يعكف ضباط عراقيون في مكتب رئيس الوزراء حيدر العبادي، على وضع خطط لاستيعاب عشرات الآلاف من شباب المحافظات السُّنية التي تدور فيها معارك مع تنظيم "داعش"، ضمن تشكيلات سيطلق عليها اسم "الحرس الوطني"، ويقولون إن تلك الخطط ستُرفَع إلى البرلمان لتتحول إلى قانون.

Ad

وهذا جزء من الاتفاقات السياسية التي أبرمها العبادي مع السُّنة، الذين طلبوا أن يتولوا تحرير مدنهم من "داعش" بأنفسهم، كي لا تتكرر الحساسيات السابقة حين يأتي الجيش العراقي بقياداته وجنده الشيعة في الغالب، ويثير شكوك الأهالي، وبخاصة إذا دخل مدينة معقدة وكبيرة مثل الموصل.

وهذا اتفاق صار يتردد كذلك على ألسنة المسؤولين الأميركيين، الذين يتحمسون لإعادة بناء فرضية 2007 حين ساعدوا على تأسيس تشكيلات "الصحوات" التي نجحت في طرد تنظيم "القاعدة"، ويعتقد كثيرون منهم أن الأمر قابل للتكرار، بل هو السيناريو الوحيد الذي يكسب ثقة الأهالي، المتشككين في جيش الحكومة الذي تسنده ميليشيات شيعية، مع رغبة واشنطن في عدم نشر قواتها البرية على الأرض والاكتفاء بإسناد جوي واستخباري ومساعدة دولية كبيرة لمحاصرة "داعش".

وينتظر البرلمان نقاشات واسعة ومثيرة للجدل حول نوع هذه القوات "السُّنية" والجهة التي سترتبط بها، فهل هي الحكومة المحلية في كل محافظة، أم مجلس يمثل العشائر والقوى الاجتماعية والفصائل المسلحة التي كانت تقاتل أميركا سابقاً ثم تصالحت معها لضرب "القاعدة" وضرب "داعش" لاحقاً، أم سترتبط بوزارة الدفاع في بغداد؟ فضلاً عن مناقشة حجم تسليح هذه القوات ونوعه، وتمويل عمليات التأهيل والتدريب، ووضع ضمانات بألا تتحول القوات إلى ميليشيا كبيرة قد تهدد جيش الحكومة لاحقاً، وغير ذلك من التفاصيل.

لكنّ الأمور على الأرض لا تنتظر البرلمان، فالمسؤولون السُّنة ومنهم أحمد أبوريشة زعيم الصحوات السابقة في الأنبار، ومقربون من محافظ نينوى أثيل النجيفي، وآخرون، تحدثوا عن لقاءات عقدها الأميركان مع شخصيات سياسية سنية وزعماء قبائل، في الأردن وكردستان وبغداد، بدأت تضع الترتيبات السريعة لتشكيل قوة على الأرض. وهم يستندون في ذلك إلى أنه من الناحية الفعلية يوجد آلاف من الشباب السُّنة الذين يقاتلون "داعش" تطوعاً وبلا مقابل، ويحتاجون إلى إسناد ومساعدة، شمال بغداد وفي مدن الأنبار، وقد صمدوا وقدموا تضحيات كبيرة ولم يسلموا مدنهم إلى التنظيم المتشدد، كما في حديثة غربي الأنبار، والضلوعية الواقعة بين بغداد وتكريت شمالاً.

العبادي طلب من الأميركيين التريث حتى إقرار قانون في البرلمان ينظم هذه التشكيلات، ويعرّف جهة ارتباطها، لكن السُّنة ردوا عليه بأن الحكومة لم تنتظر صدور قانون حين باركت تشكيلات "الحشد الشعبي" التي تضم آلاف المتطوعين الشيعة الذين يقدمون إسناداً كبيراً للجيش، وخصوصاً جنوب بغداد وقرب سامراء، منذ أربعة أشهر تقريباً، وهنا طلب العبادي أن يجري الاعتراف بهذه التشكيلات الشيعية تحت مسمى "الحرس الوطني" ذاته، وأن تمنح نفس التسليح والامتيازات.

المواجهة مع "داعش" ستمنح السُّنة جيشهم الخاص، وفق السيناريو الأكثر ترجيحاً، وسيكون في مقابل البيشمركة الكردية، وقوات "الحشد الشعبي" الشيعية، بينما سيظل جيش الدولة الطرف العسكري الذي يحتاج إلى إصلاحات تجعله الجانب المحايد بين هذه الجيوش الثلاثة.

المشهد برمته يعني أن السيناريو المتاح لمواجهة "داعش" سينطلق من الاعتراف بالانقسام العميق وترجمته عسكرياً، ثم محاولة إقناع الأطراف العراقية الثلاثة المسلحة بأن عليها أن تتوحد لمواجهة عدو مشترك، تحت رعاية أميركية، تسندها تفاهمات مع "الناتو"، ودعم عربي خليجي هو بمنزلة ضمان لسير الأمور بشكل صحيح.

لكنّ الخوض في التفاصيل سيوسع الشكوك ويخلق مزيداً من المشاكل، حول اتفاق اتضح جداً أنه لا رجعة عنه، رغم غموض هذا الاتفاق وعدم وضوحه، ودوره في مرحلة ما بعد "داعش".