ما يحصل في أميركا هذه الأيام من أحداث شغب في ولاية ميزوري أشعلها قرار محكمة بعدم توجيه أي تهمة لشرطي أبيض قتل شابا أسود، ليس فرصة لتبجح العنصريين بأن العنصرية موجودة في أميركا أرض الحريات، وأنها ليست حكراً عليهم، بل هي محطة للتفكير ومراجعة الإخفاق الإنساني في تجاوز معضلة تتغذى على إرث تاريخي لا يريد البقاء في المتحف.

Ad

ما وقع من أحداث شغب وأعمال سلب وتخريب شملت ولايات أخرى يطرح عدة أسئلة مثل: من الذي فشل في القضاء على العنصرية على أساس اللون على الأقل هنا؟ هل هي الأديان والقوانين التي كافحت ذلك المرض؟ أم البشر أنفسهم كونهم مخلوقات مهووسة بالتفرقة والبحث عن تقسيمات تبدأ بالأبعد وتنتهي بالأخ الشقيق؟ السؤال آخر مزعج: إلى متى ستستمر هذه النوعية من الصراعات؟ وهل لا يزال بالإمكان إيجاد رابطة رحيمة تعمي ألوان البشر وتجعلهم يرون بعضهم من الداخل لا الخارج؟

إن العنصرية بمختلف أشكالها ليست مقبولة لمن يحترمون الإنسان كروح وعقل، وهي مفهومة وليست مقبولة في السياق التاريخي لحياة بعض الأمم والشعوب، بل إني أجدها قابلة للترجمة في البلدان التي تتشكل من عنصر واحد، أو الجزر التي تفرض طبيعتها الانعزالية حالة من النفور ضد القادمين الجدد الذين قد يكونون من نفس اللون والدين وحتى المذهب، الشيء المزعج هو استمرار تنامي العنصرية في قارات المهاجرين كالأميركتين وأستراليا؛ تلك الأراضي التي ملأتها البواخر والسفن بشتى أصناف البشر.

ولعل المضحك المبكي هنا هو أن تلك البلدان تصالحت بشكل فاق التوقعات مع السكان الأصليين الذين تعرضوا للإبادة الشاملة على يد الرجل الأبيض، وفي المقابل تشابكت العناصر الوافدة لأسباب مختلفة، منها ما هو اقتصادي ومنها ما يعود بجذوره لبلدان المنشأ، ومنها ما هو طائفي وعرقي واستعلائي.

إن ما حصل وسيحصل في ولاية ميزوري الأميركية وفي بعض الملاعب الأوروبية يؤكد أن الشعوب التي سبقتنا في تشريعاتها وإنسانيتها وتقديم مئات الأمثلة على استيعاب المهاجرين، وجعل بلدانهم أماكن مفضلة للعمل والاستقرار، ما زالت في أول الطريق نحو خلق المجتمعات التي نادت بها الأديان والدساتير والقوانين، وإذا كانت تلك حالة الدول التي نهرب إليها كلما ضاقت بنا السبل فيا ترى ما الذي سنقوله كعرب ومسلمين عن أنفسنا غير الله المستعان؟