تجري أعمال البناء منذ فترة، إلا أن المشروع لم يكتمل قط، بل بات ضحية الواقع في أفغانستان اليوم. ثلاث مرات في الأسبوع، إن كان الطقس مؤاتياً، تصارع طائرة أنتونوف قديمة تابعة لخطوط East Horizon الجوية في السماء فوق كابول. ومع بعض الحظ، تحط الطائرة بعد ثلاثين دقيقة على المدرج الترابي في عاصمة ولاية باميان. أما مَن لا يودون السفر بالطائرة إلى باميان، فيمكنهم بلوغها بالسيارة. تنطلق من شمال كابول طريق تمر عبر غوربند، منطقة ذاع صيتها عام 2012 بعد انتشار فيديو يُظهر رعاعاً يرجمون امرأة شابة. وفي أماكن كثيرة، تبدو الطريق في حالة يُرثى لها، فما زالت غير معبدة ومليئة بالحفر. وفي السنوات الأخيرة، نفذت حركة طالبان هجمات عدة على طول الطريق، فضلاً عن اعتداءات اللصوص والخاطفين. أما الوسيلة الثالثة لبلوغ باميان، فهي سلوك طريق تبدأ في ميدان شهر الواقعة على بعد 30 كيلومتراً جنوب غرب كابول. وما زال هذا المشروع الذي يموله الغرب قيد الإنشاء.

لا تملك هذه الطريق اسماً مميزاً. وإذا لم ينتهِ إنشاؤها، فستبقى مجرد شريط صغير من الأسفلت بطول 136 كيلومتراً في دولة أفغانستان الضخمة. ولكن رغم تواضعه هذا، يخبر هذا المشروع الكثير عن تاريخ أفغانستان الحديث: آمالها، وصعوباتها، وجنونها، وإخفاقاتها. فمن على هذه الطريق، يمكنك أن ترى تطورات السنوات الأخيرة والمحاولة الضخمة لإعادة بناء البلد. {شبيغل} زارت المنطقة وعادت بالتحقيق التالي.

Ad

بعد 13 سنة، في ديسمبر، سيصل التدخل الدولي في أفغانستان (الذي ضم في مرحلة ما 40 دولة ونحو 140 ألف جندي) إلى نهايته. في إحدى المراحل، كانت 26 منظمة تابعة للأمم المتحدة تعمل في هذا البلد مع ضخ حكومات أجنبية ووكالات خاصة مليارات الدولارات في أفغانستان. وخُصصت ملايين منها للطريق إلى باميان.

بالغ الخطورة

تتألف ميدان شهر، التي تنطلق منها الطريق، من مجموعة من المنازل البسيطة، إلا أنها بالغة الأهمية من الناحية الإستراتيجية. فالطريق السريعة جنوباً نحو قندهار، التي تربط كابول بالجنوب، تنطلق من هنا أيضاً.

يعيش محمود فاهيمي، ممثل مجلس ولاية وردك، في هذه القرية أيضاً. يسره التحدث إلى الصحافيين، إلا أنه ينصح هذا المراسل بعدم القدوم إلى قريته. يقول عبر الهاتف: {الوضع بالغ الخطورة في الوقت الراهن}. لذلك التقيناه في كابول، حيث أوضح فاهيمي أن الطريق لم تنتهِ بعد رغم سنوات من العمل. وأضاف: {لم ينتهِ العمل إلا في الجزء الأول منها، نحو 50 إلى 60 كيلومتراً}. بعد ذلك، يختفي الإسفلت ليحل محله التراب.

في عام 2002، سأل وزير الخارجية الإيطالي الحكومة الأفغانية الجديدة عن تقييمها للبلد. كانت جراح الحادي عشر من سبتمبر 2001 لا تزال مفتوحة. وسار الجنود الأميركيون إلى كابول ودخلوا هذا العالم وهم تواقون إلى المساعدة، بناء المدارس، حفر الآبار، تشييد المستشفيات، إعداد الحدائق للنساء، وإرساء الديمقراطية. وهكذا تحول كل مشروع إلى سلاح ضد الإرهاب الدولي. كذلك كان الجنود يدافعون عن ألمانيا في هندوكوش، حسبما ذكر السياسيون في تلك الفترة.

أخبرت الحكومة الأفغانية الإيطاليين أنها تريد طريقاً تربط كابول بباميان، أي العاصمة بقلب البلد. وكان من المفترض أن تكون هذه الطريق رمز المصالحة. فيعيش الهزارة في باميان، وهم شعب عانى الكثير خلال حكم طالبان. فوافق الإيطاليون.

في تلك الفترة، كانت أفغانستان تضم 100 كيلومتر فقط من الطرقات المعبدة. لكن هذه الطريق الجديدة شكلت أكثر من مجرد جهد متواضع لتوسيع هذه الشبكة وما كانت تقود فحسب إلى قرية أفغانية مجهولة يصعب لفظ اسمها. فقد عُرفت باميان في العالم بأسره بأنها موقع التطرف الإسلامي. ففي هذه المنطقة فجرت حركة طالبان عام 2001 تمثالي بوذا {غير الإسلاميين} في باميان اللذين اعتُبرا الأعلى في العالم. فقد بلغ ارتفاع أحدهما 53 متراً والثاني 35 متراً ويعودان إلى 1500 سنة مضت، لذلك بات تفجيرهما رمز همجية طالبان. وكان من المفترض بهذه الطريق أن تربط المنطقة بكابول.

طريق الموت

بدأ العمل في أغسطس 2006، بعدما افتُتح المشروع باحتفال كبير حضره الرئيس الأفغاني حامد كرزاي، دبلوماسيون غربيون، وحاكمة باميان آنذاك حبيبة سرابي. لا تزال سرابي تتأثر حين تتحدث عن ذلك اليوم. تقول: {اعتبره إحدى اللحظات المميزة في حياتي}. بعد ثماني سنوات، عام 2014، فتح محمد فاهيمي دفتر ملاحظات بالياً وقال: {هذا ما يحدث مثلاً. تتوقف سيارة ويُرغم ركابها على الترجل. تُعصب أعينهم ويرغمون على الاصطفاف إلى جانب الطريق. وتنطلق بنادق كلشنكوف الرشاشة. تُترك الجثث على جانب الطريق. هذ ما حدث في...}، يلقي فاهيمي نظرة على دفتره، {... ربيع 2012}. في السنوات الأخيرة، سعى فاهيمي إلى توثيق كل حادثة على الطريق في دفتره هذا، أو على الأقل تلك التي سمع بها. صحيح أن هذه اليوميات ليست كاملة، إلا أنها تعكس، بوضوح، الوضع هناك. فقد وقع نحو عشرين إلى ثلاثين قتيلاً في غضون أربع سنوات، وفق فاهيمي، ماتوا في انفجار ألغام أو عبوات ناسفة يدوية الصنع أو قتلوا رمياً بالرصاص.  يخبر فاهيمي: {تقف قوات الشرطة أحياناً على بعد 100 متر فقط، لكنها لا تتحرك لما تشعر به من خوف. يختفي عناصر طالبان عن الطريق مجدداً ويختبئون في مناطقهم وقراهم}. نتيجة لذلك، باتت هذه الطريق تُعرف بين الأفغانيين وفي الصحف بطريق الموت. يذكر أحمد نجفي (55 سنة)، الذي يرأس المشروع منذ عام 2005: {في البداية، سارت الأمور على خير ما يُرام}. كان نجفي يجلس في وزارة الأشغال العامة في كابول، مبنى إسمنتي روسي قديم تتخلله ممرات داكنة، ولا يسعك إلا أن تلاحظ سجاده الوسخ وعدداً من نوافذه المكسورة. قام الموظفون حيناً بسد الثقوب بأوراق الألمنيوم، لكنهم تركوها أحياناً مشرعة أمام الرياح التي تروح تصفر في المبنى كما لو أنه قصر مسكون. مرت هذه الوزارة بأوقات حرجة في الآونة الأخيرة. ففي شهر أبريل، خُطف نائب الوزير وهو في طريقه إلى مقر عمله. كذلك بدأت الشكاوى تتدفق لأن الكثير من الطرقات تداعى تحت تأثير المطر. كذلك لا يبدو أحمد نجفي في مكتبه في الطابق الثالث من المبنى سعيداً. فهو يعمل في هذه الوزارة منذ 32 سنة، وتعامل مع الروس، المجاهدين، طالبان، والغربيين. لذلك بات يعتقد أن باب القوة الدوار يشكل الدعامة الوحيدة التي يستطيع الشعب الأفغاني الاعتماد عليها حقاً.

ولاية كثيرة الاضطرابات

يوضح نجفي: {لم نواجه أي مشاكل خلال مرحلة المسح، بل سرت الأمور على خير ما يُرام. وتولت شركة China Railway عملية إنشاء الجزء الأول من هذه الطريق}. ويؤكد نجفي أن عملهم كان الأقل كلفة. فقد أحضروا معهم كل ما احتاجوا إليه: معدات البناء والعمال أيضاً (نحو 300 عامل). يخبر نجفي: {أقمنا مخيم العمل واستعددنا للبدء. لكن الاعتداءات لم تتأخر. سُرقت المعدات أو أُحرقت. حتى إن أحد المهندسين لقي حتفه في انفجار لغم}. وأخيراً، أُخذ المشرف المالي الصيني رهينة طوال ثلاثة أشهر. {وبسبب اعتداءات طالبان، اضطررنا إلى وقف العمل مراراً لفترات دامت أشهراً أحياناً}.

في النهاية، توجهوا إلى القرى للتحدث إلى زعمائها، علماً أن هذه تشكل غالباً خطوة ضرورية لحل المشاكل في أفغانستان. تُعتبر وردك ولاية كثيرة الاضطرابات يقطنها البشتون وتتراجع فيها سلطة الدولة. لكن سكان القرى على علاقة وثيقة بمقاتلي طالبان. يوضح نجفي: {اضطررنا في النهاية إلى دفع المال لسكان القرى بغية حماية مشروع البناء هذا}.

يتابع نجفي مؤكداً أن إرغام الشركات على دفع مال الحماية يشكل نموذج عمل مختبراً ويُعتمد عليه. أولاً، ينشر أعضاء طالبان الخوف والرعب قبل أن يرسل زعماء القرى موفديهم للتعهد بضمان الأمن والحماية. ومن ثم يتقاسم هذان الفريقان مال الحماية. بكلمات أخرى، ذهب قسم من المئة مليون يورو التي خصصتها الدولة الإيطالية لبناء هذه الطريق إلى جيوب طالبان مباشرة.

وعند سؤاله عن الوقت الذي استغرقه بناء الجزء الأول من الطريق، أجاب نجفي: {خمس سنوات لنحو 54 كيلومتراً}.

بعد ذلك، ما عاد الصينيون يودون المساهمة في إعادة بناء أفغانستان، حتى إنهم لم يقدموا عرضاً للجزء الثاني من الطريق.

يخبر نجفي: {رحلوا بأسرع ما يمكن، حتى إنهم خلفوا معدات البناء وراءهم}. ينتقل نجفي بعد ذلك إلى خريطة كبيرة معلقة في مكتبه. يقود الجزء الثاني من الطريق صعوداً نحو جبال كوهي بابا عبر ممر حاجي غاك. وهذه بالتأكيد منطقة وعرة.

بغية تسريع العمل، تعمل شركتان على إنشاء الجزء الثاني من الطريق، مع تولي الشركة الأفغانية Gholghola الكيلومترات 54 إلى 74. يملك هذه الشركة محمد نابي خليلي، أحد إخوة نائب الرئيس الأفغاني. ويصف خليلي الوضع في منطقته كما يلي: {هادئ. تعرض شخصان لإطلاق نار حتى اليوم. دُمرت المعدات، وتعرض مخيم العمل لقصف بالصواريخ}. ويحاول خليلي نفسه تفادي هذه الطريق منذ أن مزقت عبوة ناسفة فُجرت عن بعد سيارته في منطقة قريبة من ميدان شهر. لكنه نجا بطريق ما.

منذ البداية

تتولى الشركة الأفغانية {عمران} الكيلومترات 74 إلى 98 من الطريق، مع عمل الشركة الإيرانية Abad Rahan Pars على الكيلومترات 98 إلى 136. صحيح أن هذا الجزء الأطول، إلا أنه الأكثر أماناً نظراً إلى موقعه في عمق منطقة باميان المسالمة.

يرأس حسن نوروسي، رجل وحيد من أصفهان، عملية بناء الجزء الأخير. في مخيم العمل، طلب من الطاهي الأفغاني إعداد أطباق إيرانية في محاولة للحد من حنينه إلى الوطن. يأمل نوروسي كل يوم أن يغادر أفغانستان قريباً. يقول: {ما من شيء هنا، ولا حتى كهرباء}. علاوة على ذلك، يؤكد نوروسي أن الطريق متدنية الجودة. فبالأسلوب الذي تُبنى به، لن تدوم أكثر من ثلاث أو أربع سنوات، وفق نوروسي.

الطريق الجديدة متدنية الجودة؟ يفكر محمد نجفي لبرهة وهو جالس خلف مكتبه في الوزارة في كابول، ومن ثم يقول: {نعم، هذا مصدر قلق}.

يعود هذا القلق إلى الأسفلت. عُبدت هذه الطريق بطبقة من الأسفلت سماكتها نحو ستة سنتمترات تماشياً مع الخرائط الإيطالية. لكن نجفي يوضح: {نواجه في أفغانستان فصول شتاء قاسية مع تساقط الثلوج وفصول صيف شديدة الحر. أضف إلى ذلك الشاحنات التي ستعبر هذه الطريق بحمولتها المفرطة. ويجب ألا ننسى أيضاً العبوات الناسفة والألغام}. لذلك يشدد نجفي على ضرورة أن تكون سماكة طبقة الإسفلت 10 سنتمترات أو حتى 11 سنتمتراً.

تفاؤل دائم

من الممكن رؤية الطريق بوضوح من الأعلى. فتبدو واضحة المعالم لكل مَن يركب طائرة الأنتونوف القديمة المتداعية المتجهة إلى باميان عبر الجبال المتعرجة. ولكن لا بد أن هذه الطريق رائعة الجمال. يشير محمد رضا إبراهيم: {من وجهة النظر السياحية، تشكل هذه الطريق الأجمل في أفغانستان، فهي تجربة ممتعة بحق}.

يعرب إبراهيم (32 سنة)، مدير جمعية باميان للسياحة، عن تفاؤل دائم. فقد أصبحت هذه الطريق جزءاً من رؤيته الكبيرة {لتحويل السياحة إلى أهم القطاعات الاقتصادية في باميان}. ويملك خطة لتحقيق هذا الهدف.

سار أمامنا في باحة خالية في أحد الفنادق الصغيرة. بدا لنا هذا المكان غريباً ربما لأنه هادئ جداً. قال قبل أن ينزل بضع درجات إلى قبو صغير: {هيا تعالوا!}. فتح إبراهيم الباب وأضاء النور. ثم أضاف، مشيراً بفخر إلى بضعة رفوف: {هنا}.

استقر على الرفوف نحو 40 زوجاً من الزلاجات المختلفة الأحجام، فضلاً عن أحذية تزلج وثلاثة ألواح تزلج. هذه المعدات مستعملة، وهي هبة من نيوزيلندا، النمسا، وسويسرا، وها هي تقبع اليوم في ما قد يكون مخزن معدات التزلج الوحيد في كل أفغانستان، بلد يضم الكثير من الجبال الخلابة الخالية من المتزلجين، حتى اليوم على الأقل.

يود محمد إبراهيم تبديل هذا الوضع. ذكر وهو يضرب على أحد ألواح التزلج بيده: {نتمتع بأفضل الظروف لتعزيز سياحة التزلج}. فلا ينقص هذا البلد سوى السياح والمتزلجين. أوضح إبراهيم: {لم نحظَ السنة الماضية إلا بنحو 800 سائح مسجل في باميان}. وكانوا كلهم من الأفغان، علماً أن بعض الغربيين من المنظمات غير الحكومية قدِموا إلى هذه المنطقة من كابول على أمل قضاء بعض الأيام الهادئة فيها. يدرك إبراهيم أن الناس خارج أفغانستان يعتبرون بلده قلب الظلمة.

لكنه يركز على المزايا التي تتمتع بها منطقته. فوادي باميان جوهرة خضراء في بلد وعر خطير. وفي سبعينيات القرن الماضي، قبل كل تلك الحروب، كان أكثر من مئة ألف سائح يزورون باميان كل سنة.

في سيارة مكشوفة إلى باميان

لم يزر روسيو موقع العمل منذ زمن لأن الوضع خطر. بدلاً من ذلك، يكتفي بالاطلاع على التقارير وهو مختبئ وراء أسوار مجمع الحكومة الإيطالية في كابول. على مر السنين، ازدادت هذه الأسوار سماكة، فيما ارتفعت الأسلاك الشائكة وشُددت التدابير الامنية.

وعلى غرار كل العمال الدوليين في كابول، يعيش روسيو في ما يشبه قفصاً خاضعاً لحراسة مشددة وقلما يُسمح له بالخروج. نتيجة لذلك، تراجع تأثيره في الطريق إلى باميان كثيراً على مر السنين.

يذكر روسيو بصوت متعَب: {من الصعب جداً للأسف فهم أفغانستان من كابول. ومن المستحيل فهمها من أوروبا أو الولايات المتحدة. هذا مستحيل}. ركب روسيو بعد ذلك سيارة تويوتا مضادة للرصاص نقلته إلى السفارة الإيطالية.

في السفارة، كان السفير الإيطالي لوتشيانو بيزوتي في انتظاره، وهو يملك أيضاً ما يقوله عن الطريق، إلا أنه نسيه على ما يبدو. بيزوتي رجل أنيق كان يعمل سابقاً في القنصلية العامة في القدس. يحتل بيانو كبير الطابق الأرضي من هذا المبنى، فيما زينت الجدران صورة لبيزوتي مع البابا بينيديكتوس السادس عشر وأخرى له في معسكر فيراري في سباقات الفورمولا واحد. يعشق بيزوتي السيارات السريعة، ولعل هذا يبرر العبارة التي تفوه بها بعد ما أدلى به مرغماً عن الانتخابات الأفغانبة والتقدم في مجال حقوق المرأة. فقد ذكر: {أراهن أنك ستتمكن، بعد عشر سنوات، من قيادة سيارة مكشوفة من كابول إلى باميان، من دون أن تواجه أي مشاكل على الطريق الجديدة}.

هذا رهان جميل. لكن محمد إبراهيم، المدير السياحي المتفائل من باميان، يفضل البحث عن بدائل. أشار بعد الخروج من القبو المليء بمعدات التزلج: {نود تأسيس خطوط جوية دولية مباشرة من إيران وباكستان وطازجكستان. وقد يكون شعارنا: تعالَ مباشرة إلى باميان، المكان الأكثر أماناً في أفغانستان}.

يستطيع الناس عندئذٍ السفر بالطائرة فوق هذه الطريق المشؤومة، فوق طالبان والعبوات الناسفة والفقر والجنون، فوق كامل هذا البلد الذي تعمه الفوضى والمآسي، هذا البلد الذي يجد نفسه مرة أخرى في البداية بعد 13 سنة من الالتزام الدولي.

النزول بالمظلة في هندوكوش؟

يود إبراهيم إرجاع الزمن إلى تلك الأيام الجميلة. يذكر: {يمكننا أن نقدم شتى الأمور هنا: نزهات في الجبال، عبور الأنهر بالمراكب الصغيرة، حتى النزول بالمظلات الهوائية. نملك أيضاً الكثير من المعالم المميزة، مثل البحيرات في بند أمير، أول منتزه وطني في أفغانستان}.

من المفرح مقابلة أحد في أفغانستان لم يُصب باليأس بعد نتيجة وضع البلد الراهن. يُعتبر تفاؤل إبراهيم أميركياً إلى حد ما بسبب رسوخه. فبالإصغاء إليه، يشعر الزوار الغربيون أنهم خائنون لأن الغرب فقدَ كل أمل في إصلاح بلد إبراهيم، وما عاد يسعى إلا لهدف واحد: الخروج. يقول: {أنا متفائل. كيف يمكننا الاستمرار في أفغانستان من دون التفاؤل؟}.

يعتبر إبراهيم الطريق الجديدة منفذاً إلى العالم، منفذاً أفضل بكثير من طائرة الأنتونوف القديمة. رغم ذلك، يضيف أن من الجيد معرفة متى سيُفتتح هذا المنفذ، هذا إن افتُتح أساساً.

حتى فيتوريو روسيو لا يعرف الجواب. كان من المفترض أن تُفتتح الطريق في أغسطس 2015. بدا روسيو، رجل إيطالي في التاسعة والخمسين من عمره، منهكاً وهو جالس في غرفة بسيطة في مجمع الحكومة الإيطالية في كابول. من هذه الغرفة يُشرف على عملية البناء مؤدياً دور المراقب الغربي. وتشمل مهمته مراقبة المال الإيطالي.

يؤكد روسيو: {ست سنتمترات من الإسفلت كافية بالتأكيد. لا شك في أن زيادتها تعزز جودة الطريق، شأنها في ذلك شأن إقامة نفق في الجبال. ولكن علينا للأسف أن نظل ضمن حدود الميزانية المقررة}. وتبلغ هذه الميزانية 100 مليون يورو. يقيم روسيو في هذا البلد منذ سبع سنوات، ويقول إنه يحب أفغانستان. لكنه يشتكي من أن الناس في الغرب يفكرون ببساطة زائدة ولا يرون العثرات التي تكمن أمام مشروع كذاك الذي يرأسه، مثل المقابر. يخبر: {يدفن الأفغانيون موتاهم في كل مكان. ترى أحياناً تلة صغيرة. إلا أنك تعجز عن تمييز الكثير من المقابر. فيأتي إليك سكان القرى فجأة ويقولون: ‘لا يمكنك شق طريق هنا. فثمة أناس مدفونون هنا’}. وفي ظروف مماثلة، ثمة احتمالان، وفق روسيو. فإما يبدلون مسار الطريق، علماً أن هذه عملية مكلفة، أو يعيدون دفن الموتى، وهذه خطوة بالغة الدقة والحساسية. ويضيف: {اذهب إلى عائلة من البشتون وقل لها: ‘السلام عليكم، نود نبش قبر والدكم. فهل تمانعون؟’}.