حتى يوم الاثنين الماضي، كان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي حريصاً على البقاء قدر الإمكان على مسافة قريبة من تيارَي زعيم المجلس الإسلامي الأعلى عمار الحكيم وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

Ad

ويدرك العبادي، خلال أي مفاوضات وداخل كل أزمة، أن هذا الثنائي الشيعي هو بطاقة مروره إلى السلطة وإلى رضا وثقة باقي الأطراف التي لا تثق أبداً بحزب "الدعوة" الذي ينتمي إليه العبادي وسلفه نوري المالكي، إذ قال الأكراد والسُّنة بوضوح إنهم شاركوا في حكومة العبادي "بكفالة الصدر والحكيم".

غير أن نهار الاثنين شهد تغيراً غامضاً، فلأول مرة منذ تكليفه تشكيلَ الحكومة في أغسطس الماضي، يتحرك العبادي بنحو يثير غضب أبرز حزبين شيعيين، ما يثير بالتالي شكوكاً سنية وكردية بشأن تدابير المستقبل، وحصل ذلك حين اختار العبادي مرشحاً لشغل حقيبة "الداخلية"، كان من المدافعين بشدة عن سياسات المالكي، وهو وزير البلديات الأسبق رياض غريب.

وسبق لغريب أن كان ضمن وزراء المجلس الأعلى عام 2006، لكن المالكي استماله وجعله ينشق عن الحكيم قبيل 2010، وعاد ليحاول الآن فرضه في وزارة حساسة، ويطالب الحكيم بقبوله.

وإذا كانت لمسة المالكي واضحة في هذا الترشيح، فإن قبول العبادي مغامرة إغضاب الحكيم والصدر، يظل مستغرباً؛ إذ لا يزال بحاجة إلى تأييد شيعي في لحظة التحشيد الدولي لمواجهة "داعش"، والخلاف المحتمل مع إيران، مع توجُّس رجال دين ومسلحين شيعة من أن توسِّع أميركا عملياتها في العراق، ما يعتبرونه حرجاً كبيراً أمام جمهورهم.

الصالونات السياسية في بغداد ترجح أن العبادي لا يفكر في أي مواجهة مع الأحزاب الأخرى الآن، لكن التأييد الدولي الواسع ربما منحه ثقة "أكثر من اللازم" بخياراته، يضاف إلى ذلك الضغط النفسي الذي يتعرض له من جراء مطالبات دولية بأن يسرع في تعيين وزيرَي الداخلية والدفاع، لأن ذلك سيسهل التنسيق العسكري بين بغداد والدول التي اشتركت في الحرب على "داعش".

لكن كل ثقته بخياراته، وحتى طريقته التي لم تخلُ من العصبية في جلسة البرلمان الثلاثاء الماضي، لم تنجح، وسرعان ما نسقت كتلتا الحكيم والصدر مواقفهما أثناء جلسة التصويت على الوزراء، مع الأكراد والسنة، وعجز مرشح "الدعوة" لحقيبة الداخلية عن الحصول على الأصوات المطلوبة، ولم يصوت له سوى نواب ائتلاف "دولة القانون".

 وتلقى العبادي أول درس قاسٍ في عهده، رغم أنه كان ينتظر بعض المكافآت نتيجة نجاحه في إعلان سياسات إصلاحية كان يطالب بها الجميع، مثل وقف القصف على المدن السنية، وتنازله عن الجنسية البريطانية امتثالاً للدستور وبدئه كتابة نظام داخلي لمجلس الوزراء، وخطوات أخرى لم يكن سلفه يفكر فيها إلا كتنازل معيب.

خرج العبادي منزعجاً من جلسة البرلمان، وشاهد الجمهور ذلك بالبث الحي، لكن شركاءه في ائتلاف الحكومة ظلوا يناقشون طوال الساعات اللاحقة، مغزى تقديمه مرشحاً يثير شكوك الشيعة الذين أطاحوا بالمالكي، وما إذا كان يمكن أن تصدر خطوات مشابهة خلال تنفيذ السياسات المعقدة في هذه المرحلة، وهو ما سيدفع بالتأكيد إلى وضع مزيد من القيود السياسية والرقابية على أداء المالكي، ويسلط الضوء على عناصر أزمة مبكرة، قد تجعل الأجواء تتعكر، إذا لم يتنبه العبادي ويحاول التكيف مع ما أسماه برلماني بارز "قواعد لعبة جديدة تختلف عن تلك الحرية المنفلتة" التي كانت متاحة للمالكي.