قبل أن يحاول أحد الاصطياد في الماء العكر أو يسعى إلى الإيقاع بيني وبين «بلدياتي» المطرب محمد منير، أنوه إلى أنني أكتب هذه السطور مدفوعاً باحترامي لشخصه، وحبي لموهبته، فضلاً عن تقديري لمشواره الطويل في عالم الغناء، والإنجازات الكثيرة التي جعلت منه أحد أهم المطربين في العالم العربي. لكن شيئا من هذا لا يؤهله أبداً، كي يُصنف كأحد نجوم السينما المصرية، ومن ثم يقع الاختيار عليه، بواسطة إدارة {مهرجان الإسكندرية لسينما دول البحر المتوسط}، ليكون ضمن قائمة المكرمين في الدورة الثلاثين (10 ـ 16 سبتمبر 2014) جنباً إلى جنب مع المخرج الكبير داود عبد السيد والفنانة المخضرمة نادية الجندي!

Ad

لا يخلو مهرجان في العالم من فقرة التكريم، التي تُخصص لأصحاب الإنجاز الفريد، أو المشوار الطويل، ويتسبب درع التكريم غالباً في أزمة إذا ما نظر إليه الفنان المُكرم بوصفه إعلان اعتزال أو إيذان بختام مسيرة العطاء السينمائية، المسرحية، الموسيقية والغنائية. لكن كل مهرجان يضع المعايير والقواعد التي يختار المُكرّمين على أساسها، وعلى رأسها حجم ما قدمه من عطاء للحقل الذي ينتمي إليه، والدور الملموس الذي أداه في مجاله. وطبقاً لهذا المعيار المهم فإن أحداً لا يجرؤ على التشكيك في حجم الإنجازات، التي لا تُعد ولا تُحصى، للمطرب محمد منير في مجال الموسيقى والغناء؛ كأول مطرب مصري يمزج بين الموسيقى الإلكترونية والمقسوم، في أغنية «الليلة يا سمرة»، أول مطرب مصري يدمج موسيقى الراب مع الإيقاع النوبي، في أغنية «سيا سيا»، أول مطرب مصري يقدم أغنية برتم (tempo) سريع، في أغنية {حكمت الأقدار}، ومعها أسرع صولوهات معزوفة باحتراف، عبر آلات النفخ والإلكتريك، أول مطرب مصري يمزج في أغنية واحدة أصوات آلات {العود}، {الإلكتريك} و{الدف} بصولوهات في أغنية {الناس نامت} في ألبوم {وسط الدايرة}، بالإضافة إلى كونه المطرب المصري الوحيد الذي قدم أعمالاً من التراث العربي بمختلف أنواعه وأشكاله، فمن الأردن غنى {يا طير يا طاير}، ومن المغرب {حكمت الأقدار}، ومن السودان {وسط الدايرة} و{مساكن شعبية}، ومن التراث التونسي {تحت الياسمينة}، ومن التراث النوبي {نعناع الجنينة} وغيرها. كذلك غنى لفلسطين والانتفاضة أغنية {القدس} من ألبوم {بريء} وغنى للبنان، والشهيدة سناء المحيدلي، أغنية {أتحدى لياليك} من ألبوم {وسط الدايرة}.

نزر يسير مما قدمه محمد منير في عالم الموسيقى والغناء يستحق عنه الحفاوة والتكريم، مثلما يجعل منه {الملك} المتوج لكثير من المهرجانات الغنائية التي تلهث وراءه طمعاً في انتزاع موافقة منه على إحياء ليلة أو الظهور على خشبة أحد مسارحها ليتسلم درع تكريمها، لكن الحال تختلف كثيراً على صعيد السينما؛ فالأمر المؤكد، وبلغة الأرقام التي لا تكذب، أن محمد منير، الذي  قدمه المخرج الكبير يوسف شاهين في فيلم {حدوتة مصرية} (1982) لم يكن سوى بدعة من البدع التي كان يحلو لشاهين إطلاقها في وجوهنا، ولولا الأغنية العذبة التي كتب كلماتها الشاعر المرهف عبد الرحيم منصور ولحنها  أحمد منيب، وحملت عنوان الفيلم نفسه، لما شعر أحد أن وجهاً جديداً قدمه يوسف شاهين في الفيلم، وتأكد ذلك الشعور بعد غيابه عن الشاشة الكبيرة قرابة أربعة أعوام إلى أن استعان به المخرج خيري بشارة في فيلم {الطوق والأسورة} (1986). وفي العام نفسه، اختاره يوسف شاهين للمشاركة في بطولة فيلم {اليوم السادس}، ورغم الخبرة التي يُفترض أنه امتلكها في تجربتيه الثانية والثالثة فإن منير لم يترك البصمة التي تنبئ بأنه يملك، مع القبول، إمكانات الممثل الموهوب. وباستثناء التوظيف الجيد والجديد له في دور الشرير الانتهازي في فيلم {يوم مر ويوم حلو} (1988)  مرت أفلامه الأخرى: {شباب على كف عفريت} (1990)، {ليه يا هرم} (1991)، {اشتباه} (1991)، {حكايات الغريب} (1992)، {البحث عن توت عنخ أمون} (1997)، {المصير} (1997) و{دنيا} (2005)، في هدوء من دون أن تثير أي ضجة تُذكر، وبدا وكأن الأيقونة التي تفاءل بها المخرجون أو راهن عليها المنتجون، قد بطل مفعولها، ولم يُعد لها الأثر المطلوب لدى الجمهور، الذي قال، عبر إيرادات {شباك التذاكر} إنه ما زال متعلقاً بالمطرب محمد منير، ولم يجد الممثل الذي حلم به!

اعتبارات كثيرة يبدو أن أحداً من القيمين على الدورة الثلاثين لمهرجان الإسكندرية السينمائي لم يضعها في الحسبان، قبل اتخاذ قرار تكريم {المطرب} محمد منير، الذي توقعت، من ناحيتي، أن يتردد طويلاً فور إبلاغه بالقرار، وبعد أن يعود إلى نفسه، ويُرتب أوراقه المبعثرة، يُعلن على الملأ أنه يرفض التكريم، وأن ثمة (من السينمائيين) من هو أولى به منه!