أشار مدير صندوق التحوط في الولايات المتحدة راي داليو في مدينة دافوس السويسرية أخيرا إلى أن الحديث عن خفض قيمة العملة من أجل التعويض عن عدم كفاءة الاقتصاد– وهو محرك حرب العملات– يمثل «محادثة تخلو من الأدب»، وربما كان داليو يتخلف قليلاً عن الزمن لأن قادة العالم يشعرون بارتياح متزايد في التحدث علانية عن خططهم الرامية الى خفض معدلات الصرف.

Ad

وفي الأسبوع الماضي أبلغ رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي صحيفة وول ستريت جورنال أن «حلمه» يتمثل يتعادل القيمة بين اليورو والدولار، وكانت الصادرات الإيطالية حققت نمواً في الآونة الأخيرة وصل بشكل وسطي إلى 33.2 مليار يورو أي 37.4 مليار دولار خلال أول 11 شهراً من العام الماضي وهي نسبة تبلغ 1.7 في المئة أعلى من الفترة ذاتها من عام 2013، ولكن رينزي يأمل الحصول على مزيد من الدعم من جانب البنك المركزي الأوروبي للتعويض عن بلوغ إنتاجية العمل في بلاده إلى 72.8 في المئة فقط من المستوى الأميركي.

ولا غرابة في أن تعبير «حرب العملات» قد أصبح الآن جزءاً من الحديث السائد، وليس مجرد أحد مخاوف الدكتور دوم نوريل روبيني المتعلقة بالأسهم، وفي دافوس قال رئيس بنك غولدمان ساكس غاري كوهن في الأسبوع الماضي إن العالم كان في حرب عملات منذ أن بدأت سياسة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي بخفض قيمة صرف الين قبل عامين. وبعد ذلك شعر الأوروبيون بتأثير تلك الخطوة وشرعوا في خفض قيمة اليورو، وقد عادت الكرة الآن الى ملعب اليابان من جديد وتقف الولايات المتحدة متفرجة لأنها الدولة التي تماسكت عملتها مع محاولة كل دولة أخرى خفض قيمة عملتها، وقال كوهين ساخراً «وقد انضمت سويسرا في الآونة الأخيرة الى الولايات المتحدة ونحن سعداء لوجودهما في ذلك الجانب من الجسر».

وتبرز المعلومات الاقتصادية بشكل واسع وجهة نظر كوهين إزاء ديناميكية المنافسة، وقد انخفضت الصادرات اليابانية (التي تظهر في الجدول المرفق بمليارات الين) في عامي 2011 و2012 ثم تحسنت بصورة بارزة منذ خطوة شينزو آبي في خفض قيمة الين:  

وزارة المالية اليابانية

صادرات منطقة اليورو التي انكمشت مع تردد البنك المركزي الأوروبي في طرح مزيد من الحوافز:

وزارة  الاقتصاد الفرنسية

بحسب بلومبرغ تفيد مؤشرات العلاقة المتبادلة حتى وقتنا الحاضر في هذه السنة إلى أن الدولار الأميركي كسب 2.83 في المئة في مقابل سلة من عملات الدول المتقدمة الأخرى، في حين كسب الين الياباني 4.77 في المئة، وانخفض اليورو بنسبة 4.88 في المئة، ولم يبدأ بعد برنامج البنك المركزي الأوروبي المتعلق بالتيسير الكمي، وتجدر الإشارة الى أن مجرد الحديث عن التيسير الكمي جعل المصدرين الأوروبيين أكثر تنافسية.

وبحسب نسخة شهر يناير من مؤشر مجلة الإيكونوميست لعام 2015 حول بيغ ماك الذي يستخدم سعر ماكدونالد في عدة دول على شكل مقياس لتعادل القوة الشرائية فإن قيمة اليورو انخفضت مقارنة مع الدولار، في حين أظهر المؤشر في شهر يوليو أن قيمته ارتفعت، وذلك المعيار ليس قاطعاً طبعاً ولكنه يطرح سبباً للتساؤل حول ما إذا كانت خطط البنك المركزي الأوروبي لتقديم مزيد من القوة الإضافية هي في الجانب المبالغ فيه من المغامرة، وقد تتمكن أوروبا من تحسين تنافسية صادراتها على حساب التضخم.

في عام 2013 ومع تفاعل خطة شينزو آبي بصورة تامة أعربت وزارة الخزانة الأميركية علانية عن قلقها إزاء بدء اليابان حرب عملات، وقالت الوزارة في تقريرها الى الكونغرس حول معدلات العملات في شهر أبريل من عام 2013 «نحن سوف نستمر في مطالبة اليابان بالتقيد بالالتزامات التي تم الاتفاق حولها في قمة الدول السبع وقمة الدول العشرين إزاء تلبية الأهداف الداخلية، واستخدام أدوات محلية مع الامتناع عن خفض قيمة العملة بصورة تنافسية، واستخدام معدلات صرفها لأغراض تنافسية».

والآن ومع قيام أوروبا بخطوتها التنافسية فإن الحكومة الأميركية تتصرف بهدوء، ولم تعد تطلق تهديدات تشير إلى اتفاقيات جنتلمان بين قادة العالم بهدف منع وقوع حروب عملات، وفي النسخة الأخيرة من التقرير، التي صدرت في شهر أكتوبر الماضي، لم ترفع وزارة الخزانة أي أعلام حمراء حول أي دولة قد تكون عمدت الى خفض قيمة عملتها بصورة تنافسية. وقال وزير الخزانة الأميركي جاك ليو في الشهر الفائت «إن من الخطأ الدخول في منافسات معدلات صرف» لكنه أضاف «ومن جهة أخرى نحن دعونا العديد من دول العالم الى اتخاذ إجراء حاسم من أجل تحقيق اقتصادها للنمو».

صحيح أنه من أجل الاستمرار في تحقيق النمو وفقاً لوتيرته السريعة الراهنة سوف تكون الولايات المتحدة في حاجة الى تحسين الطلب العالمي، ولكن تجاوبها مع مستوى العمل الذي يخطط البنك المركزي الأوروبي لاتخاذه قد يكون مضللاً، وإذا هبطت قيمة اليورو إلى مستوى تعادل القيمة مع الدولار الأميركي فإن المصنعين الأوروبيين سوف يستغلون النمو في الولايات المتحدة، ولكن المصنعين الأميركيين لن يتمكنوا من المنافسة في أوروبا.

البنوك المركزية الأخرى– تلك الموجودة في الهند وكندا ودول أخرى– عمدت إلى خفض المعدلات وإضعاف عملاتها أيضاً، وتكهن داليو بأن تفضي هذه الخطوات إلى «ضغط قصير الأجل» على الدولار على غرار ما شهدناه في ثمانينيات القرن الماضي، والذي تطلب القيام بعمل منسق من جانب البنوك المركزية من أجل احتواء ارتفاع الدولار ومنع التراجع في الاقتصاد الأميركي. وعلى أي حال، فإن مثل ذلك العمل في هذه المرة أقل احتمالاً الى حد كبير لأن بعض الدول، مثل إيطاليا، ترى التيسير الكمي فرصة كبيرة من أجل استعادة النمو، ومن المؤكد أن طباعة النقود أكثر سهولة من رفع الإنتاجية إلى مستويات قريبة من المعدلات الأميركية.

* ليونيد بيرشيدسكي | Leonid Bershidsky