أواخر 2004، سافرت من لندن إلى السليمانية، بطلب من الرئيس جلال الطالباني، والتقيته في بيته الكائن على رابية تطل على الطريق الرئيسي لمدخل المدينة الغربي. فقال لي إنه، وفي ضوء الانتخابات يتجه إلى تولي رئاسة الجمهورية، وعرض علي أن أكون مستعدا لتولي منصب المستشار لشؤون الأمن الوطني، وإعادة حقوقي الوظيفية بالرتبة التي استحقها قانونا، وتمنى ذهابي إلى بغداد للتنسيق مع الجانب الأميركي حول ترتيبات الإقامة خارج المنطقة الخضراء المحصنة، فأعربت له عن استعدادي للقيام بما يجب علي بحكم علاقة الصداقة التاريخية التي تربطنا، دون منصب لم يكن يثير اهتمامي، إلا أنه أصر على ذلك.

Ad

ومن دون تدخل أو مراجعة مني صدر قرار بإعادتي إلى الخدمة برتبة فريق أول ركن. ودخلت في جدال مع قائد كبير من القوات الأميركية نتيجة إصراري على إقامة الرئيس خارج المنطقة الخضراء، الواقعة تحت حمايتهم وسيطرتهم الكاملة، وفي النتيجة خضعوا لطلبنا.

وكنت أعلم أن قبولي العمل مع الرئيس سيثير حفيظة الحزب الديمقراطي الكردستاني ومسعود البارزاني، الذي يرى أن وجودي في هذا الموقع يشكل قوة دعم للرئيس، بينما كان يطمح إلى أن أكون أقرب إليه، فالتنافس بينهما ترك بعدا استراتيجيا غير قابل لطي صفحة صراع طويل بين حزبيهما.

وما أثيرت من اشكاليات ومؤامرات ضدي ليست بعيدة عن هذا، وبقصص لا تستند إلى أي مصداقية. مع ذلك، قبلت التحدي بثقة تامة. وما يدعو إلى الأسف هو أن هذا التحرك السلبي جاء بعد مرحلة تصالح من خلافات حدثت في فترة المعارضة، وتعاطفي مع الرئيس في مرحلة الصراع القديم بينهما.

في الرئاسة

صحيح ان صلاحيات رئاسة الجمهورية التنفيذية محدودة، إلا أن سلطتها المعنوية والسياسية حافظت على قدر كبير من المسؤولية، وأصبح نشاطها السياسي والإعلامي والمعنوي مميزا، وفتحت أبواب بيت الرئيس ومكتبه ومكتبي المجاور له أمام السياسيين القدماء والجدد وكبار المسؤولين والضباط السابقين ورؤساء العشائر والوجهاء.

وفي الوقت الذي بقيت رئاسة الوزراء مقيدة بضوابط معقدة للوصول إليها عبر بوابات حراسة أميركية، أصبحت مقرات الرئاسة مفتوحة أمام الناس بسيطرة وحدات حرس الرئاسة الكردية شديدة الولاء للرئيس، والتي تنظر إليّ بمحبة عظيمة، وترك الرئيس أمنه الشخصي لمسؤوليتي. وكان البعض يقولون له كيف تأتمنه وقد تمرد على صدام؟ فيرد عليهم بأنه يثق بيّ على نفسه أكثر من أي شخص آخر.

لقد واجهنا مشكلة تشجيع العرب السنة على دخول العملية السياسية، وتخليصهم من ضغط الارهاب، وهذا يتطلب دعم عدد منهم بكل الوسائل المشروعة، ماليا من موارد الاتحاد الوطني الكردستاني -حزب الرئيس- وأمنيا وسياسيا ومعنويا، وقد حظي معظمهم بهذا الدعم، ومنهم من بقي كريما بالإقرار بالمواقف الطيبة في زمن تميز بعسر وخطورة وصعوبات جمة، ومنهم من نسي، والنسيان من طباع كثير من البشر.

ورغم تواضع الموارد والإمكانات وصعوبات توفير الحماية للرئاسة، أمكن تحقيق أمن أفضل من أي موقع آخر في العراق، دون مضايقة للناس، ولم يتعرض الموقع لأي مخاطر حتى هذا اليوم، وأسهمنا في حماية طرف من بغداد بصورة غير مباشرة من خلال ترتيبات حمايتنا، وأظهرت وحدات الحراسة الكردية التزاما وأدبا رائعين.

وعندما كانت الكتل تعقد اجتماعات في ضيافة الرئاسة وفي مقراتها، حفاظا على جعل حلة اللقاءات عراقية وطنية بأحلى صورها، وقد أثارت الصورة في إحدى المرات مسؤولا من الحزب الديمقراطي الكردستاني، فقال لي: أبو نوار، هل تريدون إعادة نظام صدام؟ فقلت: نريد بقاء العراق.

وبتضافر الجهود، دخل العرب السنة العملية السياسية وتحقق تقدم، ولا غرابة في دخول شخصيات دون مستوى الطموح الثقافي والوطني، إلا أن تقادم المراحل كفيل بتقويم المسارات الخاطئة.

تحالفات مؤقتة

وشهدت مراحل ما بعد التغيير تحالفات طارئة مؤقتة وتكتلات عرقية وطائفية لا تخدم التوجهات الوطنية، وفي المقابل تم طرح مشاريع وطنية موحدة وبذلت جهود كبيرة، إلا أن سلوك النظام السابق وممارساته، وضغوط الإرهاب، وضيق أفق كثير من السياسيين، والتدخلات الإقليمية، لم تساعد على تكوين تحالفات وطنية، فحتى القائمة الوطنية العراقية بزعامة أياد علاوي التي أخذت بعدا عابرا للطائفية لم تصمد أمام تطلعات الطائفيين والمناطقيين من داخلها، فتفككت إلى كيانات عدة، ولم تعد تجمع بينها روابط ومعادلات ومنطلقات وأهداف وطنية، وكل بدأ يعمل لمصلحته من منطلقات وذرائع طائفية، فتجسدت المحاصصة السياسية بأسوأ صورها.

وتركت الطروحات الطائفية أثرا كبيرا على العملية السياسية والأمنية، وعمل السياسيون على إضعاف الثقة بين شرائح المجتمع للحصول على منافع شخصية ومكاسب سياسية. فبدأت الصورة تتبدل إلى لون غامق تحول إلى شاشة سوداء كبيرة في أواخر عام 2012، مع بدء الاعتصامات في مناطق شمال بغداد وغربها. أو كما تسمى المناطق العربية السنية.

الاعتصامات

وتفجر الموقف السياسي إثر قيام قوات الأمن بمداهمة وزارة المالية للقبض على آمر حماية الوزير رافع العيساوي، المنتمي إلى الحزب الإسلامي، على خلفية الاتهام بارتكاب جرائم قتل في مدينة الفلوجة التي سبق أن وقعت تحت سيطرة تنظيم القاعدة، وقيل إنه متهم جديا بما وجه إليه، وقد غادر الوزير بغداد، والذي كان جزءا من حكومة نوري المالكي منذ تشكلها، متوجها إلى محافظة الأنبار، والاحتماء بحركة احتجاج من خلال تثوير الشارع الذي عانى الاحتقان نتيجة الشعور بالإحباط أصلا. وتطور الموقف بشكل سريع، وامتد إلى مدن سامراء وتكريت والموصل وجزئيا في بعض مناطق بغداد وديالى، وكانت الاحتجاجات ضعيفة في الموصل ومدن محافظة نينوى الأخرى.

واستغل الحزب الإسلامي الحالة، وقرر الوقف السني الذي ينتمي رئيسه إليه غلق المساجد أثناء صلاة الجمعة من كل أسبوع لدفع الناس إلى إقامة الصلاة في ساحات اشغلت من قبل المعتصمين، وركب الموجة رجال دين بعضهم لم تؤهلهم أعمارهم لاكتساب تجربة تؤهل للاضطلاع بمثل هذه الأدوار الخطيرة، فتبنوا نهجا تصعيديا تحريضيا من البداية، وأطلقت التهديدات بالزحف إلى بغداد، بطريقة استفزازية تحت شعار «قادمون يا بغداد»، وبدأ الخطاب دينيا، وانتهى دينيا، واعتلى رجال الدين منصات الاعتصام إلى جانب عدد من شيوخ عشائر وقليل من السياسيين والمثقفين. فأخذ التحرك توجها دينيا طائفيا، بدل أن يكون توجها ليبراليا تقدميا، مما أثار تحفظات شديدة لدى أهل وسط العراق وجنوبه.

مطالب المعتصمين

وقدم المعتصمون مطالب عدة، اشترط تنفيذها من قبل الحكومة لفض الاعتصامات، منها المطالبة بسحب الجيش والقوات الاتحادية من المدن، وهو مطلب خطير جدا، لعدم كفاية قوات الشرطة المحلية لتأمين حماية المدن، كما رفع شعار بتشكيل قوات للعشائر تمهيدا لتأسيس الإقليم الذي كان أحد أهم أهداف الاعتصامات.

وشملت المطالب فقرات منطقية ومعقولة وفقرات أخرى تقع خارج قدرة الحكومة على التنفيذ، منها إلغاء قانون اجتثاث البعث وهو مطلب لا يلقي اجماعاً في كافة الكتل السياسية.

ومن المطالب المثيرة للجدل إصدار عفو عام، الذي تعترض عليه بعض الكتل السياسية، ومع أن العفو ضروري في بعض الحالات لغرض الإصلاح والمصالحة، فإن كثرة قوانين العفو تفقد القوانين هيبتها ومفعولها وتأثيرها وتشجع المجرمين على تكرار إجرامهم.

ومن بين أكثر من 10 مطالب رفع سقفها إلى 14 مطلبا تم التركيز على وجود نحو 1000 امرأة معتقلة.

والحقيقة أن الحكومة المركزية تأخرت في التعامل مع ملف المعتصمين ومطالبهم، ولم يكن الوضع يتطلب وسطاء لمعالجة الظرف، كما أن الحكومة أخطأت عندما لم تحاسب الوقف السني والجهة التي أصدرت الأمر بغلق المساجد أوقات صلاة الجمعة، ولو تصرفت بشكل قانوني وفقا لسلطاتها القانونية والأمنية وأمرت بفتح المساجد لتغيرت صورة ساحات الاعتصام.

ولو حدث هذا لساعد الأمر في تجنب الارهاصات التي قادت إلى حرب داعش، ولما وقعت الكارثة التي تسببت في نزوح أكثر من مليوني شخص عن بيوتهم ومدنهم، ويعيشون حياة عوز وحرمان وما قدم إليهم من مساعدات لم يتعد الفتات.

أهداف سياسية

بات واضحا أن ما حدث قد جرى التخطيط له في غرف مغلقة، وسخرت له إمكانات كبيرة، لأهداف سياسية، غير أن هذا التخطيط لم يبدأ مع بداية الأحداث، بل بعد أن أخذت الاعتصامات مدى واضحا، وإلا فإن معظم من تولوا التوجيه وصعدوا على المنابر لا يمتلكون الإمكانات والمؤهلات اللازمة للقيام بالأدوار التي ظهروا عليها.

وخلال الأزمة بقيت إجراءات الحكومة مشوشة، ولم تتخذ الخطوات اللازمة للمعالجة. وتحدثت إلى أكثر من طرف من كبار السياسيين الذي ظهر لهم دور في ما حدث، ولم تكن هناك إجابات منطقية لمعظم ما دار النقاش حوله، وكان عليهم العمل على تخفيف الموجة والحصول على مكتسبات مرحلية تتوازن مع تقدير الظروف الصعبة التي يمر بها العراق، إيمانا بالقدرة على التغيير الحتمي تدريجيا، ما دامت الخسائر في حدود غير مؤذية.

إلا أن الجهل وإساءة تقدير الاحتمالات قادت إلى تقديرات خاطئة لم تضبط فيها نهايات الأعمال والمواقف، ظنا من المعنيين أن المتحقق كبير ولا يجوز التراجع عنه، ويمكن تدويل القضية العراقية، وفرض إقامة إقليم سني تتوافر فيه فرصة لتولي أشخاص معينين الحكم. وهو تفكير يدل على نقص في مقومات الإدراك، وجهل في فهم المعادلات، وفشل في التنبؤ بالحالات المفاجئة.

والأهداف السياسية مع مرور الوقت لم تتوقف على السياسيين المعنيين ممن لعبوا مباشرة في الحدث، بل امتدت إلى رئاسة إقليم كردستان ودول إقليمية عدة. وخلال برنامج تلفزيوني مباشر جمعني ومحافظ نينوى في ذروة أزمة الاعتصامات اقترحت على المحافظ أن يعمل على تكوين وفد من وجهاء وشيوخ ومثقفي محافظة نينوى، والتوجه إلى بغداد لزيارة رئيس الوزراء نوري المالكي، وطرح مطالب المحافظة عليه، فرد المحافظ بأن المالكي لا يستجيب، فقلت له: اذهب إليه واطرح المطالب وناقشه سياسيا وعمليا، فإن رفض أخرج من اللقاء واعقد مؤتمرا صحافيا ووضح الحقيقة للشعب واقم الحجة عليه. فلم يرتق إلى هذا المستوى المطلوب من العمل السياسي، وفضل التصعيد سياسيا من دون تحقيق أي نتائج إيجابية.

في أكثر من مرة أخطأ المعتصمون في قطع طريق الأنبار الدولي، ورفعت أعلام تنظيم القاعدة في اعتصامات الأنبار وسامراء، وعزفت أناشيد هذا التنظيم علنا، ما أعطى صورة سيئة عن مخيمات وساحات الاعتصام. وأخطأت الحكومة في تركيزها على إعطاء أفضلية في تركيز التعامل مع محافظة الأنبار، وأهملت إلى حد ما مدن أخرى لو جرى الاتفاق معها لأمكن التخفيف من حالة الاحتقان في الأنبار، إلا أن الكتل السياسية بصورة عامة كانت تتمنى فشل الحكومة في معالجة ملف الاعتصامات باعتباره أحد أهم الطرق المؤدية إلى اسقاط حكومة المالكي.

التطرف في الاعتصامات كان لفظيا في حالات كثيرة، غير أن الخطاب تجاوز الحدود المعقولة في تغليظ عبارات التهجم الطائفي، وهو أسلوب محكوم عليه بالفشل ولم يغير من موازين القوى الحقيقية. والغريب أن وزير الدفاع سعدون الدليمي لم يستطع تحقيق أي نتائج إيجابية في الحوار والتفاوض مع أبناء محافظته، وفشل في إدارة ملف الأزمة، كما فشل نائب رئيس الوزراء صالح المطلك، وهو من أبناء المحافظة أيضا، في تحقيق نوع من التفاهم، وعندما قام بزيارة لساحة اعتصام في الأنبار اعتدي عليه بالضرب، ما اضطره إلى ترك الساحة بسرعة تحت زخات الرصاص التي أطلقها حراسه، التي لولاها لفقد حياته.

رد حكومي

فشلت الحكومة في معالجة ملف الاعتصامات، في مجالي التفاوض أو استخدام القوة، وفشلت في ظهور إعلامي قوي يطغى على صوت الاعتصامات يبين المطالب التي استجابت لها، فلم يعد معروفا ماذا تحقق من مطالب وماذا تبقى!

ولاشك في أن كثيرا من قيادات المعتصمين قد أخذها الغرور في تحقيق فرض الإرادة، وحاولت أفهامهم من خلال وسائل الإعلام بأن عناصر القوة المتاحة لهم لا تساعدهم على بلوغ غايتهم، ونصحتهم بدراسة التجربة والمحنة التي يعيشها السوريون، ومن الضروري عدم التعويل على الدعمين العربي والدولي في تحقيق الأهداف، لأن المصالح الدولية لها حدود معينة ومعرضة لمتغيرات جذرية بين ليلة وضحاها في ضوء صفقات وتلاقي المصالح.

وفي المحصلة، قررت الحكومة اقتحام ساحة اعتصام الفلوجة، وهي أهم وأكبر وأخطر الساحات، وقامت بتفكيك المخيمات والسرادق التي أقامتها، بعد أن حصلت على تفاهم نسبي مع بعض شيوخ العشائر. وفجأة قامت قوة قوية من تنظيم داعش باقتحام مدينة الفلوجة واحتلالها خلال ساعات في يناير 2014، وقد استسلمت أو فرت قوات الشرطة المحلية، واستولى الدواعش على كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، فاضطرب الموقف في عموم محافظة الأنبار، إلا أن السيطرة بقيت مستمرة على معظم المدن الأخرى، وتمكن الدواعش من تأمين خطوط تواصل وإمداد مع قوتهم البالغ عددها نحو 700 مسلح، ثم تضاعف العدد من الخلايا النائمة والانتماءات الجديدة.

وبعد التدهور الخطير في منطقة الفلوجة تحركت الحكومة لفض الاعتصامات في المدن الأخرى بالقوة، وهرب معظم رجال الدين والسياسيين الذين سبق لهم تصدر المشهد، أو تواروا عن الأنظار، وبعضهم قاد عمليات قتالية ضد القوات العراقية في محافظة الأنبار، وبايع بعضهم الدواعش وبقي يقاتل معهم حتى الآن، وهرب البعض الآخر إلى إقليم كردستان، فوقع الأبرياء من الناس ضحية التقديرات الخاطئة ومشروع الإخوان المسلمين، واصبحوا تحت رحمة الدواعش والقصف، أو تحولوا إلى نازحين في حالة هي الأسوأ منذ سقوط نظام صدام حسين.

وهكذا أصبحت الأبواب مفتوحة أمام الدواعش لغزو العراق.