سيناقش مجلس الشيوخ قريباً تعديلاً طرحه السيناتوران جون ماكين (ممثل أريزونا الجمهوري) وديان فاينشتاين (ممثلة كاليفورنيا الديمقراطية) يمنع أي موظف أميركي من استعمال التعذيب خلال الاستجواب، ويعود هذا التعديل في جزء منه إلى تقرير مجلس الشيوخ الذي نُشر في شهر ديسمبر عن أعمال التعذيب التي مارستها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، مما أشعل مناظرة حادة عن مدى فاعلية هذه الأساليب، وخصوصاً عما إذا كان من الممكن الحصول على المعلومات التي نود الاطلاع عليها من الإرهابيين المشتبه فيهم من خلال مصادر أو تقنيات أخرى.

Ad

لكن كثيرين لم يولوا انتباهاً كبيراً لمخاطر الحصول على معلومات مفبركة من خلال التعذيب، فقد فصّل تقرير مجلس الشيوخ حالتين قدّم فيهما المشتبه فيهم الذين تعرضوا للتعذيب معلومات كاذبة لعملاء وكالة الاستخبارات المركزية.

آن الأوان لنحكم على عهد الرئيس جورج بوش الابن في مسائل أساسية، وأملك تجربة شخصية مع هذه المشكلة، فما زالت تطاردني ذكريات حادثة أدت فيها المعلومات المفبركة إلى مقتل آلاف الأميركيين.

صحيح أن المعلومات أتت من قضية تسليم نقلت فيها الولايات المتحدة معتقلاً إلى بلد أجنبي (يُقال إنه مصر)، إلا أن هذه الحادثة تشكل مثالاً تحذيرياً يبرز الأسباب التي يجب أن تدفع صناع السياسات الأميركية إلى عدم السماح بالتعذيب أو عدم الاعتماد على المعلومات المنتزعة بهذه الطريقة.

في عام 2002، كنت المستشار الرئيس للأعضاء الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، في تلك الفترة، كانت اللجنة تدرس تشريعاً يسمح باستخدام القوة ضد العراق، وقد تمحور المبرر الرئيسي الذي طرحته إدارة جورج بوش الابن حول الاشتباه في أن العراق ما زال يملك أسلحة دمار شامل.

في خريف عام 2002، تلقت اللجنة تقريراً عن العراق من المجتمع الاستخباراتي، أذكر أنني فكرت آنذاك أن كل التفاصيل الذي قدمتها لنا إدارة بوش قديمة ومألوفة، ومع أنها مقلقة إلا أنها ليست مخيفة، ونما في داخلي شعور أنه ما من معلومات جديدة تشير إلى أن العراق يشكل تهديداً حقيقياً، فكم بالأحرى تهديداً يبرر عملاً عسكرياً أميركياً؟

ألقى بعد ذلك مقدم التقرير قنبلة، فقد أعلن هذا المسؤول بثقة ميزت شخصيته بوضوح أن العراق درّب أعضاء من تنظيم القاعدة على استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.

ما زلت أذكر تأثير هذا الإعلان الكبير، حتى إنني ظننت أننا إذا عرفنا أمراً مماثلاً، فلا شك أننا نجهل الكثير غيره، بما في ذلك احتمال نقل أسلحة مماثلة إلى تنظيم القاعدة، ونظرت عندئذٍ إلى أحد مساعديّ البارزين، فلاحظت أنه يشاطرني رد فعلي: هذا خطير بالفعل.

اطلعتُ على مئات التقارير خلال السنوات العشر التي أمضيتها في الكونغرس، إلا أن القليل منها دفعني إلى تبديل فكري بهذا الشكل المفاجئ أو كان له تأثير عاطفي كبير مماثل، حتى اليوم ما زلت أشك أن نظام صدام حسين كان سيتعاون بجدية مع المجاهدين. بُعيد ذلك سألني المشرعون والموظفون في الكونغرس عن رأيي، فأشرت إلى أن هذه المعلومات مهمة، وأن علينا التفكير فيها ملياً، وأعتقد أن المشرعين أخذوا هذه المعلومة الخطيرة التي كشف عنها مقدم تقرير وكالة الاستخبارات المركزية هذا في الاعتبار، عندما قرروا ما إذا كانوا سيؤيدون استخدام القوة في العراق خلال عملية التصويت.

هل شكل الانتقام سبباً خفياً وراء التعذيب؟

نعرف اليوم أن هذه المعلومات أتت من مصدر واحد، إذ أفادت صحيفة "نيويورك تايمز" أن شخصاً يُدعى ابن الشيخ الليبي اعتُقل في باكستان، نُقل إلى قاعدة عسكرية في أفغانستان، ومن ثم سُلّم إلى السلطات في مصر، حيث ادعى أنه تعرض للتعذيب، ولكن حتى في تلك الفترة كانت تصريحاته بشأن العراق مثار جدل داخل المجتمع الاستخباراتي. كذلك أشار تقرير مجلس الشيوخ عن المعلومات الاستخباراتية قبل الحرب إلى غياب أي أدلة على التنسيق، ولكن عندما عاد الليبي إلى عهدة الولايات المتحدة، كرر التصريحات ذاتها، واستنتجت وكالة الاستخبارات المركزية المعلومات بالاستناد إلى ملاحظاته هذه.

لا أرغب في مقالي هذا انتقاد الأسباب التي دفعتنا إلى السير إلى الحرب في العراق، وأدرك أن هذه المعلومات انتزعها جهاز استخبارات أجنبي، لا وكالة الاستخبارات المركزية، ولكن من الضروري ألا ننسى أن نحو 45 ألف جندي وموظف أميركي خسروا حياتهم في صراع استندت مبرراته في جزء منها إلى معلومات حصلنا عليها من خلال التعذيب، كذلك فقدَ مئات آلاف العراقيين حياتهم، وما زلنا نحاول التعاطي مع تداعيات تدخلنا هناك حتى اليوم.

سيواصل الناس مناقشة قيمة المعلومات المستمدة من خلال التعذيب في عهد إدارة بوش، لكني أعرف يقيناً أن المعلومات المنتزعة بالتعذيب لا تؤدي إلى موارد مهدورة وقرارات سيئة في مجال السياسة الخارجية فحسب، بل إلى تداعيات استراتيجية أيضاً، بما فيها خسارة حياة رجال ونساء يخدمون بلدهم بالزي الرسمي، ولا يمكن أن نسمح بتكرار خطأ مماثل.

* ديفيد أبراموفيتش