مثلما حالت ظروف البلاد في مصر دون تشييع الفنان الكبير كمال الشناوي حين وفاته (26 ديسمبر 1921 - 22 أغسطس 2011)، بالشكل الذي يليق بحجم عطائه، وبالدور الكبير الذي لعبه طوال مسيرته، التي بدأت عام 1948 بمشاركته في أول أفلامه: «غني حرب»، مرت، منذ أيام قليلة، الذكرى الثالثة لرحيله، من دون أن تنظم الجمعيات السينمائية أسابيع لأفلامه، أو تُقيم أجهزة الدولة الثقافية احتفالات لتأبينه، في حين كان بمقدور تلاميذه ومريديه تحقيق أمنيته التي عاش من أجل تنفيذها، وهي إقامة معرض للوحاته الفنية التشكيلية التي أبدعها بريشته في أيامه الأخيرة؛ إذ ربما يجهل كثر من محبي كمال الشناوي،  الذي ولد في المنصورة، وعاش فترة من حياته في حي السيدة زينب، أنه تخرج في كلية التربية للمعلمين، ودرّس التربية الفنية في المدارس الثانوية لمدة عامين، كذلك التحق بمعهد الموسيقى العربية،  لكن عشقه للتمثيل الذي أحبه مذ كان عضواً في فرقة المنصورة الابتدائية، ملك عليه حياته فاعتزل الوظيفة وتفرغ للسينما.

Ad

  شارك الفنان القدير كمال الشناوي في بطولة ما يقرب من  272 فيلماً، وقيل إنه حقق إنجازاً فريداً عندما شارك في العام التالي لظهوره على الساحة الفنية في بطولة ما يقرب من تسعة أفلام، كذلك باشر، بعد سبعة عشر عاماً من احترافه التمثيل إخراج فيلم «تنابلة السلطان» (1965).

منذ ظهوره عام 1948 لم يغب عن الشاشة الكبيرة سوى لعام واحد (1972)، وفي فترة السبعينيات لمع في المسلسل التلفزيوني «زينب والعرش»، وفاجأ الجميع بقدرته على تغيير جلده، ولونه،  عبر مجموعة من الأفلام السينمائية أهمها: «العوامة رقم 70»، «الحناكيش»، «الوحل» و{عزبة الصفيح»، لكن ظل دوره في فيلم «ضربة معلم» (1987) تحت قيادة المخرج عاطف الطيب علامة على نضجه الفني، ورصانة أدائه، وتوهجه، ثم جاءت مشاركته في فيلم «العجوز والبلطجي» (1989)، لترفع من أسهم شعبيته، وتزيد رصيد جماهيريته، غير أن دوره المُدهش في فيلم «الإرهاب والكباب» (1992) كان بمثابة الدور الذي منحه، إلى الأبد، صك ملكية، واحتكار، تجسيد شخصية «وزير الداخلية»؛ بعدما أداه ببراعة منقطعة النظير كانت سبباً في بث الرعب لدى بقية الممثلين، ورفض الدور في حال عُرض عليهم، خشية ألا يصل أداء الواحد منهم إلى عبقرية كمال الشناوي في تقمصه للشخصية!

  كغالبية أبناء ذلك الجيل، ممن أحبوا التمثيل، وأخلصوا له، ووهبوا أنفسهم وأموالهم للفن، لم يتردد كمال الشناوي في تأسيس شركة إنتاج سينمائي تحمل اسمه، وبعد  ثلاث سنوات من التحاقه بالساحة الفنية أنتج «المعلم بلبل» ثم أتبعه بفيلم «طريق الدموع» (1961)، «زوجة ليوم واحد» (1963)، «تنابلة السلطان» (1965)، «نورا» (1967) وكانت آخر علاقته بالإنتاج السينمائي من خلال فيلم «نساء الليل» (1973)، الذي حصل على جائزة الدولة في الإنتاج بينما حصلت بطلته ناهد شريف على جائزة التمثيل.

 تخصص كمال الشناوي في تجسيد أدوار الشر، وقدمها بشكل غاية في التنوع والجاذبية عبر فيلمي «المرأة المجهولة» و{اللص والكلاب»، كذلك قدم بعض الأدوار الرومانسية، وأجبر على الغناء في بعض أفلامه، مثل «طريق الدموع» (مع صباح)، «معاً للأبد» (مع شادية) و{الدكتورة منال ترقص»، لكنه هجر أدوار الشر بعد نجاح المخرج الكبير عاطف سالم في إقناعه بتجسيد شخصية الفلاح عوضين في فيلم «يا ناس يا هوه» (1992)، وظلت شخصية «خالد صفوان»، أحد مراكز القوى في فيلم «الكرنك» (1975)، بمثابة البصمة التي لا تُنسى، وكان بمقدوره أن يكرر الشيء نفسه من خلال شخصية رئيس الجمهورية التي جسدها في فيلم «ظاظا» (2006) لكن حالته الصحية تدهورت بدرجة ملحوظة، وانقطعت علاقته بالسينما بعد انتهائه من تصوير الفيلم، رغم تأكيده للصحف ووسائل الإعلام أنه صاحب قرار الرفض والامتناع عن المشاركة في أعمال جديدة،  لأن الموضوعات التي تُعرض عليه لم تكن تليق بتاريخه ومكانته!

  غيَب الموت «كمال الشناوي» يوم الاثنين 22 أغسطس 2011 م، الموافق 22 رمضان من العام 1432هـ، أي في العشر الأواخر المباركة من الشهر الكريم، وهو ما أثلج صدر محبيه، رغم حزنهم العميق على فراقه، لكن أجمع كل من عرفه أو اقترب منه يوماً أنه كان أنموذجاً للفنان الذي يحترم نفسه، وفنه، وجمهوره، ومثالاً للإنسان المعتز بذاته، من دون خيلاء أو غرور،  فضلاً عن تواضعه الذي كان مضرب الأمثال، وانضباطه الذي كان بمثابة الدرس والمثال والقدوة لأبناء الأجيال الجديدة، ممن أحبوه بعدما شاءت الأقدار أن يتعاونوا معه، وأدركوا أن صرامته البادية على وجهه لم تُفلح في أن تُخفي الطفل البريء في داخله، وأيقنوا أنه «البرنس» الذي لن يتكرر !.