في تطرّق الرئيس الأميركي باراك أوباما المقتضب للشؤون الدولية في إطار خطاب "حالة الاتحاد" الذي ألقاه الأسبوع الماضي أعلن بشكل رئيس نقطتين حول سياسته الخارجية: أنها غير تفاعلية، وغير أحادية البعد، إلا أن الخطاب كان عبارة عن نقد غير متعمد للذات أكثر من كونه دفاعاً عن الذات كما كانت نية الرئيس، ولا يمكن الإنكار أن المبدئين محقان، ولكن الإدارة الأميركية لم تمارسهما؛ وللمفارقة هذان المبدآن من العيوب الرئيسة في الطريقة التي تعاملت فيها الولايات المتحدة أخيراً مع الشؤون الخارجية.

Ad

وليس من إشارة أكثر وضوحاً حول الطبيعة التفاعلية للسياسة الخارجية الأميركية أكثر من شبه غياب موضوع "إعادة التوازن" إلى آسيا عن الخطاب- وهو المحور المركزي لسياسة أوباما الخارجية- أو شبه غياب أولويات أخرى ظهرت في بداية ولاية الرئيس مثل السلام الإسرائيلي الفلسطيني أو تحسين العلاقات مع روسيا.

وعوضاً عن ذلك كانت سياسات الإدارة الأميركية في الخارج تمليها الأحداث، حيث فشلت الإدارة في توقعها أو اختارت تجاهلها، على سبيل المثال، جاءت الانتفاضات العربية في أعقاب التخفيف من حملات الإصلاح الاقتصادي والسياسي كأولويات بالنسبة إلى الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؛ كما أن الأزمة الأوكرانية تلت تقييماً غير واقعي للأولويات والنوايا الروسية؛ أما انتشار "تنظيم الدولة الإسلامية" (داعش) والإجراءات اللاحقة التي اتخذتها الولايات المتحدة لوقفه فقد أتت بعد سنوات من عدم التحرك في سورية والإجهاد في العراق.

ويقيناً، إنها ليست عبارة عن علاقات سبب وتأثير، ولكنها مع ذلك تعكس نقصاً في التخطيط الاستراتيجي وميلاً متزايداً إلى النظر إلى الشؤون الخارجية أولاً من خلال عدسة السياسة الداخلية الأميركية بدلاً من تحليل الحقائق وكيفية تأثيرها على المصالح الأميركية؛ لذا يشكل التركيز بشكل أكبر على استباق الصراعات والأزمات ومنعها- بدلاً من التخبط للتخفيف منها بمجرد بدئها- أمراً بالغ الأهمية إذا أرادت واشنطن التخطيط لمسار أكثر ثباتاً وتجنب سياسة خارجية تفاعلية حقاً.

لقد فشلت الولايات المتحدة أيضاً فيما يتعلق بنشر عناصر متعددة من القوة من أجل دعم استراتيجيات وأهداف واضحة، ففي سورية، وبعد عدة سنوات من التردد في استخدام القوة العسكرية لاستكمال الدبلوماسية الغربية تركز السياسة الأميركية حالياً، فقط على تنفيذ ضربات جوية ضد "داعش" والجماعات الإرهابية الأخرى، ولم تكن هذه الحملة ناجحة على وجه الخصوص، ويعود ذلك جزئياً إلى عدم ارتباطها باستراتيجية أوسع نطاقاً لتحقيق الاستقرار في سورية وإنهاء الحرب الأهلية التي أودت بحياة مئات الآلاف من الأرواح وأدت إلى تشريد الملايين.

أما حول الموضوع الإيراني فقد ركزت الولايات المتحدة على القضية النووية إلى حدّ استبعاد المخاوف الأخرى التي أثارتها أعمال طهران، وأهملت عملية استكمال التعاطي بانتهاج تكتيكات أخرى، وبدلاً من مجرد الأمل بأن يحقق الاتفاق النووي فوائد إضافية ثانوية للعلاقات الثنائية، يحتاج صانعو السياسة الأميركية إلى التحضير بشكل واقعي للتعامل مع طهران التي تتمتع بالقوة ومع الحلفاء الساخطين في أعقاب الاتفاق. وكما هي الحال مع كوبا، يبرز فرق كبير ما بين استخدام التعاطي لدعم سياسة ما، والخلط ما بين التعاطي والسياسة.

لقد تولى الرئيس أوباما منصبه وهو يدعو إلى اتباع سياسة التعاطي، إلا أن التصور السائد حول العالم هو عدم التزام الولايات المتحدة بهذه السياسة، أما الآن، وبعد أن وضع الرئيس الأميركي جدول أعمال يقوم على التبادل، الأسئلة التي تطرح نفسها هي: هل سيستخدم أوباما نفوذه لحشد الدعم لجدول أعماله، لا سيما داخل حزبه؟ وبعد أن واجه روسيا، هل سيستخدم القيادة الأميركية لمساعدة أوكرانيا وتقوية "حلف الناتو"؟ وبعد أن هدّد باستخدام حق النقض ضد فرض عقوبات جديدة، هل سيعمل مع الكونغرس لصياغة سياسة تجاه إيران تعكس مخاوف الحزبين؟ سيتم تقييم إرث الرئيس بناءً على إنجازاته على صعيد السياسة الخارجية، وليس استناداً الى الأخطاء التي يَعتقد أنه قد تجنبها.

* مايكل سينغ | Michael Singh