألمع الاقمار.

في طفولتي عمدت إلى تقليدها بجنون، فكنت أرتدي ملابسها وأنتعل أحذيتها وأقوم بين الحين والآخر بغارات ناجحة على عطورها ومساحيق تجميلها، كم كانت والدتي تغضب مني وتسحبني إلى غرفتي باكية بينما كانت {هي} تضحك وحسب، عندما كبرت قليلا كرهت تلك الضحكة التي تجابه بها كل عمل أحمق أعمد إلى ارتكابه في سبيل تقليدها، فماذا كانت تعني بتلك الابتسامة البسيطة والأعين المليئة بالفرح؟ هل سأخفق في أن اكون مثلها لأنها عصية على التكرار؟

قررت في يوم ميلادي الثاني عشر أن أتوقف عن تقليد شقيقتي الكبرى وأن أجد لنفسي حياة وشخصية مناقضة لها تماماً بل حتى اني قمت في تلك الليلة بتمزيق هديتها لي وكانت مجموعة متسلسلة من قصص للأطفال، مزقتها قطعاً ثم أخفيت جثثها في حشو سريري كي لا تتم محاكمتي على ما ارتكبت، وكلما سألتني عن تلك القصص كنت اصف لها استمتاعا مزيفا بقراءتها، لا أزال لا أفهم لم فعلت هذا أو لماذا عمدت بعد سنتين إلى إعادة شراء تلك القصص وقراءتها فعلا؟

ما هذا الذي أكتبه هل أقوم فعليا بتدوين مذكراتي أم مذكراتها؟ هل اتحدت روحانا أم هيمنت عليّ ذاتها؟ كان من الأفضل لو اضطلع أحد الكتاب بنشر تلك المذكرات ولسوء الحظ لا أعرف أحداً، كيف سأتمكن من إتمام تلك المهمة؟ أنا التي لم أقرأ كتاباً منذ أكثر من خمسة عشر عاماً عدا الكتب والمجلات الطبية.

لا يهم سأكتب كل ما يخطر في بالي، لا يمكنني التراجع الآن، لا يمكنني الاستسلام أو اعلان هزيمتي أمام ورقة قديمة مصفرة، وكأني هزمت أمامها هي مرة أخرى، أتساءل من أين أبدأ؟