*عذراً لصدمة العنوان* أعتذر إلى القارئ الكريم عن عدم استكمال المقال السابق "ماذا يريد النظام؟" وتأجيله إلى الأسبوع المقبل، فما حدث الأسبوع الماضي من الإعلام تعليقاً على حوادث الطرق يستحق أن نتوقف أمامه. في عام 2012 حدثت سلسلة من حوادث الطرق في مصر أدت إلى وفاة الكثيرين، فتصدى الإعلام لها وأخذ يكيل الاتهامات لرئيس مصر ورئيس وزرائها، وتولت قمم إعلامية كثيرة مهمة الهجوم، فمنهم من قال إنه سيحمل مسدسه ليضرب رئيس الوزراء... ومن طالبتْ الرئيس بالرحيل لأن "الشيلة" كبيرة عليه، أما من كان رحيماً بالرئيس فوبّخه قائلاً: "أنت تعلم بحجم المسؤولية وثقلها ونقص الإمكانيات قبل ترشحك فلماذا ترشحت؟".... إلخ، هكذا كان لسان الإعلام في 2012.وفي الأسبوع الماضي تكررت حوادث الطرق بصورة أكثر بشاعة واحترق شباب مصر داخل الأتوبيس، فماذا كان موقف الإعلام؟!للأسف أقل كلمة يوصف بها أنه كان فضيحة كبرى مهنية وأخلاقية، فقد تحولت قمم الإعلام إلى أقزام وما دونها، فمن كانوا يتبجحون بأنهم يستطيعون بكلمة تحريك الرأي العام وتهييج الشارع صاروا كبيادق الشطرنج لا يملكون من أمرهم شيئاً، وسقطوا جميعاً في اختبار الصدق والمهنية، إذ تحولت مواقفهم 180 درجة، فمن أشهرَ مسدسه قال إن الحادث قضاء وقدر ويجب أن نرضى بالقضاء... ومن طالبت برحيل الرئيس أخذت تتغنى بضرورة مساندته، وأخيرهم طالب بالصبر لأن المعوقات كثيرة ومتراكمة... هكذا سقطوا جميعاً في بئر الكذب والنفاق.وزادت الفضيحة بأخرى، حين حاول مَن يسمّون أنفسهم خبراء الإعلام (خبير كلمة يكثر استخدامها وهي بلا معنى محدد، ولا مقياس علمي أو عملي) حين حاولوا تبرير ما يقوله هؤلاء الإعلاميون "فزادوا الطين بلة" كما يقول المثل الشعبي، وامتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بالتعليقات على هذه المواقف الكاذبة المنافقة التي نالت الكثير من السخرية من شباب هذه المواقع.سألني ابني الذي يدرس الإعلام في أعرق جامعات مصر: "نتعلم ونجتاز الدراسة وننال المعرفة العلمية، ولكن أين القدوة العملية؟ كيف نثق بمثل هؤلاء ونجعلهم قدوتنا؟".بعد فترة من الصمت أجبته: ليكن حالك كحال المؤمن الذي وصفه رسولنا الكريم بأن أمره كله خير، فإن لم يكن فيمن أمامك قدوة إيجابية فلتعتبرهم قدوة سلبية... تسمع ما يقولون وتنكره وتقول غيره، وترى ما يفعلون وترفضه وتلتزم عكسه، هكذا تستفيد من هؤلاء المنافقين رغم كذبهم وغيهم، وليكن ضميرك الأخلاقي وصدقك المهني وحسك الإنساني قائدك وقدوتك.ورغم كل هذه الفضائح فإن الفضيحة الأكبر أن هؤلاء الإعلاميين يعتقدون أنهم بذلك يخدمون النظام ويدافعون عنه بينما الحقيقة أنهم يضرونه أكبر الضرر، فهم يستفزون المواطن ويثيرون غضبه، فهو لم يعد ينخدع بكذبهم وغشهم، كما أن محاولاتهم أن يبدو النظام قدسياً وبلا أخطاء ترفع من سقف طلبات المواطن، فما يطلبه المواطن من النظام البشري أقل مما يطلبه من النظام القدسي، والذي بالتأكيد لن يستطيع تحقيق كل ما يريده الشعب... فيزداد غضب المواطن ورفضه للنظام ويكرر الإعلام قصة "الدبة التي قتلت صاحبها"...فيا إعلاميينا ويا مذيعينا ويا فضائيينا ويا خبراءنا..... قليلاً من الحكمة وكثيراً من الصمت.
مقالات
فضائح الإعلام...
14-11-2014