الحساسية الغذائية مشكلة فعلية في مجال الصحة العامة لأسباب متعددة: في المقام الأول، الحساسية يمكن أن تسبب الموت، وبالتالي تُعتبر المشكلة خطيرة بحد ذاتها. على صعيد آخر، يؤدي ارتفاع عدد الحالات المسجلة إلى تكبّد كلفة اقتصادية في المجتمع. أخيراً، يمكن أن تتأثر نوعية حياة بعض المرضى وعائلاتهم بطريقة جذرية.

Ad

تطور اجتماعي

من المعروف أن تطور أنماط حياتنا قلب غذاءنا رأساً على عقب. نستهلك منتجات لم يكن جسمنا معتاداً عليها في القرون الماضية، ما يعني توافر منتجات جديدة وغنية بمسببات الحساسية. لا شك في أن التنوع الغذائي مفيد دوماً، لكن لم يكن السمسم مثلاً مستعملاً على نطاق واسع منذ عشرات السنين ولكنه بات اليوم يسبب أكثر من 4% من حالات الحساسية الغذائية لدى الراشدين.

كذلك، يؤدي تحول المنتجات الغذائية التي أصبحت أكثر شيوعاً إلى انتشار أنواع حساسية جديدة. ولا ننسى مدى صعوبة تحديد المكونات أو الإضافات التي تسبب أشكالاً حديثة من الحساسية: إنها مسببات الحساسية المقنّعة. باتت القطاعات الزراعية والغذائية مطلعة اليوم على هذا الموضوع وتسهم القوانين الجديدة لتصنيف المنتجات في تحديد الأنواع التي يمكن أن تسبب الحساسية، لكنها لا تضمن السلامة بنسبة 100%.

يطرح الاختصاصيون سبباً آخر للمشكلة: تراجع الاهتمام بالرضاعة مع أنها تشكل مصدر الغذاء المثالي للأطفال الرضع. ينقل حليب الأم مسببات حساسية بالإضافة إلى أجسام مضادة تسمح ببناء الحاجز المناعي في أمعاء الطفل. في ما يخص تغذية الطفل الرضيع أيضاً، بات غذاؤه متنوعاً في مرحلة أبكر من العادة اليوم، ما يرفع مخاطر التعرض للأكزيما.

ثمة نظرية أخرى: أصبحت مجتمعاتنا أكثر اهتماماً بقواعد النظافة الشخصية، لذا يصبح جهاز المناعة أكثر ضعفاً لأنه لم يعد مضطراً إلى مكافحة مختلف الاعتداءات بطريقة كافية. بالتالي، قد تكون النظافة المفرطة مسيئة! يصعب في هذه الحالة التنقل بين منازلنا التي تكون نظيفة جداً والمستشفيات التي تتمتع بنظافة أقل مستوى...

تنجم الأمراض عن مأكولات تسبب الحساسية، وهي مواد تجعل أجسام بعض الأفراد حساسة وقد تؤدي إلى ظهور أعراض مختلفة للأمراض.

أبرز مسببات الحساسية

لا يمكن تعداد لائحة كاملة بمسببات الحساسية طبعاً، لكن يمكن تسليط الضوء على أبرز الأنواع.

• عدم تحمل اللاكتوز هو إحدى الحالات الأكثر شيوعاً وينجم بكل بساطة عن نقص أنزيمي. بالتالي، لا علاقة له بأي حساسية حقيقية. يمكن أن تتعلَّق المشكلة مثلاً بحليب البقر. كذلك، يمكن أن يسبب بعض المنتجات الغنية بالهستامين، مثل الفراولة أو الملفوف المخلل أو القشريات، ردود فعل لا تدخل بالضرورة في خانة الحساسية، لكنها مجرد حوادث بسيطة وعابرة.

• الغلوتين: من وجهة نظر طبية، تنجم هذه الحالة عن ردة فعل مناعية شائبة على مستوى غشاء الأمعاء. تدخل المشكلة في إطار أمراض الجهاز الهضمي، ويقضي الحل الوحيد بإخراج الغلوتين من نظام الجسم لتجنب المضاعفات التي يمكن أن تصل إلى حد الإصابة بالسرطان مع مرور الوقت. يصبح النظام الغذائي اليومي لهؤلاء الأشخاص معقداً جداً طبعاً لأن الغلوتين موجود على نطاق واسع في منتجاتنا الغذائية.

• حليب البقر مسبّب تقليدي للحساسية منذ فترة طويلة. إنها حالة معروفة بين أطباء الأطفال تحديداً لأن الأطفال الرضع هم الفئة الأكثر تأثراً. في ما يخص الراشدين، تتعلق المشكلة ببروتين الكازين عموماً. هذا العنصر موجود في تركيبة معظم المنتجات التي يصنّعها القطاع الزراعي الغذائي.

• الفستق، الذي يتم استهلاكه على شكل فول سوداني أو زيت أو زبدة أو مادة مضافة، يسبب ثلث حالات الحساسية عند الأولاد تحت عمر الخامسة عشرة. لم تكن هذه الحساسية قائمة منذ 30 سنة. تظهر ردة الفعل غداة احتكاك ضعيف جداً وتكون التفاعلات حادة وتسبب 40% من الوذمات. يطرح البندق المشكلة نفسها بشكل عام.

• البيض مذنب أيضاً في هذا المجال. ينجم 34% من حالات الحساسية الغذائية لدى الأولاد عن استهلاك البيض (1.3% عند الراشدين). السبب هو زلال البيض تحديداً. تكمن المشكلة في واقع أن البروتين المسؤول عن الحالة يُستعمل غالباً في القطاع الغذائي تحت أسماء مختلفة، كما في مساحيق التنظيف أو الأدوية.

• الحساسية تجاه الصويا حالة جديدة جداً بما أن استهلاك هذه المنتجات حديث العهد. تشمل الحبوب التي يمكن أن تسبب المشكلة: القمح أو حبوب الجاودار أو الأرزّ. يتوقف أثر المنتجات على مستوى استهلاكها.

• الحساسية تجاه السمك تصيب 5% من الأطفال المعرضين للحساسية و3% من الراشدين. تشمل هذه الفئة القشريات والرخويات، لكن بنسبة أقل.

• الحساسية تجاه الفاكهة والخضراوات تتعلق بشكل أساسي بالراشدين وغالباً ما ترتبط بالحساسية تجاه غبار الطلع.

أما الفئة الأخيرة التي يصعب رصدها، فهي ترتبط بالمواد الغذائية المضافة نتيجة زيادة استعمال المنتجات التحويلية. قد تسبب المواد الملونة والحافظة والمُحَلّية بعض ردود الفعل الشائبة. تجدر الإشارة إلى أن هذه الحالات تصيب عدداً قليلاً من الأشخاص المعرضين للحساسية. لكن يطرح الكبريتيت مشاكل إضافية بين المصابين بالربو تحديداً. هو موجود في بعض الأدوية والمنتجات الآسيوية أو التوابل المستعملة في بعض السلطات.

ما هي التدابير الوقائية؟

يتعلق أول تدبير وقائي بالمواليد الجدد، لا سيما إذا كان أحد الوالدَين مصاباً بالحساسية: يسمح بعض التوصيات البسيطة بتجنب ردود الأفعال العدائية. يجب الامتناع مثلاً عن استهلاك الفستق خلال الحمل مع الحرص على إرضاع الطفل لفترة مطولة. ويجب أن يبدأ التنويع الغذائي بوتيرة بطيئة بعد الشهر السادس، لكن من الأفضل استهلاك بعض العناصر مثل البيض والبندق في مرحلة متأخرة. أو يجب اختيار حليب يحتوي على بروتينات محللة جزئياً.

علاجات مقترحة

• تصنيف المنتجات: إنه علاج حتمي لحالات الحساسية المعروفة. يحصل بمساعدة اختصاصي التغذية، كما يساعد بعض الجمعيات المصابين بالحساسية على تصنيف المنتجات. يسهل احترام التصنيفات الرسمية لكن يتوقف الأمر على قوة إرادة المريض.

• علاج الصدمة المرتبطة بالحساسية: تتطلب الحالة الطارئة علاجاً فورياً وتشخيصاً سريعاً ويحصل ذلك عموماً في المستشفى. يتألف العلاج بشكل عام من الأدرينالين وأدوية أخرى مثل الستيرويدات القشرية وموسّعات القصبات. إذا علم المريض بخطر الصدمة التي يمكن أن يواجهها، يمكن منحه حزمة من الإسعافات الأولية التي تشمل قلماً سهل الاستعمال للحقن الذاتي.

• العلاج بمضادات الهستامين ينحصر بشكل عام بحالات الحساسية العابرة والخفيفة. إنه الخيار الأنسب في حال الإصابة بحساسية تجاه غبار الطلع، وفي حالات أقل بكثير لمعالجة الحساسية الغذائية.

• العلاج المناعي لا يُستعمل عملياً لمعالجة الحساسية الغذائية لأنه ليس فاعلاً جداً في هذه الحالة.

عند الاشتباه بأي حساسية، أهم ما يجب فعله هو استشارة الطبيب الذي يمكن أن يحيلك إلى اختصاصي بالحساسية. يمكن أن يقدم الصيدلي توصيات فاعلة أيضاً. لكن إذا ساورتك أي شكوك، لا تتردد في أخذ رأي طبيب اختصاصي في أسرع وقت ممكن.