حتى الأسبوع الماضي لم ينظر أحد في خارج أسكتلندا بجدية تامة إلى إمكانية تعرض أكثر دول أوروبا استقراراً والوحيدة على وجه الأرض التي لم يسبق لها أن عانت غزواً أو ثورة أو حربا أهلية في أي وقت خلال الـ268 سنة الماضية إلى الزوال عن الخريطة في وقت قريب، ولكن يبدو من المحتمل تماماً الآن أن نشهد نهاية وجود المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية بعد الاستفتاء على استقلال أسكتلندا الذي سوف يجري في 18 سبتمبر الحالي.

Ad

وقد تغيرت الإمكانات بالنسبة إلى أسكتلندا وبريطانيا بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء عندما نشرت "يوغوف"، وهي واحدة من أكثر مؤسسات استطلاع الرأي موثوقية في بريطانيا دراسة أظهرت أن تقدم الاتحاديين تقلص إلى مجرد (53– 47) مقارنة مع هوامش من 10 إلى 20 نقطة مئوية كانت نموذجية في استطلاعات سابقة، وكان التحول في الأرقام مفاجئاً وكبيراً إلى درجة جعلت بيتر كيلنر، وهو رئيس "يوغوف" يجد صعوبة في تصديق تلك الحصيلة وفقاً لما جاء على موقعه على الإنترنت:

"بدا أن زعيم الوطنيين الأسكتلنديين أليكس سالموند متجهاً نحو هزيمة حادة... ولكن نهاية قريبة تبدو محتملة، وانتصار كلمة "نعم" أصبح إمكانية حقيقية، وعندما رأيت بياناتنا لأول مرة أردت التأكد من أن الحركة حقيقية. وعلى أي حال، كانت كل استطلاعات الرأي، مهما أجريت بدقة وحذر، عرضة لخطأ في الجمع، والسؤال هو هل في وسعنا التيقن من أن هذه الزيادة في الدعم للاستقلال حقيقية؟ أنا الآن واثق من ذلك".

ومن خلال متابعة كيفية تغيير المقترعين لآرائهم في الاستفتاء توصل كيلنر إلى استنتاج مفاده أن حملة الاستقلال كانت تكسب أربعة مقترعين في مقابل كل واحد تخسره، في حين وصلت خسارة الاتحاديين إلى اثنين من المؤيدين لكل صوت مكتسب، وقد أفرز تحليل المعلومات من جانب جهات حزبية الخلاصة ذاتها: التغير في الرأي كان حقيقياً.

تفكك المملكة المتحدة

بعيداً عن التحقق الإحصائي توجد عدة أسباب تدفع إلى الاعتقاد أن تفكك المملكة المتحدة أصبح إمكانية حقيقية، وكبداية كان للتحول في الرأي العام حافز جلي: فقد حقق سالموند نجاحاً واضحاً في مناظرة تلفزيونية في الأسبوع الماضي، والجانب الأكثر أهمية كان الافتراض بأن الأسكتلنديين سوف يتحولون نتيجة قضايا اقتصادية، وهو أمر في مصلحة دعاة الابتعاد عن المجازفة بالتصويت لمصلحة الوضع الراهن، وقد أثبت أنه افتراض خاطئ، ويبدو الآن أن العديد من المقترعين يركزون بقدر أكبر على المضاعفات السياسية للاستقلال. ويرى العديد من الأسكتلنديين أن الاستفتاء يشكل فرصة من أجل تحويل بلدهم إلى ديمقراطية اشتراكية على الطريقة الإسكندنافية، تعبر عن روح جماعية وطنية قمعتها النزعة الإنكليزية المحافظة، وخاصة منذ انتخاب مارغريت تاتشر في سنة 1979، ثم إن حقيقة أن أسكتلندا انتخبت عضواً محافظاً واحداً فقط في البرلمان في آخر انتخابات جرت في المملكة المتحدة يقدم دليلاً واضحاً على هذا الاختلاف الأيديولوجي.

النزعة الاستقلالية

وأياً كانت الأسباب وراء هذه الزيادة في النزعة الاستقلالية فقد لاحظتها الأسواق المالية بصورة مفاجئة، وأفضى استطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسة "يوغوف" إلى عملية بيع فورية للجنيه الإسترليني، في أكبر قفزة تشهدها التقلبات المتوقعة في العملة منذ أزمة اليورو في سنة 2011، وهبوط شديد في أسهم رويال بنك أوف سكوتلاند، وكانت ردة الفعل التي اتسمت بالهلع منطقية. حتى مع بقاء فرص استقلال أسكتلندا متدنية تماماً– 20 في المئة فقط وفقاً لأسواق المراهنة السياسية– فإن العواقب سوف تكون هائلة، وقد يثير استفتاء أسكتلندا كل أنواع الأخطار الأخرى التي لم تفهمها بصورة تامة بعد أسواق المال وقادة الأعمال الدوليون.  وقد ركزت معظم التحليلات المالية والتجارية على القضايا الاقتصادية مثل ترتيبات العملة والضمانات الحكومية للمؤسسات المالية وعوائد نفط بحر الشمال، وعلى ما تنطوي عليه هذه القضايا من عوامل قلق فإن العواقب السياسية للاستقلال سوف تكون أكثر إزعاجاً وتمزيقاً.

ثورة ضد كاميرون   

سوف تبدأ المتاعب بعد الاستفتاء مباشرة نظراً لأن التصويت المفضي إلى الاستقلال قد يطلق ثورة ضد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون من أعضاء جناح اليمين في حزبه الذي يعرف تاريخياً باسم "حزب المحافظين والاتحاديين"، والسبب الآخر الذي قد يؤدي إلى تمرد يتمثل بسهولة فوز المحافظين في الانتخابات في إنكلترا في المستقبل، بعد خروج أعضاء حزب العمال الأسكتلنديين من البرلمان بصورة دائمة من وستمنستر، وهذه الثقة سوف تسمح بدورها لنشطاء الحزب باختيار زعيم أكثر تمشياً مع وجهات نظرهم المتعلقة بالتشكيك في أوروبا وفي جناح اليمين بقدر يفوق خط الاعتدال الذي يتبعه كاميرون.

وسوف يلوح في الأفق التحدي الدستوري الكبير المتمثل بقدرة ديفيد كاميرون على تجاوز ذيول الهزيمة في الاستفتاء المزمع عقده في شهر مايو من سنة 2015، عندما يتعين إجراء الانتخابات العامة في المملكة المتحدة ككل. وسوف يفضي استقلال أسكتلندا إلى تمزيق الشرعية الديمقراطية لأي حكومة تفرزها تلك الانتخابات، وإذا فاز حزب العمال فيها بأغلبية فسوف يعتمد انتصاره على أعضاء البرلمان الأسكتلنديين الذين سوف يطردون من وستمنستر عند انتهاء مفاوضات الاستقلال في سنة 2016 أو 2017، ولن تحصل حكومة بقيادة حزب العمال تنتخب في السنة المقبلة على تفويض ديمقراطي.

من جهة أخرى، إذا تمكن حزب المحافظين من الفوز في انتخابات السنة المقبلة، حتى بعد التصويت على استقلال أسكتلندا في الشهر الجاري، فإن الحزب سوف يصبح واثقاً تماماً من الحصول على أغلبية أكبر بعد غياب أسكتلندا، وإذا تم استبدال كاميرون عندئذ برئيس وزراء أكثر تشكيكاً في المسألة الأوروبية يدعو إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن الناخبين البريطانيين من دون مقترعين أسكتلنديين مؤيدين لأوروبا سوف يصادقون بشكل شبه مؤكد على هذا القرار في استفتاء.

وأخيراً، يتعين علينا التفكير في تأثير تصويت أسكتلندا لمصلحة البقاء في الاتحاد، ولكن بهامش ضيق فقط، وإذا كانت نتائج التصويت متقاربة جداً، كما تشير أحدث الاستطلاعات، فإن المحتمل عدم قبول الوطنيين لتلك النتيجة على أنها نهائية، وسوف تهبط سلطة ديفيد كاميرون كرئيس للوزراء إلى حد كبير، كما أن نتيجة الانتخابات العامة في السنة المقبلة "المتقاربة جداً" سوف تميل إلى مصلحة حزب العمال، حتى إذا استمر حزب المحافظين في الحكم فإن نتيجة استفتاء الاتحاد الأوروبي في سنة 2017 سوف تصبح غير مؤكدة بصورة متزايدة.

وباختصار، يبدو أن حالة عدم الاستقرار السياسي قد أصبحت حقيقة حياة دائمة في بريطانيا ما لم يتمكن الاتحاديون من الفوز في استفتاء أسكتلندا بهامش حاسم، ونظراً لأن مثل هذه النتيجة الواضحة تبدو غير محتملة الآن فإن تقلبات الجنيه الإسترليني والأصول البريطانية الأخرى خلال الأسبوع الماضي قد تنذر بما يحمله المستقبل.

* أناتول كاليتسكي | Anatole Kaletsky