أرسل تحياتي إلى كل المعلمين في الأرض في عيدهم، وأقول كل عام وأنتم بخير، كل عام وأنتم أكثر عطاءً ونوراً ورحمة.

Ad

إن الإنسان عندما يتخذ التعليم مهنة له لا يعلم أنه امتهن أخطر مهنة على الأرض، فهو سيتعامل مع أخطر مخلوق وأخطر جهاز على وجه الكوكب، إنه الإنسان هذا الكائن الخطير الذي إن بنيته بشكل صحيح أنتجت صرحاً يبقى طوال حياته، وربما بعد مماته، مفيداً للبشرية، وإن حدث العكس أصبح آلة تدمير تدمر وتحرق الأخضر واليابس، ولنا في ما نراه أمثلة كثيرة لا تخفى على أحد.

عندما كنا صغاراً لا نفقه من الحياة غير اللعب والأكل والنوم لم نعلم أن هناك عوالم أخرى علينا أن نتعرف عليها، وبعد دخولنا المدرسة بدأت حياة أخرى تنمو داخل عقولنا تكبر وتسأل وتشكك وتريد أجوبة، فتجد أن هناك نوعين من المعلمين، الأول نوع نمطي جاء ليعمل كما يعمل أي شخص في أي وظيفة منذ الصباح حتى المساء، يلقن الطلاب الدرس كالملا والكتاتيب، لا تنقصه غير الفلقة والعصا، لا يضيف شيئاً جديداً إلى عقل هذا الطفل الفضولي، إلا ما بداخل الورق الموجود أمامه والسلام عليكم.

أما النوع الثاني فهو ذو مهمة أصعب وأجمل، إنه من يفتح لك أبواب الفضول والسؤال، ولا يعمل على كبت تلك الرغبة المجنونة في المعرفة لدى الأطفال، إن الطفل إذا التقى بهذا المعلم فإنه يشعل في مخه تلك الجذوة المتقدة من الأسئلة والفضول و"الحشرية" كما يسميها البعض.

كنت كباقي الأطفال "حشرية" فضولية أمشي وراء أمي وأصدع رأسها بأسئلتي، حتى قاربَت الجنون، فهي لديها مسؤولياتها الكثيرة مع إخوتي والمنزل، لكنها كانت تجيب على قدر استطاعتها عن أسئلتي الكثيرة التي لا تنتهي، وكنت أيضاً طفلة ثرثارة، عندما بدأت أكبر وجدت المعلمين والمعلمات على أشكال وأنواع فبدأت آخذ حذري ولا أقترب منهم أكثر من مادة الدرس لأن أغلبهم لم يكن على دراية بمهنة التعليم، اللهم إلا دراستهم الأكاديمية، لكن لم تشتعل في رأسي الصغير آنذاك غير مدرسة اللغة العربية السيدة بشرى، طيّب الله ذكرها، لم أكن أعرف عن اللغة العربية غير النحو والصرف الممل والقواعد التي تصدع بها رأسنا أيام المدرسة الثانوية، لكنها جعلتني أعشق اللغة العربية، وفتحت لي باباً لم أكن أعرفه، باباً وجدت منه المنفلوطي رجلاً متديناً، لكنه كان مدافعاً راقياً عن المرأة، ووجدت غربة جبران خليل جبران هي غربة الإنسان العربي في بحثه عن الحقيقة، وصوت الأمل فينا، جبران الإنسان الذي لا يهتم بما يقوله الناس عن مرتا البانية، بل ذهب ليفتح الباب ليعرف الناس أن الإنسان الذي تدمره ظروفه وتحكم عليه بالرذيلة إنسان، وربما أكثر إنسانية من الذي يدّعي الشرف والنزاهة، وجدت المتنبي بذلك التمرد والشموخ وبنفس الوقت بتلك الرومانسية الراقية تحكي عنها الأوراق التي تتكلم على لسانه.  تلك السيدة الرقيقة معلمتي فتحت باباً ما كنت أعرفه، خرجت أبحث عن المزيد بفضلها، بعثت فيَّ ذلك الفضول الذي كنت أحاول أن أخفيه، وتركت الموروث من كلام العامة وحكم الشوارع ورحت أبحث عن نفسي بين الناس.

إنها معلمة واحدة فقط، تركت في نفسي تأثيراً دام طويلاً، ومازلت أذكرها وأذكر الأيام التي أمضيتها وأنا أبحث عن هذه الكتب أو تلك وأجلس ساعات طويلة أقرأها.

إن المعلم يمكن أن يكون أداة هدم لصحة عقل الطفل أو أداة بناء، والذين يقرأون كلامي يعرفون ما أعني، فكم من طفل كره الذهاب إلى المدرسة بسبب المعلم، وطفلٍ تعلق بالصف وبالكرسي حتى بسبب المعلم، فيا أيها المربي الفاضل والمربية الفاضلة اتركوا أثراً يَذْكركم به تلاميذكم في حياتهم كما فعلت معلمتي، وستجدون اسمكم قد كتبه أحد طلابكم يوماً على صفحة جريدة أو كتاب.