لا يختلف اثنان في الكويت على أن الدولة منذ بداية موجة الارتفاعات في أسعار السلع والخدمات عام 2007 فشلت فشلاً ذريعاً في التصدي لها، وشهدت الأسواق، كما الجمعيات التعاونية، طفرات كبيرة في الأسعار، معظمها غير مبرر، كما أن الدولة لم تتمكن من مواجهة الزيادات الكبيرة في قيم إيجارات المنازل، وتجاهلت كل المطالب بسن قانون لتقييم قيمة الإيجارات وتقنين زياداتها كما فعلت دول خليجية ودول كثيرة حول العالم.

Ad

عدم توافر الإرادة الحقيقية لدى الدولة للتصدي لمن يتلاعب في الأسعار، ومسلسل الأغذية الفاسدة المستمر في البلد بفصوله المتعددة أديا إلى تفشي حالة الجشع التي تنتشر كالورم السرطاني في الكويت، بسبب تراخي الدولة في تشريع قوانين صارمة وتطبيقها بحزم، فضلاً عن تداخل القرارين السياسي والإداري مع المصالح التجارية الشخصية، وهو ما يمنع من التطبيق الصحيح لأي قوانين لحماية المنافسة ومنع الاحتكار ومكافحة الغش التجاري، وما إدارة حماية المستهلك وإجراءاتها إلا شكليات لا تؤدي إلى قرارات مؤثرة ورادعة للجشعين والمتلاعبين.

تلك الحالة الحكومية أو عدم رغبتها في مواجهة حالة الجشع تلك، أدت إلى مطالب شعبية منذ 2008 لزيادات متتالية في الرواتب والمعاشات، لذا فإن قرارات رفع الدعم المرتقب عن المحروقات وبعض الخدمات دون أن يصبح للدولة جهاز حقيقي لحماية المستهلك ومراقبة الأسعار تدعمها تشريعات حقيقية لردع الجشع والتلاعب في الأسعار وحماية المنافسة، وقبل ذلك كله رغبة حقيقية من الدولة في حماية المستهلك -إن لم يتوافر ذلك- سيشهد البلد بعد أقل من ثلاثة أشهر من تطبيق رفع الدعم عن المحروقات ارتفاعات كبيرة في الأسعار ستؤدي خلال أقل من عام إلى مطالبات شعبية بزيادة الرواتب لمواجهة الغلاء، ربما تتطور إلى قلاقل وحراك سياسي جديد.

***

تلقيت بعد مقالتي السابقة، التي ذكرت فيها أن الإصلاح الاقتصادي لا ينجز إلا بفرض الضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة والأكثر استفادة من ثروة البلد، بعض الملاحظات التي تردد أن الدول المتقدمة تقلل الضرائب على الأثرياء والشركات الكبرى حتى توفر فرص عمل وتطور عجلة الاقتصاد فيها، وهنا يطرح السؤال المنطقي: كم يستوعب القطاع الخاص الكويتي من العمالة الوطنية؟ والجواب إن نسبة استيعابه لا تتجاوز 4 في المئة، ومن يدفع أجورها حقيقة هو برنامج دعم العمالة الوطنية الحكومي، الذي لا تزيد نسبة مشاركة القطاع الخاص في ميزانيته على 5 في المئة فقط! ولكن هنا يجب أن نؤكد حقيقة أن جانباً من تجار الكويت الوطنيين يطالبون بإصلاحات حقيقية ويريدون أن يسهموا فيها، ولكن هناك من يمنع تحقيق ذلك الإصلاح لأنه يتعارض مع مصالحه الذاتية.

***

انتشر في الآونة الأخيرة من يتحدث ويوزع مقالات للمقارنة بين وضع الكويت والحالة أو الأزمة الاقتصادية التي مرت بها هولندا، والتي يطلق عليها "المرض الهولندي"، وحقيقة فإن هذه المقارنة مغالطة كبيرة، فكل من ظروف هولندا وتاريخها وموقعها لا يصلح أبداً للمقارنة مع الكويت اقتصادياً، فهولندا تقع في قلب أوروبا ومرت بمراحل التحول في الثورة الصناعية وخبرات التحول من الثورة الزراعية إلى الصناعية، كما أن ثروة هولندا من نفط الشمال وُزعت بالعدل بين الفقير والغني، ولم يستأثر فيها أحد أو يمنح أحد أراضي حكومية من أجل بناء مجمعات بعوائد شبه رمزية للدولة، ولم يعف أبداً أحد من أثريائها وحكامها من دفع الضرائب منذ قرون، علماً أن هولندا مازالت تعتبر من أفضل الدول في تقديم الخدمات الاجتماعية لمواطنيها وللمهاجرين الشرعيين على أراضيها، لذا فإن مقارنة "المرض الهولندي" مع أوضاع الكويت غير دقيقة وغير صحيحة.