يقع الكاتب أحياناً في حيرة كبيرة إن أراد التحدث عما شاهده ويراه من واقع– وليس فكرا أو توقعا أو تحليلا- قد يراه البعض سيئاً أو سلبياً، فيتهمه هؤلاء أنه لا يرى سوى نصف الكوب الفارغ، وأن كتاباته تدعو للإحباط والتشاؤم، وقد يذهب آخرون ظلماً وغلواً لاتهامه بخيانة الوطن والعمالة!! وإن أراد الحديث عن الواقع بأسلوب تغلفه الأماني والوعود والكلمات البراقة يتهمه آخرون بالغش والخداع، ويترفق به بعضهم ويكتفون بوصمه بالمنافق!! لذلك يجب أن يكون الكاتب صادقا مع قارئه أمينا مع نفسه سواء اعتبره البعض متشائما لا يرى إلا النصف الفارغ من الكوب أو حسبه آخرون منافقا يزوّر الواقع ويجمله.بعد عودتي من مصر كان السؤال المعتاد: "إيه الأخبار"؟ وحقيقة يمكن وصف الوضع في مصر وبعبارة واحدة "شعب منقسم ونظام أمني مستبد وحكومة مغلوبة على أمرها وجيش يمثل دولة داخل الدولة"، وقبل أن يسرح خيال البعض ويقررون ويتهمون وينطلقون بألسنة حادة، وبمنتهى الصدق أيضا أقول "رغم ذلك فإن الوضع لا يخلو من أمل كامن في النفوس"، تماما كالبذرة الجافة القاسية التي تحمل داخلها أشهى الثمار وأجمل الفاكهة، فلو أمسكت في يدك ببذرة جافة ضامرة قاسية تتعجب كيف يمكن لهذه البذرة أن تنتج أجمل وأعذب الفاكهة التي يشتهيها الإنسان؟ فالشعب رغم تمزقه وانقسامه الحاد هناك شباب مازالوا– وسيظلون- يحلمون بالأمل ويمسكون به ويصرون على تحقيقه... والشرطة رغم بطشها وأساليبها الوحشية في مواجهة الشباب والتجمعات يوجد بين أفرادها من يحملون حسا إنسانياً راقياً وضميراً حياً، يبتعدون عن الظلم ويرفضون القبض على الأبرياء، بل يحاولون حمايتهم من الآخرين... والأمر لا يختلف كثيراً داخل مؤسسة الجيش، فهناك ضباط أوفياء لوطنهم أمناء لشرفهم العسكري يعرفون قيمته وقدره، صحيح أنهم الآن لا يملكون إصدار الأوامر وتغيير الفكر– لكونهم في رتب أدنى أو موقع غير مؤثر- إلا أن حبهم لوطنهم وإيمانهم بشعبهم ورغبته الصادقة في القضاء على الفساد لا تقل عن رغبة جموع الشعب في تحقيق ذلك. قد يبدو الأمر متناقضا للبعض أو غير واقعي أو صعب الوجود والتحقيق، ولكنها الحقيقة التي شاهدتها وأحسست بها، كما أنها طبيعة المصري على مر التاريخ والأزمان، وقدرته غير العادية– وغير المفهومة أحياناً- على امتصاص الصدمات وتحملها وتحويلها إلى طاقة تنفجر قوة وإصراراً لينطلق المصري مفجراً للأمل، محققاً للطموح باعثاً للنهضة.أعلم أن المقال يحتاج إلى مقالات للتفسير والتفصيل، ولكن الحقيقة المؤكدة أمس واليوم وغدا "ما أعظمك يا شعب مصر ويا لفخري وسعادتي بالانتماء إليك!!".
مقالات
الكاتب بين نصفي الكوب
05-09-2014