في عام 1976 صدر المرسوم بقانون رقم 106 بشأن إنشاء احتياطي الأجيال القادمة الذي يستقطع بموجبه عشرة في المئة من دخل الدولة لمصلحة صندوق بنفس المسمى، دون أن يحدد ذلك المرسوم، المكون من ثلاث مواد فعلية ومادة رابعة بروتوكولية، مدة ذلك الصندوق أو الحساب، وماهية الأجيال القادمة أو المقبلة كما يحلو لأصحاب اللغة والمرحوم أحمد الربعي الذي كان يصحح لنا ويقول الأجيال المقبلة وليست القادمة، لأن القادم هو من يمشي على قدميه.

Ad

سواءً كانت الأجيال القادمة أو المقبلة فإن المرسوم لم يبين السلطة أو المرجعية التي تحدد من المستفيد من هذا الاحتياطي وأرباحه، أو ما هي الظروف التي تحتم الصرف منه أو طريقة مراقبة ذلك الاحتياطي الضخم، لاسيما ونحن من المفترض دولة مؤسسات ونصوص دستورية وقانونية ولا تدار بالنوايا والأفكار أو بقرار فردي، مع الأخذ في الاعتبار أنه منذ صدور المرسوم حتى اليوم مضى ما يقارب أربعين عاماً، وقدمت أو أقبلت خلالها ثلاثة أجيال، ودخلنا في الجيل الرابع من الشعب الكويتي.

بالتأكيد سيخرج علينا «الخبراء الاقتصاديون» وهم في الكويت كثر، معظمهم يعملون في «السوق»، ولا ينتمون لأي مركز بحثي أو أكاديمي، لذا فإن غالبية ما ينطقون به يمثل مصالحهم في «البزنس» أو من يمثلونهم في هذا المجال، ونادراً ما تجد في الكويت رأياً اقتصادياً مستقلاً وخالياً من الهوى وتأثير المصالح، أعود لما سيخرج به خبراؤنا، وغالباً سيكون المثال النرويجي الذي لا يحق فيه للدولة أن تمول موازنتها العامة بأكثر من 4 في المئة من دخل النفط، في ما يذهب بقية دخل النفط النرويجي إلى صندوق استثماري سيادي.

والرد على مقارنتنا بذلك النموذج هو أن المواطن النرويجي لا يعاني مشكلة إسكان أو سوء خدمات صحية أو مطار «علب السردين» أو المناقصات المصممة للنافذين وخلافه، بل يمتلك أفضل شبكة طرق ومطارات ونقل خفيف «مترو» وقطارات ومستشفيات، ويعتبر التعليم بكل مراحله في النرويج نموذجياً ومجانياً لكل مقيم على أرضها، بينما توصف بورصة أوسلو بأنها من أكثر البورصات استقراراً، وأغلبية القطاعات الصناعية والنفطية الرابحة مدرجة في البورصة وفي متناول الشعب هناك، وتتمتع بديمقراطية في ظل نظام ملكي دستوري كامل، ولم تشهد النرويج أي عمليات سرقة أو تكسب من مؤسسات الدولة أو نهب شيء من استثماراتها الخارجية أو صناديق المتقاعدين لديها، وغالباً ما يحصل المواطن النرويجي على عوائد مجزية على مدخراته وأصوله عند تقاعده، تجعل منه أكثر المتقاعدين رفاهية في العالم.

في المقابل، فإن المواطن الكويتي الذي يمتلك صندوقاً مماثلاً يعاني الأمرين من قضايا الخدمات بكل أنواعها، والتلاعب باستثماراته ومدخراته في البورصة، وجميع المشاريع الكبرى حكر على المؤسسات العائلية والفردية، وقضايا سرقة المال العام من سانتافي مروراً بالاستثمارات والناقلات و»خس الدفاع» والداو ومحولات الكهرباء وحتى التأمينات الاجتماعية التي تقدر بالمليارات دون رادع أو توقف لها، وهنا يقع الخلاف الجوهري بين النموذجين الكويتي والنرويجي.

كما أن الكويتي عندما يريد أن يطلع أو يعرف ماذا يجري لتلك الفوائض فإنه يجابه بما يشبه مقولة «مالك شغل» ما دام تأكل وتشرب، وعلى الصفحة الإلكترونية للهيئة العامة للاستثمار الكويتية -المنشأة وفقاً للقانون رقم 47 لسنة 1982- تجد في خانة الشفافية الخاصة بها باللغة الإنكليزية أنها مكلفة بعرض وضعها المالي فقط لمجلس الوزراء ومجلس الأمة كل عام مرة، وبالنسبة للثاني يقدم له عرض شفهي لا تقدم فيه أي أوراق.

اليوم ونحن على عتبة النصف قرن من إنشاء احتياطي الأجيال القادمة ألا يحق للشعب الكويتي أن يطالب بأن يوضح ذلك القانون، ليبين من هي تلك الأجيال القادمة المستفيدة من أكثر من 250 مليار دولار وأرباحها حتى اليوم؟ ومن يقررها؟ ومن يقرر من يستحق أن يستفيد من أرباح تلك الأموال المتراكمة من عدمه؟ وكذلك يجب حسم أحقية الشعب الكويتي «الجمعية العمومية» لتلك الهيئة التي تدير هذه الأموال للاطلاع على حساباتها وأدائها، وتعديل المادتين 8 و9 من قانون هيئة الاستثمار، لأننا وفقاً للقانون ونصوصه نحن الكويتيين جميعاً أصبحنا الآن الأجيال المقبلة.