بعد أن كان بحر الصين الجنوبي محور اهتمام الخبراء طوال سنوات، فإنه يحظى اليوم باهتمام كبير من وسائل الإعلام، وأحدث مظاهر هذا الاهتمام تقرير شبكة "سي إن إن" عن أن البحرية الصينية حذرت طائرة المراقبة P-8 التابعة للبحرية الأميركية وأبعدتها عن عدد من الجزر الصينية البشرية الصنع في سلسلة جزر سبراتلي.

Ad

لم تعلن بكين بعد رسمياً منطقة دفاع جوي فوق بحر الصين الجنوبي، كتلك التي أنشأتها فوق جزء من بحر الصين الشرقي عام 2013، فضلاً عن أنها تعجز اليوم عن فرض منطقة مماثلة مع مقاتليها الحاليين.

ولكن مع مواصلة الصين ادعاءها ملكية الأراضي وقرار إدارة أوباما على ما يبدو تحدي ادعاءات الصين هذه، تُعتبر الولايات المتحدة والصين اليوم أقرب إلى مواجهة مسلحة محتملة أكثر من أي وقت مضى خلال السنوات العشرين السابقة.

إليك ثلاث طرق قد تقود الولايات المتحدة والصين إلى الحرب:

1-    حادث: تشير التقارير إلى أن البحرية الأميركية تفكر في إرسال سفن على بعد 20 كيلومتراً تقريباً من الجزر البشرية الصنع هذه، مقتحمة بالتالي ما تدعي الصين اليوم أنه منطقة ذات سيادة. ومع انتشار سفن البحرية الصينية ومراكب دورياتها البحرية في تلك المياه، قد تؤدي محاولات ترهيب السفن الأميركية ومضايقتها إلى تصادم، مع رد كل من الطرفين على الآخر.

تعاطت الصين على هذا النحو مع سفن الأمم الأخرى، ومن الممكن أن يؤدي أي حادث إلى حالة من المواجهة والتوتر. فمن الجو تبعد جزر سيراتلي نحو 1287 كيلومتراً عن السواحل الصينية، أي ضمن المدى القتالي لطائرات الصين الحربية الأكثر تطوراً (علماً أن بكين لم تبرهن حتى اليوم أنها تستطيع أن تواجه بفاعلية دوريات الولايات المتحدة الجوية).

لكن المقلق حقاً أن الصين تبني مدارج للطائرات في تلك الجزر، وستتمكن قريباً من إطلاق طائرات منها لتجوب سماء المنطقة المحيطة، وعلى نحو مماثل، عندما تصبح حاملة طائراتها مزودة بجناح جوي، يمكنها بسهولة مراقبة المنطقة، ولا شك أن أياً من هذين التطورين يزيد على نحو كبير فرص حدوث تصادم في الجو، على غرار ما شهدناه عام 2001 بين مقاتلة صينية وطائرة مراقبة تابعة للبحرية الأميركية.

2-    عن سابق إصرار وتصميم: عززت الصين سمعتها الجيو-سياسية في جنوب شرق آسيا، مستندة إلى ادعاءاتها في بحر الصين الجنوبي وبنائها اليوم هذه الجزر، التي تغطي مساحة تفوق الثمانمئة هكتار، وكما كتبتُ في مجلة National Review أخيراً، إذا لم تقرر الصين التراجع وتخاطر بخسارة نفوذها في آسيا، فقد يرى القادة الصينيون أن وقف التعدي الأميركي على المياه، التي أعلنوا ملكيتهم لها أخيراً، في وقت باكر يشكل الفرصة الفضلى لجعل المخاطر تبدو كبيرة جداً بالنسبة إلى واشنطن.

عندما تصبح الطائرات الصينية في هذه الجزر، فقد يقرر القادة الصينيون عندئذٍ مضايقة الطائرات الأميركية ومنعها من التحليق في الأجواء "المحظورة" للسبب عينه، تاركين للولايات المتحدة أن تقرر كيفية الرد، وهكذا يفرضون عليها المواجهة في محاولة لإرغام إدارة أوباما على التراجع عن التورط في وضع عسكري آخر، في حين تحاول في الوقت عينه معالجة مسألتي أوكرانيا والشرق الأوسط.

3-    صراع غير مباشر: قد تعتبر الصين أن تحديها مباشرة السفن والطائرات الأميركية مخاطرة كبيرة، إلا أنها تستطيع تحقيق الهدف عينه باعتراضها سفن دول أخرى. على سبيل المثال، سبق أن ادعت الفلبين أن الصين أرغمت طائراتها الاستطلاعية على الابتعاد، كذلك تخوض الصين بانتظام مواجهات بحرية مع الفلبين وفيتنام.

قد تقرر الصين منع السفن الأجنبية من العبور قرب جزرها الجديدة، أو قد تحاول قريباً مرافقة الطائرات الأجنبية الأقل تقدماً لتخرج من الأجواء فوق جزرها، ومن المحتمل أن يؤدي أي صراع مباشر بين الصين وأي من جيرانها في هذه المرحلة إلى توريط الولايات المتحدة كي تتمكن من الحفاظ على مصداقية ادعائها أنها تطبق القانون الدولي (وفي حالة الفلبين مساعدة حليف تجمعها به معاهدة).

ترسم كل من بكين وواشنطن خطوطاً حمراء في بحر الصين الجنوبي، مما يجعل تأكيدهما لادعاءاتهما أولوية، ومن هذا المنطلق، تناوران وقد تقحمان نفسيهما في صراع محتمل.

وكلما نمت قدرة الصين على الدفاع عن الأراضي التي تزعم ملكيتها، ازدادت المخاطر التي ستواجهها الولايات المتحدة عند تحديها هذه الادعاءات، في ظل غياب آليات للحد من التصعيد وعدم الثقة المتنامي بين الطرفين. لهذا السبب يحاول كلا الطرفين رسم حدوده وتحديد نمط سلوكه قبل الآخر، صحيح أن هذا لا يؤكد احتمال حدوث مواجهة عسكرية، إلا أنه يعززه بالتأكيد.

مايكل آسلين - Michael Auslin